هل يعاد بناء النظام السياسيّ الفلسطينيّ، أم يعاد بناء مركزه الجغرافيّ أيضاً؟
السؤال أعلاه، على مشروعيته، يعد من أخطر الأسئلة التي مرّت على القضيّة الفلسطينيّة منذ النكبة وإلى يوم الناس هذا، ذلك لأن المراقب وفي ظل الحديث المتكرّر من قبل الفاعلين الدوليّين والإقليميّين حول ضرورة إعادة بناء النظام السياسيّ الفلسطينيّ، عبر مدخل الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، يلمس اختلالاً فاضحاً في الأولويات السياسيّة على الأرض، فما الذي يراد إعادة بنائه بالضبط، النظام السياسيّ، أم مركزه الجغرافيّ، وتحت أي تصوّر للدولة؟
وهذا سؤال مركّب وملغوم إن تركناه دون إجابات ممكنة، أو تصوّرات مقترحة، خصوصاً عندما نتابع التركيز الدوليّ والإقليميّ المتزايد على اليوم التالي في غزة، فيما نشهد تغييراً متسارعاً لملامح جغرافيا الضفة، وهو ما حذّرت منه كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، باعتبار ما يحدث من قضم للأراضي وتشريع للاستيطان من قبل الدولة الإسرائيليّة في الضفة، إنما يقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينيّة متّصلة، ما دفع هذه الدول لمطالبة إسرائيل بوقف إجراءاتها فوراً؛ هذا فضلاً عما تقوم به الدولة الإسرائيليّة بقرار سياسيّ واضح عبر المستوطنين كذراع تنفيذيّة تدّعي الدولة الإسرائيليّة أنها تحاول لجمها، فيما توفّر حكومتها لها الحماية القانونيّة والميدانيّة.
فلا شكّ أن قضيّة الانتخابات، سواء التشريعيّة أو الرئاسيّة، ليست مشكلة في حد ذاتها، وإنما هي ضرورة مؤجّلة منذ سنوات طويلة، لكن المشكلة الحقيقيّة تكمن في السياق السياسيّ والجغرافيّ الذي يدفع باتجاه إجراء هذه الانتخابات وإعادة بناء النظام الفلسطينيّ داخله، من دون إجابات واضحة على سؤال الاتجاه، إلى أين نحن ذاهبون؟ فثمة مسار يتشكّل تدريجياً، سواء كان مقصوداً أم لم يكن، قد يؤدّي تقاطع مصالح الفاعلين المختلفين فيه إلى الدفع بغزة نحو مركز الثقل السياسيّ الفلسطينيّ؛ وهو أمر قد يبدو مفهوماً إنسانياً وسياسياً على خلفيّة ما تعرّضت له من حرب مدمّرة طالت البشر والحجر، لكنه يصبح خطراً عندما تتجمّع حول غزة أسئلة الحكم والسلاح والإعمار والانتخابات واللجنة الإداريّة ومجلس السلام والشرعيّة الفلسطينيّة الجديدة، بينما يتحوّل سؤال الضفة إلى ملف استيطان وضم واحتجاجات دبلوماسيّة.
نعم، لا أزعم أن ثمة قراراً دوليّاً مكتوباً يقضي باستبدال الضفة بغزة، لكن تراكم المسارات قد ينتج النتيجة نفسها من دون أن يعلنها أحد؛ فالوقائع على الأرض تشير إلى أن غزة باتت في مركز الاهتمام السياسيّ والإقليميّ والدوليّ، فيما تُركت الضفة في قلب مشروع متسارع لإعادة هندسة جغرافيتها وديمغرافيتها في آن، عبر أدوات "خطة الحسم"، من مصادرة وضم واستيطان وتهجير للتجمّعات الفلسطينيّة؛ والأخطر أن هذا التوجّه لا يمثّل قراءة فلسطينيّة افتراضيّة لما تضمره الحكومة الإسرائيليّة، وإنما يجد تعبيراته الواضحة في سياسات ومواقف معلنة تجاوز بعضها حدود الائتلاف الحاكم، بدءاً من تصويت الكنيست في العام 2024 ضد قيام دولة فلسطينيّة، وصولاً إلى طرح مشروع قانون في العام 2025 يدعو الحكومة إلى فرض السيادة الإسرائيليّة على الضفة الغربيّة وغور الأردن، فضلاً عن غياب خطاب سياسيّ إسرائيليّ راهن، حتى لدى قطاعات واسعة من المعارضة، يحمل رؤية جدّية لحل سياسيّ يقوم على وحدة الأرض الفلسطينيّة.
لذلك أخشى من أن يصبح عنوان "اليوم التالي في غزة" بديلاً غير معلن ولا منطقيّ عن "اليوم التالي للقضيّة الفلسطينيّة" نفسها، وأن تنزلق الأولوية من إقامة دولة فلسطينيّة في الضفة وغزة والقدس الشرقيّة إلى إنتاج كيان قابل للحياة في غزة، مع إدارة فلسطينيّة محدودة ومجزّأة في الضفة، ما يعني أنه وبينما ينشغل الفلسطينيّون والإقليم والعالم بإعادة ترتيب الخريطة السياسيّة الفلسطينيّة انطلاقاً من غزة، تنشغل إسرائيل بإعادة ترتيب الجغرافيا الفلسطينيّة انطلاقاً من الضفة.
وفي موازاة إعادة ترتيب الجغرافيا هذه، يبدو أن المشهد الفلسطينيّ نفسه يدخل طوراً جديداً من إعادة الاصطفاف، كما يظهر في التقارب بين حركة حماس وتيار القياديّ محمد دحلان وعدد من القوى والفصائل الفلسطينيّة حول الانتخابات وإعادة بناء النظام السياسيّ؛ فلا تكمن أهمية أو خطورة هذا الاصطفاف في أطرافه وحدها، ولا في الحكم المبكّر على دوافعه ونتائجه، وإنما في الجغرافيا السياسيّة التي يتشكّل داخلها؛ إذ يأتي في لحظة أصبحت فيها غزة مركزاً لمعظم المبادرات المتعلّقة باليوم التالي، من الحكم والإعمار والسلاح، إلى اللجنة الإداريّة ومجلس السلام والانتخابات، بما يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كانت القوى الفلسطينيّة تعيد بناء اصطفافاتها استجابةً لحاجة وطنيّة طال انتظارها، أم أنها بدأت، بقصد أو من دونه، بالتكيّف مع مركز ثقل سياسيّ جديد أسهمت الحرب في تشكيله، وتسهم حركة الفاعلين الدوليّين والإقليميّين في ترسيخه.
والمشكلة هنا لا تتعلّق بحق القوى الفلسطينيّة في إعادة تموضعها أو البحث عن مخارج لأزمة النظام السياسيّ، فهذا أمر مطلوب وضروريّ، وإنما في أن يجري ذلك من داخل سؤال غزة وحدها، فيما تتعرّض الجغرافيا التي يفترض أن يحمل هذا النظام تمثيلها في الضفة والقدس ويجسّد سيادتها لإعادة تشكيل متسارعة، وهنا تتجاوز المسألة سؤال من يتحالف مع من، ومن يفوز في أية انتخابات مقبلة، إلى سؤال أكثر جوهريّة، أي نظام سياسيّ نريد إعادة بنائه، ولأي جغرافيا فلسطينيّة؟ فالانتخابات تستطيع تجديد الشرعيّة، وإعادة توزيع القوة داخل النظام، ولكنها لا تستطيع وحدها حماية وحدة المجال السياسيّ الفلسطينيّ إذا كان هذا المجال نفسه يتعرّض للتفكيك على الأرض؛ والخشية عندئذ أن ننجح في إعادة بناء شرعيّة النظام، في الوقت الذي تنجح فيه إسرائيل في إعادة تعريف الجغرافيا التي تمنح هذه الشرعيّة معناها الوطنيّ.
في الخلاصة، صحيح أن غزة اليوم هي قلب الجرح الفلسطينيّ، ومن الطبيعيّ أن تكون في قلب الاهتمام الفلسطينيّ والعربيّ والدوليّ، لكن القلب لا يستطيع أن يكون بديلًا عن الجسد؛ فالضفة والقدس وغزة ليست ملفات ثلاثة منفصلة يمكن ترتيبها وفق الأولويات، وإنما هي مكوّنات جغرافيا سياسيّة واحدة إذا سقط أحد أجزائها، تغيّر معنى القضيّة كلها؛ ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في سؤال "اليوم التالي" لا يرتبط بعدم إجراء الانتخابات أو بفشلها، وإنما في أن تنجح الانتخابات الفلسطينيّة في الوقت الذي تنجح فيه إسرائيل في إعادة تعريف فلسطين نفسها؛ فالمشكلة في جوهرها لا تكمن في أن تصبح غزة قلب التحوّل الفلسطينيّ، وإنما في أن تتحوّل، بفعل الوقائع والمسارات المتراكمة، من قلب فلسطين إلى حدودها الجديدة، وأن يصبح مركز الاهتمام بها، مركزاً بديلاً للقضيّة نفسها.