د. سري نسيبة يروي تفاصيل خلافه مع عباس… ويكشف لماذا فقد إيمانه بحل الدولتين
رام الله: كشف الدكتور سري نسيبة، رئيس جامعة القدس الأسبق، عن تفاصيل خلافه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والذي يعود إلى مرحلة مفاوضات أوسلو، مؤكداً أن ذلك الخلاف بدأ بسبب اختلافهما حول كيفية مصارحة الفلسطينيين بحقائق المفاوضات، قبل أن يتطور إلى قطيعة سياسية وشخصية استمرت حتى اليوم، بالتزامن مع إعلانه أن حل الدولتين لم يعد، من وجهة نظره، خياراً واقعياً في ظل الوقائع التي فرضها الاستيطان الإسرائيلي.
وخلال مقابلة مع بودكاست Naiv & Jung الألماني، روى نسيبة أنه كان عضواً في لجنة اللاجئين خلال المفاوضات المبكرة، وكان يدرك أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل لم تكن مطروحة عملياً على طاولة التفاوض، لذلك اختار التصريح بذلك للرأي العام الفلسطيني بدلاً من إخفائه. وأضاف أن محمود عباس اعترض على تلك التصريحات خلال اجتماع حضره الرئيس الراحل ياسر عرفات، قبل أن يقول له: “أنا آمرك بأن تتوقف عن هذا النوع من التصريحات”، فرد عليه: “أنا لا أعمل عندك، أنا أعمل عند الرجل الذي بجانبك”، في إشارة إلى عرفات. ويقول نسيبة إن تلك الواقعة شكلت نقطة تحول في علاقته بعباس، الذي اعتبره منذ ذلك الحين محسوباً على معسكر عرفات، لتنقطع العلاقة بينهما. كما وصف عباس بأنه يمتلك مهارة في إدارة الصراعات داخل السلطة، لكنه يفتقر، بحسب رأيه، إلى الكاريزما الشعبية التي كان يتمتع بها عرفات.
وأشار نسيبة إلى أن موقفه العلني بشأن ملف اللاجئين جرّ عليه لاحقاً مواجهة مباشرة مع مجموعة من المسلحين في أحد مخيمات اللاجئين قرب بيت لحم، استمرت ساعات، وانتهت بإبلاغه أنهم يرفضون مواقفه لكنهم يحترمون صراحته في عرض ما يعتقد أنه الحقيقة.
وفي الشق السياسي، استعرض نسيبة مسيرته الفكرية، موضحاً أنه بدأ مؤيداً لفكرة الدولة الواحدة، ثم أصبح من أبرز المدافعين عن حل الدولتين خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بعد اقتناعه بأن الفلسطينيين يريدون دولتهم المستقلة. إلا أنه أكد أن فشل عملية أوسلو واستمرار التوسع الاستيطاني دفعاه إلى مراجعة هذا الموقف، وصولاً إلى قناعة بأن حل الدولتين لم يعد قابلاً للتطبيق في الظروف الحالية.
ويرى نسيبة أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لضمان الحقوق المدنية والسياسية للفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، مقترحاً منح الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة الحقوق المدنية نفسها التي يتمتع بها سكان القدس الشرقية، على أن يُترك الحسم النهائي بين خيار الدولة الواحدة أو الدولتين إلى مرحلة لاحقة عندما تتغير الظروف السياسية.
كما جدد نسيبة تمسكه بخيار اللاعنف، معتبراً أن العنف المسلح لا يفضي إلى إنهاء الصراع بل إلى إعادة إنتاجه. وفي هذا السياق، رأى أن هجوم السابع من أكتوبر ألحق ضرراً استراتيجياً بالقضية الفلسطينية، وانتقد السلطة الفلسطينية لعدم إدانتها الهجوم بشكل واضح قبل انتقاد الرد الإسرائيلي، معتبراً أن ذلك أضعف الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية.
وتعكس تصريحات نسيبة، كما عرضها خلال المقابلة، مراجعة سياسية وفكرية تمتد لعقود، يربط فيها بين تجربته داخل مسار المفاوضات، وخلافاته مع القيادة الفلسطينية، وبين قناعته بأن التحولات الميدانية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية جعلت من الضروري البحث عن مقاربات جديدة تتجاوز الصيغ التقليدية للتسوية السياسية.