مقالات

حين يجتمع الخصوم على طاولة واحدة... هل تستيقظ فتح قبل أن يبدأ سباق الانتخابات؟

حين يجتمع الخصوم على طاولة واحدة... هل تستيقظ فتح قبل أن يبدأ سباق الانتخابات؟

الانتخابات القادمة ليست معركة صناديق فقط... بل امتحانٌ لوعي فتح وقدرتها على تجديد نفسها

هناك أخبارٌ تمرّ على الناس مرور العابرين، وهناك أخبارٌ تستوقفك لا لأنها تحمل مفاجأة سياسية فحسب، بل لأنها تكشف مقدار التحول الذي أصاب المشهد الفلسطيني.

الحديث عن تحالف انتخابي يضم قوى وشخصيات كانت تقف في مواقع متباعدة، بل متصارعة، ليس مجرد تفصيل انتخابي يمكن وضعه على هامش المشهد. إنه جرس إنذار سياسي وتنظيمي يستحق من حركة فتح أن تتعامل معه بعقل بارد، لا بعاطفة غاضبة، وبقراءة عميقة لا بردة فعل إعلامية عابرة.

ففي السياسة، لا تسأل فقط: من تحالف مع من؟

بل اسأل: لماذا الآن؟ وما الذي يجمعهم؟ ومن المستفيد؟ وماذا سيحدث في اليوم التالي؟

من خصومة الأمس إلى شراكة الصندوق

لسنوات طويلة، كانت لغة التخوين والاتهامات المتبادلة جزءًا من الخطاب السياسي بين أطراف فلسطينية عديدة.

واليوم، إذا صحت التقارير المتداولة عن سعي قوى مختلفة إلى تشكيل إطار انتخابي مشترك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس التشهير بأحد، ولا فتح دفاتر الماضي للانتقام، وإنما:

كيف سيشرح كل طرف لجمهوره هذا التحول؟

كيف ستُشرح لجمهور حماس تحالفات مع شخصيات وتيارات كانت موضع خصومة سياسية شديدة؟

وكيف سيشرح جمهور التيار الإصلاحي الفتحاوي انتقاله من مربع الخصومة إلى مربع الشراكة مع قوى طالما اختلف معها جذريًا؟

هنا تظهر الحقيقة التي يعرفها كل سياسي، لكنها لا تُقال دائمًا بصراحة:

الانتخابات تعيد ترتيب التحالفات، لكنها في الوقت نفسه تكشف حقيقة الأولويات.

هل الأولوية مشروع وطني؟

أم مقعد انتخابي؟

أم نفوذ تنظيمي؟

أم محاولة للعودة إلى المشهد من بوابة التحالفات؟

هذه الأسئلة لا يجوز الهروب منها.

لكن فتح ليست بريئة من المشهد

ومن الظلم أن نحصر المسؤولية في الطرف الآخر.

فتح نفسها مطالبة بأن تنظر إلى المرآة قبل أن تنظر إلى الصندوق.

فالمنافس الذي ينجح في جمع أطراف متناقضة على هدف واحد، حتى لو كان هدفهم مواجهة فتح، يكون قد فهم شيئًا من قواعد اللعبة.

أما فتح، فلا يجوز أن تدخل الانتخابات وهي ما زالت تحمل داخلها أزمات تنظيمية لم تُحسم، وخلافات لم تُعالج، وقطاعات من قواعدها تشعر بأن المسافة بينها وبين القرار أصبحت أطول من اللازم.

الانتخابات لا ترحم التنظيمات المرتبكة.

والصندوق لا يعرف تاريخ الحركة، ولا بطولات الشهداء، ولا رصيدها النضالي، إذا لم يتحول ذلك كله إلى ثقة حاضرة وبرنامج مقنع ومرشحين قادرين على مخاطبة الناس.

لا يكفي أن نقول: نحن فتح

هذه الجملة وحدها لم تعد كافية.

فتح ليست مجرد اسم انتخابي.

فتح تاريخ وتجربة وطنية وذاكرة شعب، لكنها لكي تبقى كذلك، يجب أن تكون أيضًا تنظيمًا حيًا قادرًا على إنتاج المستقبل.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.

هل ستعيد فتح بناء أطرها؟

هل ستفتح أبوابها أمام الكفاءات والشباب؟

هل ستعيد الاعتبار للقاعدة التنظيمية؟

هل ستتوقف عن التعامل مع أبناء الحركة باعتبارهم مجرد أصوات عند صناديق الاقتراع؟

وهل ستمنح غزة مكانتها التنظيمية والسياسية التي تستحقها؟

غزة ليست هامشًا في فتح.

غزة جزء من روح فتح وتاريخها وذاكرتها ودمائها.

ومن يدخل الانتخابات متجاهلًا غزة أو يتعامل معها كملف مؤجل، يدخل المعركة بنصف مشروع.

لا نريد معركة إعلامية... نريد معركة تنظيمية

أخطر ما يمكن أن تفعله فتح هو أن تكتفي بمهاجمة التحالفات المنافسة.

فالبيان الإعلامي لا يبني تنظيمًا.

والمنشور الغاضب لا يصنع قائمة انتخابية.

والاتهام لا يعوض غياب البرنامج.

إذا كان هناك تحالف واسع يتشكل في المقابل، فإن الرد الحقيقي لا يكون بالصراخ:

"هؤلاء اجتمعوا ضد فتح".

بل يكون بالسؤال:

"ماذا ستفعل فتح كي تجعل الناس يتمسكون بها؟"

وهذا يتطلب ورشة تنظيمية حقيقية، تبدأ من القاعدة ولا تنتهي عند القيادة.

المصالحة داخل فتح قبل التحالفات خارجها

إذا كانت الانتخابات قادمة، فإن أول قائمة يجب أن تُشكّلها فتح ليست قائمة المرشحين.

بل قائمة المصالحات.

تصالح مع القواعد.

تصالح مع الكوادر.

تصالح مع الكفاءات التي ابتعدت.

تصالح مع الشباب.

تصالح مع غزة.

تصالح مع التاريخ الفتحاوي نفسه.

فلا يمكن أن تطلب من أبناء الحركة أن يخوضوا معركة موحدة بينما هم يرون أمامهم بيتًا تنظيميًا لم يستكمل بعد ترتيب غرفه.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن أبناء فتح قادرون على التوافق عندما تتقدم المصلحة التنظيمية والوطنية على الحسابات الشخصية.

إذن، ما الذي يمنع تكرار التجربة؟

لا شيء... سوى الإرادة.

الانتخابات ليست سباق أسماء

أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه فتح هو تحويل الانتخابات إلى عملية اختيار أسماء فقط.

المطلوب ليس أن نسأل:

من سيكون في مقدمة القائمة؟

بل:

ما المشروع الذي سيحمله؟

ماذا ستقول فتح للناس؟

كيف ستتعامل مع غزة؟

كيف ستواجه الانقسام؟

كيف ستعيد بناء المؤسسات؟

كيف ستحمي القرار الوطني المستقل؟

كيف ستعيد الاعتبار لمنظمة التحرير؟

كيف ستفتح الطريق أمام جيل جديد؟

وكيف ستثبت أن فتح ليست مجرد رد فعل على خصومها، بل مشروع وطني قادر على قيادة المرحلة القادمة؟

وهل الانتخابات مفروضة علينا؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.

ماذا لو كانت الانتخابات القادمة جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع؟

ماذا لو لم تعد القضية مجرد استحقاق ديمقراطي فلسطيني، بل أصبحت إحدى أدوات إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني؟

عندها يصبح التعامل معها بمنطق "نحن جاهزون أو لسنا جاهزين" غير كافٍ.

لأن عدم الجاهزية لا يعني بالضرورة أن الآخرين سيتوقفون.

السياسة لا تنتظر المتأخرين.

وقد يتحول الفراغ السياسي إلى مساحة مفتوحة أمام مشاريع لا نعرف إلى أين تقود.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل نريد الانتخابات؟

بل:

كيف ندخل الانتخابات إذا أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله؟

بين الانتحار السياسي والإنقاذ الوطني

قد يكون دخول الانتخابات دون استعداد كامل مخاطرة.

لكن قد يكون عدم الدخول فيها مخاطرة أكبر.

ولهذا لا يجوز أن يكون القرار انفعاليًا.

فتح تحتاج إلى قراءة سياسية دقيقة، ودراسة قانونية وتنظيمية عميقة، وتقييم حقيقي لموازين القوى، لا إلى أمنيات.

فالمعركة المقبلة، إن وقعت، لن تكون مجرد معركة بين قوائم.

ستكون معركة على شكل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى طبيعة التمثيل الوطني، وعلى مستقبل منظمة التحرير، وعلى قدرة القرار الوطني الفلسطيني على البقاء مستقلًا.

لا تخافوا من تحالف الخصوم

أقولها بصراحة:

لا ينبغي لفتح أن تخاف من اجتماع خصومها.

بل عليها أن تسأل نفسها لماذا استطاعوا أن يجدوا نقطة التقاء، بينما لا تزال فتح تبحث عن نقاط الاختلاف داخل بيتها؟

قد يكون اجتماع المختلفين ضد فتح فرصة تاريخية لفتح نفسها.

لأن الخطر أحيانًا يصنع الصحوة.

وقد يكون الخصم الذي يتجمع في الخارج هو السبب الذي يجعل البيت الفتحاوي يعيد اكتشاف وحدته في الداخل.

لكن ذلك لن يحدث بالخطابات.

سيحدث عندما يشعر الفتحاوي أن الحركة التي ينتمي إليها تحترمه، وتسمعه، وتشركه، وتمنحه دورًا حقيقيًا في صناعة القرار.

يا قيادة فتح... الصندوق لا ينتظر أحدًا

المرحلة القادمة لا تحتمل تدوير الأزمة.

ولا تحتمل إعادة إنتاج الوجوه نفسها بالآليات نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة.

نحتاج إلى فتح جديدة في أدواتها، لا في اسمها.

فتح التي تعرف تاريخها، لكنها لا تعيش عليه.

فتح التي تحترم قياداتها، لكنها لا تغلق الطريق أمام الأجيال الجديدة.

فتح التي تجمع ولا تقصي.

فتح التي تصالح ولا تنتقم.

فتح التي تجعل التنظيم خادمًا للمشروع الوطني، لا المشروع الوطني خادمًا للصراع التنظيمي.

وفي النهاية...

إذا كان خصوم فتح يتجهون إلى الصندوق، فعلينا ألا نذهب إلى الصندوق بالحنين وحده.

إذا كانوا يعدّون القوائم، فعلينا أن نعدّ مشروعًا.

إذا كانوا يجمعون الأصوات، فعلينا أن نستعيد الثقة.

إذا كانوا يوحدون صفوفهم ضد فتح، فعلينا أن نوحد فتح من أجل فلسطين.

لأن المعركة الحقيقية ليست:

من سيهزم فتح؟

بل:

هل ستنجح فتح في هزيمة أزمتها الداخلية قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع؟

وهنا، تحديدًا، تبدأ الحكاية.

فإما أن تستيقظ فتح قبل أن يبدأ السباق...

وإما أن تدخل الانتخابات وهي تطلب من التاريخ أن ينقذها، بينما التاريخ نفسه ينتظر منها أن تنقذ حاضرها.

ما أكبر فتح حين تكون موحدة... وما أخطرها على نفسها حين تنسى أن أكبر معاركها ليست مع خصومها، بل مع أزمتها الداخلية.