ليسوا من النسيج الوطني... فمن خان الإنسان خان الوطن
كفُّوا عن ترديد عبارة "جزء من النسيج الاجتماعي الفلسطيني" وكأنها آيةٌ منزلة لا يجوز الاقتراب منها. فليس كلُّ من وُلد على هذه الأرض كان أمينًا عليها، وليس كلُّ من رفع شعار الدين أو الوطن كان وفيًّا لهما.
إنَّ النسيج الاجتماعي الفلسطيني ليس مجرد جغرافيا تجمعنا، بل منظومةٌ من القيم والأخلاق والكرامة الإنسانية. ومن انتهك كرامة الإنسان الفلسطيني، وسفك دمه، وروَّع نساءه وأطفاله وشيوخه، وكمَّم الأفواه، وملأ المعتقلات بأصحاب الرأي، لا يحقُّ له أن يتدثَّر بعباءة النسيج الاجتماعي، فالإجرام لا يتحول إلى فضيلةٍ بتكرار الشعارات.
لقد انتهكوا حرمة الإنسان الفلسطيني، وانتهكوا شرف المجتمع، ولوَّثوا قدسية الدين بأفعالٍ والإسلام منها براء. فالإسلام الذي نعرفه لا يُجيز تعذيب إنسان، ولا إذلال امرأة، ولا تجويع طفل، ولا تحويل الناس إلى رهائن للخوف والجوع. الإسلام عدلٌ ورحمةٌ وكرامة، لا سوطٌ ومعتقلاتٌ ومحاكم تفتيشٍ سياسية.
أما الذين جعلوا من أنفسهم "صليبًا أحمر" لهذه الممارسات، وراحوا يُجمِّلون القبح ويُسوِّقون للجلاد، ويبنون العلاقات السياسية الحميمية على حساب دماء أبناء غزة وآهات الثكالى وصراخ الجوعى، فإنهم يتحملون مسؤوليةً أخلاقيةً وسياسيةً عن هذا الصمت. فالتواطؤ مع الظلم ليس حيادًا، والصمت عن الجريمة ليس حكمةً سياسية، وتبييض الانتهاكات ليس براغماتيةً وطنية.
ليس الحياد بين الظالم والمظلوم فضيلة، بل خذلانٌ للحقيقة.
كيف يكون جزءًا من النسيج الاجتماعي من يُطلق الرصاص على أبناء شعبه؟ وكيف يكون جزءًا منه من يُخوِّن الفلسطيني لأنه قال "لا"، ويُكفِّره لأنه اختلف معه، ويعتقله لأنه طالب بحقه في الحياة والكرامة؟ وكيف يكون جزءًا منه من يترك الناس جوعى وعطشى، ويجعل من معاناتهم سلعةً للنفوذ والسلطة؟
إنَّ من يُمارس التمييز بين أبناء الشعب الواحد، ويُقدِّم الولاء للتنظيم على الولاء للوطن، ويجعل من الفلسطيني درجاتٍ في الحقوق والكرامة، إنما يُغرِّد خارج السرب الوطني، ويُهدِّد وحدة المجتمع والقضية الفلسطينية معًا.
لن يُغيِّر التاريخ حقائقه إرضاءً لأحد، ولن تستطيع الشعارات أن تُخفي رائحة الظلم طويلًا. فالأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُحمى بالمعتقلات، ولا تُحرَّر بإذلال الإنسان الفلسطيني.
وسيأتي اليوم الذي تُفتح فيه دفاتر الحساب، ليس انتقامًا، بل انتصارًا للعدالة. يومٌ يُسأل فيه الجميع: أين كنتم حين كان الإنسان الفلسطيني يُذل ويُجوَّع ويُعتقل ويُقتل؟ ماذا قلتم؟ وماذا فعلتم؟ وهل كنتم مع الحقيقة أم مع مصالحكم السياسية؟
إننا لا نبحث عن الثأر، بل عن وطنٍ لا يُهان فيه الإنسان، ولا تُستباح فيه الكرامة، ولا يُرفع فيه أحدٌ فوق القانون والمساءلة.
فالوطن باقٍ، أما الظلم فإلى زوال. والدم الفلسطيني ليس وجهة نظر، وكرامة الإنسان الفلسطيني ليست بندًا قابلًا للتفاوض.
وسيبقى السؤال الذي لن يسقط بالتقادم:
هل من يقتل الكرامة الإنسانية يمكن أن يكون جزءًا من النسيج الوطني؟
أما نحن، فنقولها بملء الضمير: لا.