حين يرحلُ الرفيقُ وتبقى في الذاكرة حكايةُ رجلٍ لا يُنسى
رفيقُ الزنزانة الذي غاب... نايف خويطر «أبو باهر»
ليس كلُّ رحيلٍ يُشبه الرحيل، فهناك رجالٌ حين يغادرون هذه الدنيا، يتركون خلفهم فراغًا لا تملؤه الأيام، ووجعًا لا تُجيد الكلمات مواساته، وذكرياتٍ كلما حاول القلب أن يطويها أعادتها إليه تفاصيل العمر.
اليوم، أقف أمام خبر رحيل أخي وصديقي ورفيق الأسر والمعاناة، نايف خويطر «أبو باهر»، وأنا لا أكتب نعيًا عابرًا لرجلٍ رحل، بل أكتب شهادة وفاء لرفيقٍ عرفتُه في زمنٍ كانت فيه الحياة امتحانًا، وكانت الزنازين تختبر معادن الرجال، وكان الرفيق الحقيقي يُعرف في عتمة السجن أكثر مما يُعرف في وضح الحياة.
لقد جمعتني بأبي باهر أيامٌ لا تُنسى في سجن غزة المركزي؛ وهناك، حيث تضيق الجدران وتتسع الذاكرة، عرفته عن قرب، وعرفت فيه الإنسان قبل العنوان، والرفيق قبل القائد، والرجل الذي كانت مواقفه تسبقه أينما حلّ.
في السجن لا مكان للأقنعة؛ فالجدران الصامتة تحفظ الوجوه، والأيام الثقيلة تكشف المعادن. وهناك كان أبو باهر واحدًا من أولئك الرجال الذين يتركون في ذاكرة رفاقهم أثرًا لا تمحوه السنوات.
كان صاحب قلبٍ يعرف الوفاء، وروحٍ تعرف الصبر، وموقفٍ لا يتكسر أمام العواصف. وحين خرج من ظلال الأسر إلى فضاء الحياة، لم يترك خلفه ما آمن به، بل حمل تجربته معه، ومضى في طريقه، مؤمنًا بأن الانتماء ليس كلمة تُقال، وأن الوفاء للحركة والوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالموقف والعمل والعطاء.
كان أبو باهر من الرجال الذين آمنوا بأن حركة فتح ليست مجرد اسمٍ في ذاكرة التاريخ، وإنما قضية ومسؤولية وبناء، ولذلك ظلّ منحازًا إلى العمل التنظيمي، مدافعًا عن تماسك الحركة، حريصًا على نهوضها، ومتمسكًا بما يراه حقًا وصوابًا.
لم يكن من أولئك الذين يختارون الصمت حين يجب أن تُقال الكلمة، ولا الذين يبدّلون مواقفهم كلما تبدلت الرياح. كان يعرف أن للمواقف ثمنًا، وأن الرجل الحقيقي لا تُقاس قامته بما يملك، وإنما بما يستطيع أن يحافظ عليه من مبادئ حين تضيق المساحات وتشتد الاختبارات.
وحين داهمه المرض، بدأت معركة أخرى، طويلة وقاسية، حملته إلى جمهورية مصر العربية بحثًا عن العلاج، وظلّ الأمل يرافقه، وظلت قلوب محبيه معلقة بالدعاء.
لكن المرض، مهما طال، لا يستطيع أن يهزم سيرة رجل.
لقد غلب المرضُ الجسد، لكنه لم يستطع أن يغلب الصورة التي تركها أبو باهر في قلوب من عرفوه. رحل الجسد، وبقيت الملامح، وبقيت المواقف، وبقيت الضحكات والحوارات ورفقة الأيام، وبقيت تلك الصفحة من العمر التي جمعتنا خلف أبواب السجن، حين كان الصديق وطنًا صغيرًا، وكان الرفيق سندًا في زمنٍ لا سند فيه إلا الله.
يا أبا باهر...
كنتَ رفيقًا في زمن الأسر، والصديق الذي تشاركتُ معه قسوة الأيام، ولذلك فإن فقدك ليس خبرًا يُقرأ ثم يُطوى، بل جرحٌ يفتح دفاتر العمر كلها دفعةً واحدة.
سأتذكرك كما عرفتك؛ رجلًا لا يتكلف البطولة، لأن البطولة كانت تسكن مواقفه، ولا يبحث عن المجد، لأن أثره كان يمشي أمامه. سأتذكرك رفيقًا في الزنزانة، وصديقًا في الطريق، ومناضلًا حمل همّ وطنه وحركته، وإنسانًا ترك في نفوس من حوله ما يستحق أن يُحفظ.
ولعل أقسى ما في الرحيل أن الذين نحبهم يأخذون معهم جزءًا من ذاكرتنا؛ لكن عزاءنا أن سيرة الرجال لا تُدفن معهم، وأن من عاش وفيًا لا يغيب تمامًا، لأن أثره يبقى في القلوب، وفي حكايات رفاقه، وفي ذاكرة الأماكن التي شهدت خطاه.
إلى عائلة خويطر الكريمة، وإلى إخوانه وأحبته ورفاقه، وإلى أبناء حركة فتح، أتقدم بخالص العزاء والمواساة، راجيًا من الله أن يربط على قلوبكم، وأن يجعل هذا المصاب خاتمة أحزانكم.
أما أنت يا أبا باهر...
فنم قرير العين، فقد تركت خلفك رفاقًا يعرفون قدرك، وذكرياتٍ لا تموت، وسيرةً لن تطويها صفحات النسيان.
رحمك الله بقدر ما حملتَ من تعب، وبقدر ما صبرتَ على المرض، وبقدر ما كنتَ وفيًا لرفاقك وأهلك وقضيتك.
رحم الله أيامنا التي جمعتنا، ورحم الزنزانة التي شهدت رفاقتنا، ورحم رجلًا كان اسمه بيننا نايف خويطر، وكان لقبه الذي أحببناه: أبو باهر.
سلامٌ عليك يوم جئت إلى الدنيا،وسلامٌ عليك يوم غادرتها،وسلامٌ على روحك وهي تمضي إلى رحاب ربٍّ أرحم بنا من أنفسنا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمك الله يا أبا باهر، وأسكنك فسيح جناته، وجمعنا الله وإياك في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا وجع ولا مرض.