فريدمان: الحرب الأمريكية-الإيرانية تُكشف عن "فيزياء جديدة للقوة"
واشنطن: في مقال رأي، يرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان أن الحرب الأمريكية-الإيرانية التي اندلعت مطلع عام 2026 كشفت عن تحول جذري في "فيزياء القوة" العالمية: فقد بات بمقدور الأطراف الصغيرة - كإيران وحزب الله وحماس والحوثيين - أن تتصرف بضخامة ودقة وبتكلفة زهيدة، بينما تضطر القوى الكبرى، حين تريد التصرف بدقة وصغر الحجم، إلى تحمل تكاليف باهظة بسبب أنظمتها التسليحية الثقيلة والقديمة. ويرى فريدمان أن الميزة الصافية حالياً تميل لصالح الأطراف الصغيرة، وأن هذا الاتجاه مرشح للتسارع مع تطور الذكاء الاصطناعي.
ويستشهد الكاتب بعدة حوادث لم تحظَ باهتمام إعلامي واسع: تدمير إيران لجزء كبير من قاعدة الإمداد الأمريكية في البحرين في اليوم الأول من الحرب، وإصابة رادار منظومة "ثاد" المتقدمة في الأردن بصاروخ إيراني قادر على المناورة أثناء الطيران، وهجوم بطائرتين مسيّرتين على مجمع السفارة الأمريكية في الرياض استهدف مقر محطة وكالة الاستخبارات المركزية. في المقابل، يستعرض فريدمان أمثلة على قدرة الأطراف الكبرى على "التصرف بصغر" بدقة عالية: الضربة الإسرائيلية التي قتلت أكثر من 40 من كبار القادة الإيرانيين في اجتماع واحد، وهجوم أجهزة النداء (البيجر) الذي استهدف حزب الله عام 2024، وفيروس ستكسنت الذي عطّل أجهزة الطرد المركزي الإيرانية عام 2009.
ملاحظة منهجية: هذا النص مقال رأي (Opinion) وليس تحقيقاً إخبارياً. كاتبه، توماس ل. فريدمان، هو عمود رأي في الشؤون الخارجية بصحيفة نيويورك تايمز منذ عام 1981، وحائز على جائزة بوليتزر ثلاث مرات، ومعروف بمقاربة تحليلية تجمع بين الصحافة والتعليق السياسي حول العولمة والشرق الأوسط والتكنولوجيا. يعرض المقال تحليلاً وتأويلاً شخصياً للكاتب لتطورات الحرب الأمريكية-الإيرانية ولا يمثل بالضرورة موقف صحيفة نيويورك تايمز التحريري أو إجماعاً بين المحللين الاستراتيجيين، وينبغي قراءته في ضوء الموقف السياسي العام لكاتبه الداعم عموماً لإسرائيل والمنتقد لإدارة ترامب.
١. تغريدة ترامب وميزان القوى الجديد
يفتتح فريدمان مقاله بالإشارة إلى منشور نشره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصات التواصل الاجتماعي في 5 أبريل 2026، موجهاً كلامه بلهجة غاضبة وخارجة عن البروتوكول الدبلوماسي المعتاد إلى قادة إيران، مطالباً إياهم بفتح مضيق هرمز وإلا واجهوا عواقب وخيمة. ويرى الكاتب أن هذا الخطاب غير المنضبط يعكس بوضوح معادلة القوة الجديدة التي أفرزتها الحرب، إذ لم تنصع إيران لضغط القصف الأمريكي كما كان متوقعاً.
ويوضح فريدمان أن هذه "الفيزياء الجديدة للحرب" لا تقتصر على المواجهة الأمريكية-الإيرانية، بل تظهر أيضاً في حرب أوكرانيا وروسيا، وفي مواجهات حزب الله وحماس مع إسرائيل، وفي عمليات الحوثيين. وخلاصة هذه الديناميكية الجديدة، بحسب الكاتب، أن الأطراف الصغيرة باتت قادرة على الفعل بضخامة ودقة وبتكلفة منخفضة، بينما تستطيع الأطراف الكبرى أيضاً الفعل بدقة وصغر الحجم، لكن بتكلفة أعلى بكثير بسبب أعباء أنظمتها التسليحية الثقيلة القديمة. ويحذر من أن هذه الميزة النسبية للأطراف الصغيرة ستتعزز أكثر مع الثورة الجارية في الذكاء الاصطناعي، ما يمنحها قدرة أكبر وأرخص تكلفة.
٢. "لقد انتصرنا": تصريح ترامب المبكر وخطة إيران البديلة
يذكّر فريدمان بأن ترامب أعلن النصر في 11 مارس 2026، بعد أقل من أسبوعين من بدء الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية واسعة النطاق ضد إيران، مصرحاً بأن الحرب انتهت "في الساعة الأولى". ويعلّق الكاتب ساخراً بأن ترامب كان محقاً في شيء واحد فقط: لا ينبغي إعلان النصر مبكراً جداً.
فبحسب فريدمان، لم يدرك ترامب أن الحكومة الإيرانية أيضاً لها رأي في تحديد متى تنتهي الحرب بالفعل بالانتصار أو الهزيمة. والأهم من ذلك، أن طهران - على عكس واشنطن - كانت تملك "خطة بديلة" ليوم ما بعد الضربة الأولى: توظيف قدرتها الجديدة على الفعل بضخامة ودقة وبتكلفة زهيدة للسيطرة على مضيق هرمز، رغم أن حجم جيشها لا يمثل سوى جزء ضئيل من حجم الجيش الأمريكي وكان قد تعرض لضربات موجعة.
٣. الثمن الأمريكي الخفي: قاعدة البحرين ومنظومة "ثاد" في الأردن
يرى فريدمان أن إيران، رغم عقود من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ عام 1979، تمكنت من تطوير ترسانة من الصواريخ والمسيّرات المتطورة نسبياً وغير المكلفة، سمحت لها بالصمود في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة معاً وصولاً إلى ما يشبه التعادل، بل وإلحاق أضرار كبيرة بأصول عسكرية أمريكية في المنطقة - وهو ما يرى الكاتب أن ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث حاولا التكتم عليه.
ويكشف المقال أن حاملة الطائرات الأمريكية الرئيسية في الخليج، يو إس إس أبراهام لينكولن، عانت أحياناً من نقص في الإمدادات اللازمة لطاقمها البالغ نحو 5700 فرد، بعدما دمرت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية جزءاً كبيراً من قاعدة الإمداد الأمريكية في البحرين في اليوم الأول من الحرب. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز أن هذا الدمار طال مركز لوجستياً اعتمدت عليه البحرية الأمريكية لعقود، ما اضطر إدارة ترامب لزيادة الاعتماد على قاعدة تحت القيادة البريطانية في جزيرة دييغو غارسيا، التي تبعد نحو 2700 ميل عن البحرين. ويتساءل فريدمان عن سبب ضعف الحماية التي كانت عليها قاعدة البحرين في مواجهة الصواريخ الإيرانية في اليوم الأول من الحرب، معتبراً أن هذا الأمر وحده يستوجب مساءلة هيغسيث أمام الكونغرس.
ويشير الكاتب أيضاً إلى تقرير في مجلة Defence Security Asia استند إلى تقرير لشبكة CNN، أفاد بأن صاروخاً إيرانياً دمّر في أوائل مارس راداراً بقيمة 500 مليون دولار كان يشغّل منظومة الدفاع الصاروخي المتقدمة "ثاد" في قاعدة معوذ الصلطي الجوية بالأردن، في ما وصفته المجلة بأنه "لحظة قد تكون فارقة" في الصراع الاستراتيجي بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وينقل فريدمان عن مسؤول أردني رفيع قوله إنه أُصيب بالذهول حين علم أن إيران تمكنت من توجيه صاروخها نحو رادار ثاد عبر مناورة أثناء الطيران للالتفاف على الرادار وتفادي الاكتشاف والاعتراض - وذلك في مواجهة أحد أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تطوراً في الترسانة الأمريكية.
٤. الصاروخ سلاح القرن الحادي والعشرين: من الفتاح الإيراني إلى دي إف-17 الصيني
يستشهد فريدمان بجون أركويلا، الأستاذ الفخري لتحليل الدفاع في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية، الذي يوضح أن حرب الصواريخ لم تعد مجرد إطلاق رأس حربي على مسار يمكن التنبؤ به يعتمد على القصور الذاتي وأنظمة التوجيه بالأقمار الصناعية. فقد ركزت روسيا موارد هائلة على تطوير صواريخ قادرة على المناورة أثناء الطيران، موجهة بمعلومات أفضل في الزمن الحقيقي، وتُدفع بسرعات تفوق سرعة الصوت بأضعاف، وقادرة على الوصول من زاوية لا يتوقعها المدافع. ويقول أركويلا إن صواريخ "الفتاح" الإيرانية يُعتقد أنها تمتلك قدرات مماثلة، رغم أن الغموض ما زال يكتنف ما إذا كانت هي أم المسيّرات من دمّر رادار ثاد على بعد 500 ميل من إيران.
ويصف أركويلا، مؤلف كتاب "الطريقة الأمريكية المضطربة في الحرب: من هيروشيما إلى عصر الخوارزميات"، هذا التطور بأنه يجعل الصاروخ "السلاح الأبرز في القرن الحادي والعشرين"، القادر على تقويض الردع والاستقرار في أنماط مختلفة من المعارك. ويذكّر فريدمان بأن الصين تنشر منذ سنوات صواريخ دي إف-17 الأسرع من الصوت والقادرة على المناورة في تدريباتها بالذخيرة الحية قرب تايوان.
٥. هجوم على السفارة الأمريكية في الرياض
يستعرض الكاتب حادثة وقعت في 3 مارس، حين استهدفت طائرتان مسيّرتان انتحاريتان مجمع السفارة الأمريكية في الرياض في نحو الساعة 1:30 فجراً؛ إذ اخترقت المسيّرة الأولى الطابق الذي يضم مقر محطة وكالة الاستخبارات المركزية، فيما دخلت المسيّرة الثانية مباشرة من الفتحة التي أحدثتها الأولى، ما تسبب في انفجار كبير وحريق استمر ساعات. وتشير تقارير لاحقة، بحسب المقال، إلى احتمال أن تكون روسيا قد ساعدت إيران في هذا الهجوم عبر معلومات استخباراتية من الأقمار الصناعية زوّدها بها فلاديمير بوتين، دون أن تتخذ إدارة ترامب على ما يبدو أي إجراء بشأن ذلك.
٦. من "الكتلة والطاقة" إلى "المعلومات": قانون الحرب الجديد
يوضح أركويلا أن الحروب على مدى أجيال كانت "تُحسم بالكتلة والطاقة"، إذ خضع القتال لقانون فيزيائي بسيط مفاده أن دقة المقذوف تقل كلما زادت المسافة التي يقطعها، ما استوجب تعويض هذا القصور بمزيد من الكتلة والطاقة. أما اليوم، فقد بات هذا القانون متجاوزاً: "الحروب اليوم تُحسم بالمعلومات"، كما يقول أركويلا.
ويرى فريدمان أن هذه المعلومات باتت في متناول الأطراف الصغيرة أيضاً، مستشهداً بالضرر الكبير الذي ألحقه حزب الله بالمجتمعات الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي رغم منصاته العسكرية الأمريكية الصنع الضخمة، وبالخسائر الفادحة التي أنزلتها أوكرانيا بروسيا الكبيرة، وبقدرة إيران على فرض حالة جمود استراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ويخلص إلى أن الأسلحة الدقيقة الرخيصة التي يمكن تصنيعها في ورشة عمل بقبو منزل بمكونات متاحة عبر مواقع التسوق الإلكتروني، قطعت الرابط التقليدي بين المدى والدقة.
٧. أوكرانيا نموذجاً: قوة بحرية بلا بحرية تقليدية
يستشهد الكاتب بوصف أركويلا لأوكرانيا بأنها "أصبحت قوة بحرية دون امتلاك بحرية تقليدية"، مستخدمة قوارب مسيّرة ودراجات مائية مسلحة لدفع الأسطول الروسي التقليدي في البحر الأسود بعيداً عن سواحلها، بما يتيح لها مواصلة تصدير الحبوب والأسمدة إلى الأسواق العالمية.
ويرى أركويلا أن هذه التقنيات الجديدة تتيح لـ"الكثيرين والصغار" - كالإيرانيين والحوثيين وحزب الله وحماس - الإفلات من الضربات الثقيلة لخصومهم لأنهم مختبئون جيداً، ويستطيعون الرد بضربات دقيقة خاصة بهم. في المقابل، لا يملك الجيش الأمريكي سوى 11 فرقة عسكرية كبيرة وبطيئة الحركة و11 مجموعة حاملات طائرات. ولذلك يخلص أركويلا إلى أن المدافعين اليوم يمتلكون ميزة حقيقية على المهاجمين: فبينما ركز ترامب وهيغسيث على "توسيع نطاق الحرب" عبر زيادة وتيرة القصف وحجمه، ركزت إيران على "تمديد نطاق الحرب أفقياً"، بإخفاء وحدات صغيرة مزودة بصواريخ دقيقة في مواقع متعددة، ومهاجمة القواعد الأمريكية ومنشآت النفط العربية في أنحاء الخليج.
٨. "يكفيهم ألا يخسروا": الميزة غير المتكافئة للأطراف الصغيرة
ينقل فريدمان عن أركويلا قوله إن مهمة الوحدات الصغيرة تقتصر على البقاء لفترة كافية لإطلاق النار ثم الانسحاب، وأن التشكيلات الكبيرة من دبابات أبرامز باتت أقل أهمية على الأرض من الوحدات الصغيرة العديدة المزودة بأسلحة رخيصة يمكن تصنيعها وتعديلها في غضون أسبوع.
ويخلص الكاتب إلى أن هذه الأسلحة الجديدة تمنح الأطراف الصغيرة ميزة إضافية غير متكافئة: فهي لا تحتاج إلى الانتصار، بل يكفيها فقط ألا تخسر، في حين تحتاج القوى الكبرى إلى الانتصار وإنهاء الحرب والعودة إلى ديارها دون أن تترك خلفها أي التزامات معلقة - وهو أمر بات أصعب بكثير في ظل هذه المعادلة الجديدة.
٩. حين يتصرف الكبير بصغر: اغتيالات طهران، هجوم أجهزة النداء، وستكسنت
يحذر فريدمان من أن الإيرانيين وحزب الله لا ينبغي أن يبالغوا في الثقة بأنفسهم، إذ إن النصف الآخر من معادلته يقول إن الأطراف الكبرى تستطيع أيضاً الفعل بصغر ودقة عاليين. فقد شنّت إسرائيل في اليوم الأول من الحرب، بمساعدة استخبارات أمريكية، ضربات جوية دقيقة قتلت أكثر من 40 من كبار القادة الإيرانيين المجتمعين في اجتماع قيادي رفيع المستوى داخل مجمع واحد في طهران - أي أن إسرائيل، بمعلومات دقيقة، قضت على جزء كبير من النخبة الأمنية الإيرانية بضربة واحدة.
ويستذكر الكاتب أيضاً هجوم أجهزة النداء (البيجر) الذي نفذته إسرائيل ضد حزب الله في 17 و18 سبتمبر 2024، حين فجّرت أجهزة النداء وأجهزة إلكترونية محمولة أخرى كان يستخدمها عناصر ومقاتلون وضباط ومسعفون ومناصرون مدنيون لحزب الله، ما أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص وإصابة نحو 3000 آخرين، وتشير التقديرات إلى إخراج نحو 1500 مقاتل من حزب الله عن الخدمة بسبب إصابات طالت أياديهم ووجوههم وأوراكهم في الغالب. ويرى فريدمان أن إسرائيل، باستخدام كمية صغيرة نسبياً من المتفجرات وقدر هائل من المعلومات الاستخباراتية، تمكنت من قتل وإصابة عدد كبير من مقاتلي حزب الله في غضون ساعات قليلة.
ويذكر الكاتب أيضاً هجوم ستكسنت الأمريكي-الإسرائيلي المشترك على منشأة تخصيب اليورانيوم الإيرانية في نطنز، الذي بدأ عام 2009، حيث زُرعت دودة حاسوبية صغيرة - بضعة أسطر من الشيفرة البرمجية - بدلاً من قصف المنشأة، لتعطيل عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية من طراز IR-1، رغم أن إيران استبدلت هذه الأجهزة سريعاً وكان التعطيل محدود الأثر في نهاية المطاف (ولم تعترف الولايات المتحدة أو إسرائيل يوماً بمسؤوليتهما عن الفيروس). ويعلّق فريدمان بأن هذا مثال آخر على "الكبير الذي يتصرف بصغر" باستخدام برمجية خبيثة فقط، لكن تطوير تلك الشيفرة والعملية المشتركة برمتها كلّفا على الأرجح مبالغ طائلة.
١٠. تحذير أخير: حين يصبح المراهق قوة مزعزعة للاستقرار
يختم فريدمان مقاله بتحذير مما يعتبره الأمر الأكثر إثارة للقلق اليوم: مدى السهولة المتزايدة التي بات بها "الصغير" - لا بمعنى الحجم فقط، بل أيضاً بمعنى العمر - قادراً على الفعل بضخامة. فمراهق يمتلك حاسوباً محمولاً واتصال "ستارلينك" ونموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر بات بإمكانه تعطيل شبكة مياه أو كهرباء بلدية بأكملها عبر تحديد واستغلال ثغرات برمجية قديمة.
ويختتم الكاتب بملاحظة ساخرة مفادها أنه لا ينبغي أن يستغرب القارئ إن سمع يوماً ما قريباً عمدة مدينته يتحدث بلهجة أقرب إلى لهجة ترامب الغاضبة، مطالباً بإعادة تشغيل شبكة المياه فوراً.