ثقافى

حين يصبح البحر شاهداً على شاعر لا يغيب: قراءة في «صائد الأمواج» وذاكرة سليم النفار

حين يصبح البحر شاهداً على شاعر لا يغيب:  قراءة في «صائد الأمواج» وذاكرة سليم النفار

ثمة كتب لا تقرأ من الخارج، ولا يمكن التعامل معها بوصفها نصوصاً أدبية مكتفية بذاتها، لأن وراء الكلمات حياة كاملة، ووجوهاً نعرفها، وأصواتاً سمعناها، وأياماً عشنا بعض تفاصيلها، وثمة كتب أخرى لا تكتفي بأن تستعيد الغائب، بل تحاول أن تنقذ شيئاً من حضوره من بين أنقاض الغياب، وكتاب «صائد الأمواج» للشاعر والكاتب ناصر عطا الله، عن الشهيد الشاعر سليم النفار، ينتمي بوضوح إلى هذا النوع النادر من الكتب؛ فهو ليس سيرة تقليدية، ولا مرثية بالمعنى المألوف، ولا دراسة نقدية بالمعنى الأكاديمي الصارم، ولا رواية مكتملة الأدوات، وإنما هو نصٌّ هجينٌ ومفتوح، تتداخل فيه السيرة بالشهادة، والذاكرة بالتوثيق، والشعر بالنثر، والخاص بالعام، والإنساني بالوطني، حتى يصبح الكتاب في جوهره محاولة لاستعادة إنسان كامل من تحت ركام الموت.

وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 2026 عن «مكتبة كل شيء» في حيفا، بتصميم شربل إلياس وتدقيق الدكتور عبد القادر فارس، وجاء إهداؤه إلى سليم النفار شاعراً وشهيداً، وإلى أهله وأحبته وإلى الأيام المشتركة، وهذه التفاصيل، في حد ذاتها، تقول شيئاً عن طبيعة الكتاب: إنه لم يكتب باعتباره ملفاً عن شاعر رحل، وإنما بوصفه فعلاً من أفعال الوفاء.

والحقيقة أن ناصر عطا الله لم يكن بحاجة إلى اختراع علاقة بالشهيد كي يكتب عنه؛ فالعلاقة كانت قائمة قبل الكتاب بسنوات طويلة، وممتدة في الذاكرة والتجربة والصداقة والعمل الثقافي والوطنية المشتركة، ولهذا تبدو الكتابة هنا صادرة عن معرفة داخلية بالشخصية، لا عن مراقبة من بعيد، فالكتاب نفسه يؤكد أن ناصر عرف سليم في تفاصيله العائلية والوطنية والمهنية والأدبية، وشاركه السفر والكتابة والأحاديث، وعرف انفعالاته وأحلامه ومواقفه، وهو ما منح السرد صدقية خاصة، وإن كان في الوقت ذاته يضع الكاتب أمام امتحان صعب: كيف يكتب المرء عن صديقه بعد أن يتحول الصديق إلى شهيد، وكيف يوازن بين الوفاء والحقيقة، وبين الحميمية والنقد، وبين الدمع ومسافة التأمل؟

ولعل قيمة «صائد الأمواج» الأساسية أنه لا يحاول أن يصنع من سليم تمثالاً، بل يعيده إلى إنسانيته، فنراه طفلاً، وابناً، وزوجاً، وأباً، وصديقاً، وشاعراً، ومناضلاً، وموظفاً ثقافياً، وفلسطينياً يحمل المنفى في ذاكرته، ويافا في قلبه، وغزة في لغته ومصيره، وهذه نقطة جوهرية في الكتاب؛ فالشهادة الحقيقية لا تبدأ من لحظة الموت، بل من الحياة التي سبقت الموت، لذلك كان من الطبيعي أن يعود ناصر إلى طفولة سليم، وإلى والده مصطفى، وإلى الهجرة من يافا، وإلى مخيم الشاطئ، وإلى سوريا واللاذقية، وإلى سنوات التكوين، ثم إلى العودة إلى غزة، قبل أن يبلغ السرد لحظته الأكثر قسوة: البحث عن سليم وعائلته في زمن الإبادة، وهكذا يصبح الموت نتيجة لمسار حياة طويل، وليس الحدث الوحيد الذي يمنح الشهيد قيمته.

من هنا أيضاً تأتي أهمية عنوان الكتاب، فـ «صائد الأمواج» ليس مجرد لقب شاعري، بل مفتاح دلالي لشخصية سليم، فالموجة في تجربة الفلسطيني ليست حركة بحرية عابرة؛ إنها استعارة للمنفى والعودة، للمد والجزر في التاريخ، للرحيل القسري، وللإصرار على استعادة الشاطئ الأول، فسليم ابن يافا من جهة الأب، ابن غزة من جهة الميلاد والحياة، ابن المخيم من جهة الذاكرة، وابن اللاذقية من جهة المنفى، ولذلك كان البحر في حياته أكثر من فضاء جغرافي، كان ذاكرة مفتوحة، وطريقاً إلى يافا، وحافة بين وطنين، ومرآة لروح لم تستسلم لفكرة المنفى النهائي.

ويكشف الكتاب بذكاء أن علاقة سليم بيافا لم تكن علاقة جغرافية فقط، بل علاقة وجدانية تكاد تكون علاقة حب، فقد عشق المدينة قبل أن تطأ قدماه ترابها، وحين دخلها كان البحر حاضراً بوصفه شاهداً على وعد العودة، وفي قصيدته «بحر يافا» يتخذ البحر موقع المخاطب والحافظ للوعد، بينما تصبح يافا حاضرة في الوجدان الفلسطيني حتى حين تغيب في الجغرافيا، وهذه واحدة من أجمل ثيمات الكتاب: كيف يستطيع المكان الغائب أن يصبح أكثر حضوراً من المكان الحاضر؟ وكيف يمكن لمدينة لم نعش طفولتنا فيها أن تتحول إلى جزء من طفولتنا المتخيلة؟

لقد التقت سيرة سليم في هذا الجانب مع سيرة ناصر نفسه، فالكتاب يكشف عن تقاطع عميق بين تجربتين عائليتين خرجتا من يافا، وعاشتا الهجرة والمنفى، ثم التقتا في غزة، ويصبح هذا التقاطع واحداً من أهم عناصر الكتاب، لأنه يحول السيرة الفردية إلى سيرة جيل فلسطيني كامل، جيل حمل آباؤه مفاتيح البيوت، وحمل الأبناء صور المدن التي لم يعرفوها إلا من الحكايات، وظلت فلسطين بالنسبة إليهم وطناً جغرافياً وذاكرة وحقاً سياسياً وحلماً شخصياً في الوقت نفسه، ومن اللافت أن الكتاب يوثق هذا التشابك العائلي والوجداني بين عائلتي النفار وعطا الله، وصولاً إلى لقاء الآباء في سياق العمل الفدائي، بما يجعل الصداقة اللاحقة بين سليم وناصر امتداداً لجذور أقدم من صداقتهما الشخصية.

ولأنني عرفت سليم النفار عن قرب، وكانت تجمعني به علاقة رفاقية وصداقة وثيقة، فإن قراءة «صائد الأمواج» بالنسبة إليّ ليست قراءة محايدة بالمعنى البارد للكلمة، لكنها في الوقت ذاته ليست قراءة أسيرة للحنين، فأنا أعرف سليم الإنسان قبل أن أعرفه الشاعر، وأعرف فيه الرفيق الذي كان يحمل قلق فلسطين في حديثه اليومي، كما أعرف فيه الشاعر الذي كان يستطيع أن يحول ذلك القلق إلى صورة وإيقاع ودهشة، وما يلفتني في الكتاب أن ناصر لم يكتب عن سليم باعتباره شاعراً فقط، بل حاول أن يضيء المسافة بين الشاعر والإنسان، وهي المسافة التي كثيراً ما تضيع في كتب الرثاء.

كنت أرى في سليم واحداً من أولئك الذين لا يمكن اختزالهم في إنتاجهم الأدبي، حيث كان الشعر جزءاً من تكوينه، لكنه لم يكن منفصلاً عن وطنيته، ولا عن حساسيته تجاه الناس، ولا عن موقفه من الانقسام، ولا عن ذاكرته الفلسطينية، وقد سجل الكتاب جوانب من هذه الشخصية، بما فيها مواقفه السياسية والفكرية الواضحة، ولا سيما رفضه للانقسام الفلسطيني وما اعتبره تكريساً لشرذمة الواقع الوطني وإضعافاً للمشروع الفلسطيني، كما أشار إلى حضور هذه المواقف في كتاباته وقصائده.

وهنا تكمن إحدى فضائل ناصر عطا الله، أنه لم يكتب سليم من زاوية واحدة، ولم يقدمه باعتباره «شهيداً» فقط، ولا باعتباره «شاعراً» فقط، ولا باعتباره «مناضلاً» فقط، إنه يحاول أن يستعيد التعدد الداخلي للشخصية، وأن يقول إن الإنسان الفلسطيني يمكن أن يجتمع فيه الشاعر والمناضل والعاشق والأب والصديق والابن واللاجئ والمثقف، وأن هذه العناصر لا تتنافى، بل يصنع بعضها بعضاً.

ومن أجمل ما يكشفه الكتاب أن سليم كان ينظر إلى الأدب باعتباره امتداداً للحياة، لا بديلاً عنها، ولهذا لم يتوقف عند الشعر، بل خاض تجربة الرواية والسيرة الذاتية، وقد صدر له «فوانيس المخيم» عام 2017، ثم «ذاكرة ضيقة على الفرح» عام 2020، ثم «ليالي اللاذقية»، لتشكل هذه الأعمال مساراً سردياً موازياً لتجربته الشعرية، ويقرأ ناصر هذا التحول باعتباره امتداداً طبيعياً للشعر، لا خروجاً منه، وهو تقدير أراه مهماً؛ فالشاعر حين يذهب إلى الرواية لا يغادر بالضرورة أرض القصيدة، وإنما يوسع مساحتها، ويمنح الذاكرة زمناً أطول ومساحة أرحب للتفصيل.

وفي «فوانيس المخيم» و«ذاكرة ضيقة على الفرح» و«ليالي اللاذقية» تتشكل أمام القارئ خريطة أخرى لسليم، خريطة لا تعتمد على القصيدة وحدها، وإنما على السرد بوصفه وسيلة لاستعادة الأمكنة والناس والأزمنة، ولذلك فإن «صائد الأمواج» لا يكتفي بتقديم هذه الأعمال باعتبارها عناوين في مسيرة الكاتب، بل يحاول أن يقرأها ضمن مشروعه الأوسع، مشروع مقاومة النسيان.

ولعل أجمل ما في هذا المشروع أن المخيم لا يظهر باعتباره مكاناً للسكن فقط، بل باعتباره مصنعاً للذاكرة الفلسطينية، فالمخيم في الكتاب هو المدرسة الأولى للفقد، والنافذة الأولى على البحر، والمكان الذي تشكلت فيه شخصية سليم، وفيه تداخلت حياة اللاجئ مع حياة الشاعر، ولهذا فإن «فوانيس المخيم» ليست رواية منفصلة عن «صائد الأمواج»، وإنما أحد مفاتيحه الأساسية، فالكتاب يضيء البدايات التي ستساعد القارئ لاحقاً على فهم الإنسان الذي صار شهيداً.

والأمر نفسه ينطبق على «ليالي اللاذقية»، التي تظهر بوصفها نافذة أخرى على المنفى، وعلى مرحلة ظلت بعض تفاصيلها في ذاكرة سليم زمناً طويلاً، وقد جاءت الرواية، بحسب الكتاب، حاملة لشهادة عن مرحلة قاسية عاشها في سوريا، وكأنها محاولة متأخرة لفتح خزائن ذاكرة لم يكن قد أخرج منها كل شيء.

أما شعر سليم، فلا يقدمه ناصر باعتباره زينة للسيرة، بل باعتباره أحد مصادر فهم الشخصية، فحين يستدعي قصيدة مثل «الفاجعة»، أو يتوقف عند قصيدة «يا أحبائي»، أو يستعيد نصوصه المرتبطة بيافا وبالأب وبالمنفى، فإنه يحاول أن يضع القارئ أمام سؤال أساسي: هل كان سليم يكتب الشعر عن تجربته، أم كان يعيش تجربته شعراً؟ والراجح أن الحد الفاصل بين الأمرين كان شديد الرهافة لديه، فقصيدته لم تكن مجرد استجابة جمالية للواقع، بل كانت طريقة في التفكير به واحتماله ومقاومته.

وليس عابراً أن تصل قصيدته «يا أحبائي» إلى منهاج الصف التاسع في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية عام 2017، فهذه الواقعة تكشف أن شعر سليم لم يبقَ في دائرة النخبة الثقافية، بل وجد طريقه إلى الذاكرة التعليمية لجيل فلسطيني جديد، كما تكشف عن فرحة خاصة عاشها سليم بهذا الاعتراف، وهو ما يضيء جانباً إنسانياً جميلاً في شخصيته: فرح الشاعر حين يشعر أن كلماته وجدت طريقها إلى الأطفال والطلاب، وأن القصيدة التي خرجت من تجربته أصبحت جزءاً من ذاكرة جماعية.

لكن القيمة الأكبر في «صائد الأمواج» تتجلى حين ينتقل الكتاب من سيرة الحياة إلى سيرة الموت، وهنا يتغير إيقاع النص، وتضيق المسافة بين الأدب والواقع، ويصبح السؤال ليس: كيف عاش سليم؟ بل: كيف اختفى؟ وكيف يمكن العثور على إنسان في مدينة تحولت إلى ركام؟

في هذه الصفحات تحديداً ينجح ناصر في بناء واحدة من أكثر مناطق الكتاب تأثيراً، فالبحث عن سليم لا يتحول إلى حدث بوليسي، وإنما إلى استعارة عن مأساة الفلسطيني في غزة: البحث عن الاسم بين قوائم الشهداء، وعن الوجه بين الصور، وعن البيت بين الأنقاض، وعن الجسد في مدينة فقدت القدرة على الاحتفاظ بأجساد أبنائها، وتصبح عملية البحث نفسها فعلاً أدبياً، لأن غياب المعلومة يتحول إلى حضور كثيف للقلق.

وهنا لا يستطيع القارئ أن يفصل بين الكاتب وصديقه، لأن ناصر نفسه يدخل في قلب الحكاية، حيث نقرأ محادثته الأخيرة مع سليم، حين يحاول أن يقنعه بالصبر وألا يعود إلى غزة، ثم يبقى السؤال معلقاً: «وينك يا سليم؟»، وهذا السؤال القصير ربما يلخص الكتاب كله؛ لأنه لا يبحث فقط عن سليم، بل يبحث عن معنى النجاة، وعن مكان الإنسان الفلسطيني في زمن صار فيه الموت أكثر سهولة من الوصول إلى مكان آمن.

ثم تأتي الفاجعة حين يصل خبر استشهاد سليم وعائلته، أربعة عشر شهيداً، من عائلة واحدة وعائلة أخيه، في مشهد لا يمكن للغة أن تحتويه بسهولة، والكتاب لا يكتفي بإعلان الموت، بل يتوقف عند تفاصيل الانتظار والإنكار والبحث، وهي تفاصيل تمنح الفاجعة بعدها الإنساني.

وهنا أعتقد أن ناصر عطا الله كان أمام أصعب امتحان أدبي: كيف يكتب عن موت صديقه دون أن يتحول النص إلى بكاء طويل؟ وكيف يترك للحزن حقه من دون أن يسمح له بابتلاع الكتاب؟ وقد نجح، في معظم الصفحات، في تحويل الحزن إلى معرفة، وهذه هي قيمة الأدب الحقيقي: ألا يكتفي بأن يجعلنا نبكي، بل يجعلنا نفهم لماذا نبكي، وعلى ماذا نبكي، وما الذي ينبغي ألا ننساه.

«صائد الأمواج» في هذا المعنى ليس كتاباً عن سليم وحده، إنه كتاب عن فلسطين وهي تحاول أن تستعيد أبناءها من ذاكرة النسيان، إنه كتاب عن يافا التي تتحول من مدينة إلى وجدان، وعن غزة التي تتحول من مكان إلى امتحان، وعن المخيم الذي يتحول من فضاء مؤقت إلى وطن مؤجل، وعن المنفى الذي لا ينتهي بمجرد العودة، لأن المنفى يسكن اللغة والذاكرة والجسد.

وهو أيضاً كتاب عن الصداقة، وهذه ربما من أكثر طبقاته دفئاً وصدقاً، فالكاتب لا يكتب عن سليم بوصفه موضوعاً أدبياً، وإنما بوصفه صديقاً فقده، تظهر اللقاءات، والمشاوير، والجلسات الثقافية، والحوارات، والاختلافات، والقصائد التي كان كل منهما يعرضها على الآخر، ويشير الكتاب إلى أن اللقاءات الثنائية، رغم قلتها، كانت أكثر خصوصية وأعمق أثراً في علاقتهما، وهذا النوع من التفاصيل هو الذي يمنح السيرة حرارتها؛ لأن الصديق الحقيقي لا يعيش في العناوين الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها الآخرون.

ولقد كان سليم، كما يظهر في الكتاب، شديد التعلق بفلسطين لا باعتبارها شعاراً، وإنما باعتبارها حياة يومية، كان يرى في غزة امتداداً ليافا، وفي البحر طريقاً للذاكرة، وفي الشعر وسيلة للحفاظ على ما لا ينبغي أن يموت، لذلك لم تكن عودته إلى غزة مجرد عودة جغرافية، بل عودة إلى الذات، وحتى حين أصبحت غزة مكاناً شديد القسوة، ظل فيها شيء من البيت الأول، وشيء من الوعد القديم، وشيء من يافا التي لم تغادره.

من هذه الزاوية يمكن فهم قرار سليم العودة إلى غزة خلال الحرب، رغم المخاطر، فالكتاب يرصد مسار النزوح، ثم العودة، ثم الاختفاء، ويكشف أن القرار لم يكن مجرد اندفاع عاطفي، بل كان مرتبطاً بمسؤوليته تجاه أسرته وبإحساسه بأن البقاء في مكان لا يحتملهم لم يعد ممكناً، وفي النهاية وجد سليم نفسه مع عائلته في قلب المأساة، لتصبح حياته الأخيرة امتداداً مأساوياً لمسار الفلسطيني الذي لم يمنحه التاريخ فرصة اختيار آمنة.

إن ما يميز ناصر عطا الله في «صائد الأمواج» هو لغته، فهي لغة مشبعة بالشعر، لكنها لا تتخلى عن السرد، وصور كثيفة، واستعارات متلاحقة، وإيقاع واضح، وقدرة على تحويل المكان إلى شخصية، والبحر إلى ذاكرة، والركام إلى سؤال، والغياب إلى حضور، وفي بعض المواضع قد تبدو اللغة فائضة على الحدث، أو شديدة الكثافة بحيث تحتاج إلى قارئ صبور، وهذه ملاحظة نقدية لا تنتقص من جمال الكتاب، بل تشير إلى طبيعته الأسلوبية، فناصر لا يريد أن يكون مؤرخاً بارداً، ولا صحفياً يكتفي بتسجيل الوقائع؛ يريد أن يكتب الفاجعة من داخل اللغة، ولذلك تصبح اللغة نفسها جزءاً من المعركة ضد الصمت.

ومن هنا فإن «صائد الأمواج» ينجح في بناء منطقة وسطى بين الشعر والتوثيق، وقد لخص زياد خداش هذه الخاصية حين رأى في الكتاب تزاوجاً بين الشعرية العالية والتوثيق الصارم، معتبراً أنه يذهب إلى الشخصي الحميم في حياة سليم، وإلى سيرته وسيرة والده، ثم إلى تفاصيل ما قبل الاستشهاد، وهذا التوصيف، في تقديري، يصيب جوهر التجربة.

والكتاب كذلك شهادة على جيل كامل من المثقفين الفلسطينيين الذين عاشوا السياسة والثقافة معاً، ولم يروا تناقضاً بين القصيدة والموقف، أو بين الانتماء الوطني والسؤال الجمالي، وسليم كان جزءاً من هذا الجيل الذي عرف المنفى، والعمل الوطني، والمؤسسات الثقافية، والانقسام، والحصار، وانتقال فلسطين من مرحلة إلى أخرى، وظل يحاول أن يحافظ على مساحة للقصيدة وسط كل هذا الخراب.

ولذلك فإن الكتاب لا ينبغي أن يقرأ بوصفه مرثية لسليم فقط، بل بوصفه وثيقة أدبية عن مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد، فهو يرصد، من خلال حياة شخص واحد، تحولات أكبر: من اللجوء إلى العودة، ومن الثورة إلى السلطة، ومن الأمل بالدولة إلى الانقسام، ومن الحلم الوطني إلى الحصار، ومن فضاء الثقافة إلى فضاء الإبادة، وهذه القدرة على جعل السيرة الفردية نافذة على التاريخ هي إحدى أهم نقاط قوة الكتاب.

أما ناصر عطا الله نفسه، فيستحق تقديراً خاصاً على هذا العمل، فالكتابة عن صديق شهيد ليست امتيازاً، بل عبء أخلاقي وجمالي، وهي تتطلب شجاعة في استعادة ما يؤلم، وذاكرة قادرة على التفاصيل، وصدقاً يمنع الكاتب من تحويل الشهيد إلى صورة مثالية لا تشبه الإنسان، ومن هذه الناحية، يبدو ناصر وفياً لسليم وللأدب معاً، فلقد كتب لأنه يعرف، وكتب لأنه أحب، وكتب لأنه أدرك أن الصمت أمام موت سليم سيكون شكلاً آخر من أشكال فقدانه.

وتستحق «مكتبة كل شيء» في حيفا، بدورها، الإشادة باحتضان هذا العمل وإخراجه إلى القراء، فاختيار نشر كتاب عن شاعر غزة وشهيدها من داخل حيفا يحمل، إلى جانب قيمته الثقافية، دلالة رمزية عميقة: الكتاب يعبر المسافة التي صنعتها الجغرافيا السياسية، ويعيد وصل غزة بحيفا ويافا، ويقول إن الثقافة الفلسطينية، مهما مزقتها الحواجز، تظل قادرة على اختراقها، والكتاب نفسه يسجل هذه العلاقة مع الناشر صالح عباسي بوصفها امتداداً لوفاء ثقافي متواصل.

وإذا كان ثمة ما يمكن أن يؤخذ على الكتاب، فإن كثافة الحضور الشخصي والانفعالي للكاتب تجعل بعض المقاطع أقرب إلى الاعترافات الحميمة منها إلى السرد الموضوعي، لكنني لا أرى في ذلك عيباً جوهرياً، لأن الكتاب نفسه يقوم على فكرة الشهادة الشخصية، بل إن محاولة تجريده من هذا الحضور كانت ستفقده جزءاً من صدقه، ومع ذلك، فإن القارئ النقدي يستطيع أن يميز بين الوقائع الموثقة، والذاكرة الشخصية، والانطباع، والاستعادة الأدبية؛ وهذه المسافة ضرورية حتى لا نقرأ النص باعتباره سجلاً تاريخياً صرفاً، والكتاب في النهاية لا يدعي ذلك، بل يقدم نفسه كعمل أدبي يقوم على الذاكرة والتجربة والشهادة.

لقد قرأت «صائد الأمواج» وأنا أستعيد سليم الذي عرفته رفيقاً وصديقاً، وأستعيد أحاديثنا ومواقفنا، وأستعيد ذلك الإنسان الذي كان يستطيع أن يضحك في أكثر الأوقات قسوة، وأن يحول الذاكرة إلى حكاية، والحكاية إلى قصيدة، والقصيدة إلى موقف، ولهذا كانت علاقتي بالكتاب مزدوجة: علاقة القارئ بالنص، وعلاقة الصديق بصورة صديقه التي تعود إليه من بين الصفحات، وكلما تقدمت في القراءة شعرت أن ناصر لا يكتب لي عن سليم الذي أعرفه فقط، وإنما يفتح لي أبواباً أخرى في شخصيته ربما لم أكن قد رأيتها كلها.

وهنا تتجلى أهمية الكتاب الكبرى: أنه لا يسمح لسليم بأن يتحول إلى اسم في قائمة الشهداء، إنه يعيده إلى الحياة قبل أن يضعه في الموت، ويعيد إليه أباه وأمه، وأسرته، ويافا، وغزة، واللاذقية، والرفاق، والقصائد، والكتب، والمقاهي، والبحر، والضحكات، والخلافات، والأحلام، وحتى القلق الذي كان يسكنه، وهذا بالضبط ما يجب أن يفعله الأدب حين يواجه الموت: أن يعيد للميت إنسانيته، وأن يعيد للحياة حقها في أن تروى.

إن سليم النفار لم يعد، بعد استشهاده، ملكاً لذكريات أصدقائه وحدهم، ولا لقصائده وحدها، لقد أصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية الفلسطينية، ومن تاريخ الشعر الفلسطيني المقاوم، ومن ذاكرة غزة التي دفعت من أبنائها وشعرائها ومثقفيها ثمناً لا يمكن قياسه، و«صائد الأمواج» يضيف إلى هذه الذاكرة حجراً جديداً، لكنه حجر مكتوب بالحبر والدم والوفاء.

في النهاية، ليس «صائد الأمواج» كتاباً يغلق الحكاية، بل كتاب يتركها مفتوحة، فالأمواج لا تنتهي عند الشاطئ؛ تعود دائماً، تحمل معها ما ظنناه غاب، وتعيد إلى الرمل أسماء الذين مروا من هنا، وسليم النفار، الذي ظل يطارد موجة العودة إلى يافا، صار هو نفسه موجة في ذاكرة فلسطين؛ يعود كلما قرأنا قصيدة، وكلما مررنا على بحر غزة، وكلما تذكرنا أن الشاعر الحقيقي لا ينتهي حين يتوقف صوته، بل يبدأ نصه الآخر في ذاكرة من أحبوه.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في «صائد الأمواج» أنه كتاب كتبه صديق عن صديق، لكنه تجاوز حدود الصداقة ليصبح شهادة عن وطن، كتبه ناصر عطا الله بحزن من يعرف أن صديقه لن يعود، وبوفاء من يعرف أن الغياب لا يلغي الحضور، وبحساسية شاعر يدرك أن بعض الأرواح لا يمكن رثاؤها بالكلمات العادية، أما سليم، الذي عرفته رفيقاً وصديقاً قريباً، فأجدني بعد قراءة الكتاب أكثر يقيناً بأن بعض الأصدقاء لا يغادروننا حين يغادرون الحياة؛ إنهم يغيرون مكانهم فقط: من مقعد إلى قصيدة، ومن شارع إلى ذاكرة، ومن صوت إلى صمت، ومن حضور يومي إلى غياب لا يكف عن الكلام.

ولهذا فإن «صائد الأمواج» ليس مجرد كتاب عن سليم النفار؛ إنه كتاب عن الذين يصرون على أن يبقى الإنسان إنساناً في زمن تحاول فيه حرب الابادة أن تحوله إلى رقم، وعن الذين يعرفون أن مقاومة الموت لا تكون بالسلاح وحده، بل أيضاً بالذاكرة، وبالقصيدة، وبالكتاب، وبأن نقول عن الذين رحلوا: كانوا هنا، أحبوا، وحلموا، وكتبوا، وعاشوا من أجل فلسطين، ولذلك لن يستطيع الركام أن يكتب السطر الأخير في حكايتهم.