أخبار

روسيا وأوكرانيا تخنقان البحر الأسود.. حرب الموانئ تهدد بأزمة غذاء عالمية جديدة

روسيا وأوكرانيا تخنقان البحر الأسود.. حرب الموانئ تهدد بأزمة غذاء عالمية جديدة

عواصم: دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد في البحر الأسود، بعدما تحولت السفن التجارية والموانئ وممرات تصدير الحبوب إلى جزء مباشر من المواجهة العسكرية بين موسكو وكييف. ولم يعد الخطر يقتصر على احتمال فرض حصار بحري تقليدي، بل بات استهداف السفن بالصواريخ والطائرات والزوارق المسيّرة كافياً لشل حركة الملاحة، من خلال رفع المخاطر على الطواقم وتكاليف التأمين إلى مستويات قد تدفع شركات الشحن إلى الابتعاد عن المنطقة.

ويحذر تقرير نشرته مجلة Foreign Policy في 6 أغسطس 2026، للصحفي بول هوكينوس، من أن التصعيد المتبادل قد يفتح الباب أمام أزمة جديدة في تجارة الحبوب العالمية، خصوصاً إذا استمرت الهجمات حتى موسم الحصاد الجديد في سبتمبر وأكتوبر، رغم أن أسواق الغذاء أظهرت حتى الآن قدرة أكبر على استيعاب الصدمة مقارنة بما حدث عقب اندلاع الحرب عام 2022.

وأعلنت أوكرانيا في 23 يوليو أن حركة النقل البحري من وإلى موانئها الثلاثة غير المحتلة على البحر الأسود توقفت فعلياً، بعدما استهدفت الضربات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة 57 سفينة تجارية أوكرانية وأجنبية خلال يوليو وحده.

وجاء غرق السفينة “غولدن ليو”، المملوكة لجهة تركية، قبالة أوديسا في 19 يوليو ليكشف حجم المخاطر التي أصبحت تواجه حركة الشحن. فقد أصيبت السفينة بثلاثة صواريخ روسية، ما أدى إلى غرقها ومقتل عشرة أشخاص كانوا على متنها.

وانعكس التصعيد سريعاً على قدرة أوكرانيا على تصدير منتجاتها الزراعية. فقد أدت الضربات خلال العام الجاري إلى خفض صادرات الحبوب الأوكرانية بنحو الثلث، في الوقت الذي تضاعفت فيه تكاليف الشحن. ويقدر وزير الزراعة الأوكراني الخسائر المباشرة في عائدات التصدير بما يتراوح بين 1.5 و3 مليارات دولار خلال العام الجاري.

وتختلف الأزمة الحالية جوهرياً عن أزمة البحر الأسود في عامي 2022 و2023. ففي المرحلة السابقة ارتبط تعطيل الصادرات الأوكرانية بالحصار البحري المباشر واستخدام السفن والألغام للسيطرة على الممرات. أما الآن، فالممرات لا تزال مفتوحة رسمياً، لكن الضربات المباشرة ضد السفن وطواقمها وحمولاتها أوجدت شكلاً مختلفاً من الإغلاق.

فكلما ازدادت احتمالات إصابة السفن، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وقد تصل الكلفة إلى مستوى تصبح معه الرحلة التجارية غير مجدية اقتصادياً. وبهذا المعنى، لا تحتاج أي من الدولتين إلى إغلاق البحر الأسود عسكرياً بالكامل، لأن إحجام شركات الملاحة عن إرسال سفنها يمكن أن يؤدي عملياً إلى النتيجة نفسها.

ويطرح هذا الواقع مشكلة لا يمكن حلها بمجرد تقديم ضمانات مالية لشركات النقل. وتظهر تجربة الولايات المتحدة في مضيق هرمز حدود هذا النوع من الحلول، بعدما أنشأت واشنطن خطة لإعادة التأمين البحري بقيمة 20 مليار دولار إثر توقف التغطية التجارية في مارس 2026، من دون أن يؤدي ذلك إلى عودة حركة الشحن إلى مستوياتها الطبيعية، إذ استمرت شركات كثيرة في تجنب الخليج رغم وجود التغطية التأمينية.

فالضمان المالي يستطيع تعويض قيمة السفينة أو الشحنة إذا تعرضت لهجوم، لكنه لا يستطيع إزالة الخطر المباشر الذي يواجه أفراد الطواقم. وفي هذا السياق، حذر ستيفن كوتون، من الاتحاد الدولي لعمال النقل، من أن الضربات تستهدف عملياً عمالاً مدنيين لا علاقة لهم بالنزاع، مؤكداً أن التأمين المالي يعوض الخسائر لكنه لا يقلل المخاطر التي تهدد حياة البحارة.

وتواجه أوكرانيا في الوقت نفسه مشكلة أخرى تتمثل في محدودية البدائل المتاحة لنقل صادراتها. فالممرات التي تعتمد على نهر الدانوب وشبكات النقل عبر أوروبا الوسطى لا تستطيع استيعاب سوى جزء من الطاقة التصديرية التي توفرها موانئ البحر الأسود.

وتقدر الفجوة الشهرية في القدرة التصديرية بنحو 2.5 إلى 3.5 مليون طن، فيما لا تستطيع الطرق البديلة مجتمعة استيعاب أكثر من نصف طاقة موانئ البحر الأسود في أفضل الأحوال. وإلى جانب محدودية قدرتها، تفرض هذه الطرق تكاليف إضافية تقدر بنحو 45 إلى 50 دولاراً لكل طن، ما يجعلها وسيلة لتخفيف الأزمة وليست بديلاً كاملاً عن الموانئ البحرية.

لكن الضغط على تجارة الحبوب لا يأتي من الجانب الروسي وحده. فقد نقلت أوكرانيا بدورها المواجهة إلى حركة الشحن الروسية في بحر آزوف، مستخدمة الطائرات والزوارق المسيّرة لاستهداف السفن والبنية المرتبطة بالملاحة الروسية.

ودفعت هذه الهجمات روسيا إلى وقف العبور عبر مضيق كيرتش في 10 يوليو، بعد استهداف أكثر من 100 سفينة. كما سجلت صادرات القمح الروسية في يوليو تراجعاً حاداً مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، فيما أصبح ميناء نوفوروسييسك الروسي شبه معطل.

ويكشف ذلك عن مفارقة سياسية وإنسانية في الأزمة. فبينما تطالب كييف الأمم المتحدة بالضغط على موسكو لوقف استهداف الملاحة التجارية انطلاقاً من التداعيات الإنسانية للضربات الروسية، تؤدي العمليات الأوكرانية ضد حركة الشحن الروسية بدورها إلى الإضرار بإمدادات الحبوب العالمية.

واستغلت جماعات الضغط الزراعية الروسية هذه التطورات للتحذير من أن تعطيل صادرات الحبوب الروسية يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة الجوع في أفريقيا والشرق الأوسط. غير أن هذه التحذيرات تظل صادرة عن جهات روسية صاحبة مصلحة مباشرة، وليست تقييماً مستقلاً لحجم التأثير المتوقع على الأمن الغذائي العالمي.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، لا تزال أسواق الحبوب العالمية أكثر استقراراً مما كانت عليه خلال الأزمة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022. ويرتبط ذلك بعدة اختلافات في الظروف الاقتصادية والتجارية بين المرحلتين.

فعند اندلاع أزمة 2022، كانت الصوامع الأوكرانية ممتلئة بكميات كبيرة من المحاصيل التي أصبح من الصعب إخراجها من البلاد بعد تعطيل الموانئ. أما هذا العام، فقد جرى تسويق جزء كبير من المحصول الأخير قبل وصول أزمة الملاحة إلى مستواها الحالي.

كما أصبحت أسواق الحبوب العالمية أكثر مرونة نسبياً، وهو ما خفف حتى الآن من التأثير المباشر على أسعار الغذاء العالمية، رغم استمرار التوتر والترقب بشأن مستقبل الإمدادات.

إلا أن هذا الاستقرار قد لا يستمر طويلاً. فالمشكلة الأكثر خطورة يمكن أن تظهر مع بدء موسم الحصاد الجديد في سبتمبر وأكتوبر، عندما تحتاج أوكرانيا إلى تصدير كميات جديدة من الحبوب، في وقت قد تبقى فيه موانئها وقدراتها البحرية تحت ضغط الضربات الروسية وارتفاع مخاطر الملاحة.

وفي المقابل، فإن استمرار الهجمات الأوكرانية على الشحن الروسي يمكن أن يقلص بدوره قدرة روسيا، وهي واحدة من أكبر مصدري القمح في العالم، على إيصال منتجاتها الزراعية إلى الأسواق الدولية.

ويعني ذلك أن طرفي الحرب أصبحا قادرين على إلحاق الضرر ليس فقط بصادرات الطرف الآخر، وإنما بسلسلة إمدادات غذائية تتجاوز بكثير حدود روسيا وأوكرانيا والبحر الأسود.

وتبرز هنا معضلة يصعب حلها بالوسائل التي استخدمت خلال المراحل السابقة من الحرب. ففتح ممر بحري أو توفير تأمين حكومي للسفن قد لا يكون كافياً عندما تصبح السفن نفسها أهدافاً مباشرة للهجمات. كما أن زيادة الاعتماد على الممرات البرية والنهرية تواجه قيوداً تتعلق بالطاقة الاستيعابية والكلفة.

وهكذا يتشكل في البحر الأسود نمط مختلف من الحصار البحري، لا يعتمد بالضرورة على إغلاق الموانئ أو نشر الأساطيل لمنع مرور السفن، وإنما على جعل تكلفة المرور ومخاطره مرتفعة إلى درجة تدفع القطاع التجاري نفسه إلى الانسحاب.

وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن الأثر الحقيقي للأزمة لن يتحدد فقط بعدد السفن التي تتعرض للهجوم أو حجم الخسائر الروسية والأوكرانية، بل بمدى قدرة البلدين على إخراج محاصيلهما الجديدة إلى الأسواق العالمية خلال الأشهر المقبلة.

ومع اقتراب موسم الحصاد، يتحول البحر الأسود تدريجياً من جبهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا إلى نقطة ضعف محتملة في منظومة الأمن الغذائي العالمي. وإذا تزامن انخفاض الصادرات الأوكرانية مع اضطراب أكبر في صادرات القمح الروسية، فقد تواجه الأسواق صدمة أكثر اتساعاً، بما ينعكس بصورة خاصة على الدول المستوردة للحبوب في أفريقيا والشرق الأوسط.

وبذلك لا تكمن خطورة التصعيد الراهن في إغلاق البحر الأسود رسمياً، وإنما في إمكانية إغلاقه فعلياً واقتصادياً أمام التجارة. فالصواريخ والمسيّرات وارتفاع أقساط التأمين والخوف على حياة الطواقم قد تحقق النتيجة التي كان يحتاج تحقيقها سابقاً إلى حصار بحري كامل، لتصبح الأشهر المقبلة، ولا سيما سبتمبر وأكتوبر، الاختبار الحقيقي لما إذا كانت حرب الموانئ الروسية الأوكرانية ستظل أزمة إقليمية أم تتحول مجدداً إلى أزمة غذاء عالمية.