أخبار

بين روبيو وفانس.. لماذا تتمنى أوروبا صعود "صقور" الحزب الجمهوري؟

بين روبيو وفانس.. لماذا تتمنى أوروبا صعود "صقور" الحزب الجمهوري؟

لندن: يرى الكاتب البريطاني جانان غانيش أن أوروبا قد تجد نفسها أمام مفارقة صعبة في مستقبل علاقتها بالولايات المتحدة: فالشخصيات الأمريكية الأكثر استعدادًا لاستخدام القوة والانخراط في حروب خارجية هي، في بعض الأحيان، الأكثر تمسكًا بالدفاع عن أوروبا والتحالف الأطلسي. ومن هذا المنطلق، يطرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو باعتباره الخيار الذي ينبغي للأوروبيين أن يتمنوا صعوده داخل الحزب الجمهوري، رغم التحفظات الكبيرة على توجهاته في السياسة الخارجية.

ويستند هذا الطرح إلى مقال رأي نشره غانيش في صحيفة فايننشال تايمز بعنوان «على أوروبا أن تتمنى مستقبلاً زاهرًا لماركو روبيو»، يقارن فيه بين روبيو والسيناتور الراحل ليندسي غراهام، ويرى أن كليهما يجسد نموذجًا جمهوريًا يجمع بين الميل إلى التدخل الخارجي والالتزام بأمن أوروبا وردع روسيا.

من غراهام إلى روبيو

ينطلق غانيش من إرث ليندسي غراهام، الذي كان من أبرز المؤيدين لاستخدام القوة الأمريكية في الخارج، ومن الداعمين للحرب على إيران. ويشير إلى أن نتائج الحرب، بحلول أغسطس، بدت محدودة مقارنة بتكاليفها، إذ ظلت إيران تسيطر فعليًا على مضيق هرمز، فيما خسرت الولايات المتحدة جزءًا من هيبتها ومخزونها من صواريخ باتريوت، وتعرضت الأسر الأمريكية لضغوط نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

لكن الوجه الآخر لغراهام، وفق المقال، كان أكثر أهمية بالنسبة للأوروبيين. فقد كان من أصدقاء أوكرانيا في واشنطن، ومن أوائل السياسيين الأمريكيين الذين تعاملوا بجدية مع خطر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في وقت كانت فيه ألمانيا لا تزال تعزز ارتباطها بالطاقة الروسية، وكانت أوساط مالية واجتماعية أوروبية تستقبل أثرياء مرتبطين بالكرملين. كما ظل غراهام مؤيدًا قويًا لحلف شمال الأطلسي داخل حزب جمهوري لم يكن دائمًا موحدًا حول هذا الالتزام.

ومن هنا يطرح غانيش المعضلة الأساسية: هل كان بإمكان أوروبا الحصول على غراهام الداعم لأوكرانيا من دون غراهام المتحمس للحروب؟ وإذا تعذر الفصل بين الوجهين، فإن أوروبا قد تواجه المعضلة نفسها مع ماركو روبيو.

روبيو: صقر في إيران وخصم مبكر لروسيا

لا يتجاهل المقال الجانب التدخلي في سياسة روبيو الخارجية. فغانيش يصف عدوانيته الخارجية بأنها مقلقة، مستشهدًا بدوره في حرب إيران، ونفوذه الواسع في الملف الفنزويلي، وضغوطه على النظام الكوبي.

لكن روبيو، في المقابل، كان من الداعين إلى فرض عقوبات على روسيا حتى قبل غزو أوكرانيا عام 2022، باعتبارها وسيلة للردع الاستباقي. ولذلك يمثل، من وجهة نظر الكاتب، استمرارًا للنموذج الذي مثله غراهام: سياسي أمريكي مستعد لاستخدام القوة خارج بلاده، لكنه في الوقت نفسه أكثر استعدادًا للدفاع عن أوروبا في مواجهة روسيا.

وتقوم حجة غانيش على أن النزعتين قد تصدران عن تصور سياسي واحد يرى أن للولايات المتحدة دورًا تاريخيًا في حماية المجتمعات الحرة. وهذا الاعتقاد يمكن أن يقود واشنطن إلى تدخلات خطرة، لكنه في الوقت نفسه يوفر لأوروبا مظلة استراتيجية يصعب الاستغناء عنها.

المشكلة في روبيو نفسه

مع ذلك، لا يقدم المقال روبيو باعتباره حليفًا مضمونًا لأوروبا. فقد صوت عام 2024 ضد تقديم مساعدات لأوكرانيا، مستندًا رسميًا إلى عدم اقتران التشريع بتمويل إضافي لأمن الحدود الأمريكية. لكن غانيش يفسر ذلك التصويت باعتباره انعكاسًا لانتهازية سياسية ومحاولة لتجنب الاصطدام بالتيار المناهض لروسيا داخل حركة «ماغا».

كما يشير إلى أن روبيو، بخلاف غراهام الذي حافظ على خط متشدد طوال مسيرته السياسية، لم يُعرف بالثبات نفسه، بل إن الكاتب يحذر من المراهنة الأوروبية الكاملة عليه، خصوصًا أنه اتهم أوروبا قبل أشهر قليلة بأنها تقود نفسها نحو «محو حضاري» بسبب سياسات الهجرة.

وهنا تظهر نقطة الضعف الأساسية في الرهان الأوروبي على روبيو: فهو أقرب إلى أوروبا من منافسيه المحتملين في بعض الملفات الاستراتيجية، لكنه ليس سياسيًا أطلسيًا تقليديًا يمكن للقارة الاعتماد عليه دون تحفظ.

فانس وكارلسون.. البدائل الأكثر إزعاجًا لأوروبا

بالنسبة إلى غانيش، لا تكمن قوة خيار روبيو في صفاته وحدها بقدر ما تكمن في طبيعة البدائل الجمهورية المحتملة.

فنائب الرئيس جي دي فانس يحمل موقفًا أكثر عمقًا واستمرارية في رفض تحمل واشنطن أعباء الأمن الأوروبي، بينما عبّر الإعلامي تاكر كارلسون عن تعاطف مع بوتين يفوق تعاطفه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وتزداد أهمية هذه المقارنة إذا تحولت حرب إيران بحلول عام 2028، داخل أوساط اليمين الأمريكي، إلى مثال على فشل التدخل الخارجي وخيانة مبدأ «أمريكا أولًا». عندها قد يجد فانس وكارلسون فرصة لتقديم نفسيهما باعتبارهما من حذرا منذ البداية من النزعة التدخلية الأمريكية.

وبذلك يصبح السؤال الأوروبي أقل ارتباطًا باختيار المرشح المثالي وأكثر ارتباطًا بتحديد الخيار الأقل خطورة على مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن القارة.

وهل يمثل الديمقراطيون ضمانة أفضل؟

يفترض غانيش أن أوروبا ستكون، على الأرجح، في وضع أفضل مع رئيس ديمقراطي، لكنه يحذر من أن هذا الافتراض لم يعد مضمونًا كما كان في السابق.

فالتحولات الجارية داخل الحزب الديمقراطي قد تعيد إحياء تيار يساري أكثر تشككًا في التدخل الخارجي وفي ما يصفه بـ«آلة الحرب». ويمكن لهذا التيار أن يستند إلى تجربة الرئيس السابق جو بايدن للقول إن الانشغال المفرط بالسياسة الخارجية جاء في وقت كان فيه الناخب الأمريكي أكثر اهتمامًا بالتضخم والقضايا الداخلية.

وهذا يعني أن تراجع الالتزام الأمريكي بأوروبا لم يعد احتمالًا محصورًا باليمين الشعبوي، وإنما قد يجد تعبيرات مختلفة داخل اليسار الأمريكي أيضًا.

روبيو باعتباره آخر «الصقور التقليديين»

عبر عملية استبعاد، يصل غانيش إلى أن روبيو قد يكون أفضل ما هو متاح لأوروبا داخل الحزب الجمهوري. فبعد وفاة غراهام، أصبح وزير الخارجية أقرب شخصية داخل دائرة ترامب إلى نموذج «الصقر الجمهوري التقليدي» الذي برز في حقبة جورج بوش الابن، وربما يكون الوحيد من هذا التيار الذي لا يزال يمتلك مستقبلًا سياسيًا حقيقيًا.

ولا تعني هذه الخلاصة أن روبيو يمثل الخيار المثالي للأوروبيين، وإنما أن البدائل قد تكون أكثر خطورة على التحالف عبر الأطلسي.

فالعلاقة الأمريكية الأوروبية، كما يذكر المقال، حملت دائمًا تناقضًا مشابهًا. كانت الولايات المتحدة بالنسبة لأوروبا قوة لا غنى عنها، لكنها كانت في الوقت نفسه قوة قادرة على الاندفاع نحو حروب مثيرة للانقسام والكلفة. ففي الحقبة التي ينظر إليها اليوم باعتبارها العصر الذهبي للتضامن الأطلسي، خاضت واشنطن حرب فيتنام، ثم جاءت حرب العراق لتقسم أوروبا نفسها.

وتتمثل الخلاصة التي يقدمها غانيش في أن أوروبا لا تستطيع الاستفادة من القوة الأمريكية عندما تتوافق مع مصالحها ثم تتصرف بدهشة عندما تستخدم واشنطن القوة نفسها في اتجاهات تراها القارة متهورة أو كارثية. ومن هذه الزاوية، فإن رئاسة محتملة لروبيو قد تحمل مخاطر واضحة، لكن رئاسة فانس، في تقدير الكاتب، قد تكون «حذرة بشكل خطير» بالنسبة إلى أوروبا.

وبذلك لا يصبح الرهان الأوروبي على روبيو تعبيرًا عن إعجاب بسياساته، بقدر ما يعكس مأزقًا استراتيجيًا أوسع: هل تفضل أوروبا أمريكا تدخلية قد تخوض حروبًا لا تريدها القارة، لكنها تبقى ملتزمة بالدفاع عنها، أم أمريكا أكثر انعزالًا وحذرًا، لكنها قد تتراجع عندما يصبح الأمن الأوروبي نفسه موضع اختبار؟