فلسطين تحت الاحتلال… والسلطة تحتل السلطة
كيف يمكن لسلطة تقول إنها تمثل دولة فلسطينية تحت الاحتلال، وشعباً يتعرض للحرب والتهجير والتجويع والقتل، أن تتصرف في الداخل كأنها دولة مكتملة السيادة، لا كسلطة مؤقتة ولدت أصلاً من رحم مشروع وطني يفترض أن تكون مهمتها الأولى حماية الإنسان الفلسطيني وصون حقوقه وتمثيل تطلعاته؟
كيف يمكن لسلطة أن تطلب من العالم الاعتراف بدولة فلسطين، بينما هي في الداخل لا تعترف بحق الفلسطيني في أن يسألها: من أين جاءت هذه الشرعية؟ ومتى تنتهي؟ ومن اختاركم؟ ومن يملك حق تغييركم؟ ولماذا أصبح التداول السلمي للسلطة حلماً مؤجلاً، فيما تحولت مؤسسات الدولة إلى شبكة مغلقة من الولاءات والمصالح والمحسوبيات؟
المفارقة الفلسطينية اليوم ليست فقط في أن الاحتلال يسيطر على الأرض، بل في أن الفلسطيني يجد نفسه محاصراً بين احتلال خارجي يضيّق عليه الخناق وسلطة داخلية تضيق عليه مساحة السياسة والاعتراض. الاحتلال يصادر الأرض، والسلطة تصادر حق السؤال. الاحتلال يهدم البيت، والسلطة قد تهدم صورة المعارض. الاحتلال يعتقل الفلسطيني بحجة الأمن، والسلطة اعتقلت فلسطينيين بتهم سياسية أو على خلفية معارضتهم وانتقادهم لها، وفق ما وثقته مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية.
وهنا تصبح المأساة أكبر من مجرد خلاف على أداء حكومة أو فشل إداري في وزارة. نحن أمام سؤال يتعلق بجوهر المشروع الوطني نفسه: ماذا بقي من فكرة الدولة الفلسطينية إذا تحولت السلطة التي يفترض أن تكون نواة تلك الدولة إلى بنية سياسية مغلقة، تتآكل فيها الشرعية الانتخابية، وتتضخم فيها الأجهزة، وتتراجع فيها المساءلة، ويصبح الولاء السياسي في كثير من الأحيان أهم من الكفاءة، وتتحول الدولة المنشودة من مشروع شعب إلى مشروع سلطة؟
المشكلة ليست في أن فلسطين تحت الاحتلال؛ فهذه حقيقة يعرفها كل فلسطيني، بل إن الاحتلال هو أصل المأساة وجذرها. والمشكلة ليست في أن السلطة تواجه ضغوطاً مالية وسياسية وأمنية هائلة؛ فهذا أيضاً واقع لا يمكن إنكاره. البنك الدولي حذر من أن الوضع المالي للسلطة الفلسطينية تدهور بصورة خطيرة، وأن فجوة التمويل بلغت 682 مليون دولار بنهاية 2023 وكانت مرشحة للارتفاع إلى نحو 1.2 مليار دولار، فيما تسببت إسرائيل في اختناق جزء أساسي من موارد السلطة عبر احتجاز أموال المقاصة.
لكن الاحتلال لا يمكن أن يصبح بطاقة حصانة سياسية. ولا يجوز أن يتحول الاحتلال إلى ذريعة لإسكات الفلسطيني، كما لا يجوز أن يصبح الفساد ــ إذا ثبت ــ أقل خطراً لأنه يجري في ظل الاحتلال. بل العكس تماماً: كل دولار يهدر، وكل وظيفة تمنح على أساس الولاء، وكل مؤسسة تتحول إلى إقطاعية سياسية، وكل صحفي يعتقل لأنه انتقد، وكل مواطن يخاف من جهاز أمني لأنه قال رأياً، هو طعنة إضافية في جسد المشروع الوطني.
لقد كان الفلسطينيون طوال عقود يخوضون معركة من أجل الحرية والكرامة والحق في تقرير المصير. سُجنوا وطُردوا وقُتلوا ونُفوا وحملوا البندقية والكلمة والحجر، وبنوا منظمة التحرير وقدموا آلاف الشهداء والأسرى والجرحى. ولم تكن القضية الفلسطينية يوماً مشروعاً للوصول إلى كرسي، بل مشروع شعب يريد أن يصبح صاحب الكرسي والأرض والقرار.
فكيف انتهى الأمر بأن يصبح بعض أبناء هذا الشعب مطالبين بالدفاع عن تاريخهم النضالي أمام سلطتهم نفسها؟
كيف أصبحت المقاومة التي صنعت الذاكرة الوطنية ملفاً سياسياً قابلاً للمحاكمة أو التجريم؟ وكيف أصبحت شخصيات ناضلت لعقود، وأجيال حملت القضية الفلسطينية في أصعب مراحلها، تنظر إليها السلطة أحياناً باعتبارها مشكلة أمنية لا جزءاً من التاريخ الوطني؟
السؤال هنا ليس تبرئة أي فصيل أو أي شخص من الأخطاء. التاريخ الفلسطيني ليس مقدساً إلى درجة منع النقد، كما أن النضال الفلسطيني ليس شيكاً على بياض لأي تنظيم أو قائد. لكن الفرق هائل بين أن تحاكم التجربة الوطنية بالنقد والمراجعة، وبين أن تتحول السلطة إلى قاضٍ على تاريخ الشعب، فتقرر من هو الوطني ومن هو الخارج عن الصف، ومن يستحق الوظيفة ومن يستحق السجن، ومن يحق له أن يتحدث ومن عليه أن يصمت.
والأخطر أن السلطة التي يفترض أن تكون مؤقتة باتت تتصرف وكأنها قدر سياسي دائم.
الرئيس محمود عباس يحكم منذ سنوات طويلة من دون انتخابات رئاسية جديدة؛ ولا يحتاج المرء إلى خصومة سياسية معه كي يدرك أن الشرعية الانتخابية لا يمكن أن تكون حالة مؤجلة إلى الأبد. وقد انتهت ولاية المجلس التشريعي منذ سنوات، فيما بقيت منظومة الحكم تعمل عبر التعيينات والمراسيم وترتيبات سياسية مغلقة. ومع مرور الوقت، أصبح السؤال عن خلافة الرئيس أكثر حضوراً من السؤال عن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه.
وهنا تظهر قضية التوريث السياسي بأخطر صورها.
في مايو 2026، دخل ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس ورجل الأعمال، إلى اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة، في خطوة فتحت الباب واسعاً أمام التكهنات بشأن الخلافة. رويترز نقلت أن ياسر عباس يدير شركات في مجالي التبغ والمقاولات، وأن منتقدين اتهموه وشقيقه طارق باستخدام أموال عامة لتغذية أعمالهما، وهي اتهامات ينفيها الشقيقان. والأهم سياسياً أن دخوله الرسمي إلى قلب قيادة فتح جاء في وقت تتصاعد فيه معركة الخلافة داخل السلطة الفلسطينية.
وهنا لا يعود السؤال: هل يحق لابن الرئيس أن يعمل في السياسة؟
بالطبع يحق له، مثل أي فلسطيني.
السؤال الحقيقي هو: هل تُبنى الدولة الفلسطينية على أساس المواطنة والمؤسسات والانتخابات، أم على أساس العائلة والقرابة والولاء؟
هناك فارق بين أن يكون ابن المسؤول سياسياً وبين أن يشعر الفلسطينيون بأن النظام السياسي كله يتحرك باتجاه إعادة إنتاج السلطة داخل الدائرة نفسها. الفارق بين الأمرين هو الانتخابات. فإذا كان الشعب هو الذي يختار، فلا مشكلة في ابن الرئيس ولا أخيه ولا خصمه. أما عندما تغيب الانتخابات ويصبح انتقال السلطة نتيجة ترتيبات داخلية بين مراكز النفوذ، فإن كل خطوة باتجاه أحد أفراد العائلة ستبدو للرأي العام وكأنها جزء من مشروع توريث، حتى لو كان أصحابها يرفضون هذا الوصف.
وهذه هي المشكلة الكبرى في السلطة الفلسطينية: أنها لم تعد تعاني فقط أزمة أداء، بل أزمة ثقة.
والثقة لا تنهار بسبب إشاعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما عندما تتراكم الوقائع.
عندما تتحدث هيومن رايتس ووتش عن اعتقالات تعسفية طالت معارضين وصحفيين وطلاباً، وعندما تسجل الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان مئات الشكاوى المتعلقة بالاعتقال والتعذيب وسوء المعاملة، يصبح الحديث عن الحريات السياسية داخل السلطة قضية مؤسساتية لا مجرد دعاية خصوم. وفي عام 2024 وحده، قالت هيومن رايتس ووتش إن الهيئة المستقلة تلقت 231 شكوى بشأن الاعتقال التعسفي، بينها احتجاز من دون محاكمة أو تهمة، و117 شكوى بشأن التعذيب وسوء المعاملة.
أما الفساد، فالقضية أكثر تعقيداً، لأن من الخطأ تحويل كل اتهام سياسي إلى حقيقة قضائية. لكن الأخطر من فضيحة واحدة هو المناخ الذي يسمح بتكرارها. منظمة الشفافية الدولية تشير منذ سنوات إلى أن الواسطة والمحسوبية من أكثر أشكال الفساد شيوعاً في فلسطين، خصوصاً في الحصول على الخدمات والوظائف العامة، فيما تحدثت تقارير حقوقية ودولية عن اتهامات بالواسطة والمحسوبية في التعيينات داخل القطاع العام.
وهنا يصبح السؤال موجعاً: كيف نطلب من المواطن الفلسطيني أن يقاتل من أجل دولة القانون، بينما يشعر أن القانون نفسه لا يصل بالطريقة ذاتها إلى الجميع؟
كيف نطلب منه أن يؤمن بالمؤسسات، بينما يرى أن المؤسسة السياسية تُدار عبر شبكة من العلاقات؟
كيف نطالبه بالصبر على الفقر وانقطاع الرواتب والأزمة المالية، بينما يسمع في الوقت نفسه عن امتيازات المسؤولين وأبنائهم ورجال الأعمال المحيطين بمراكز القرار؟
وكيف يمكن إقناع شاب فلسطيني يعيش في مخيم أو قرية أو مدينة محاصرة بأن مستقبله مرتبط بدولة مستقلة، إذا كان يشعر أن الوظيفة العامة لا تُفتح أمامه بالكفاءة وحدها، وأن صوته الانتخابي لا يصل إلى صندوق الاقتراع، وأن معارضته قد تضعه في مواجهة جهاز أمني؟
هذه ليست أسئلة ضد فلسطين.
هذه أسئلة من أجل فلسطين.
ومن الخطأ الأخلاقي والسياسي أن يطلب أحد من الفلسطيني أن يصمت عن فساد سلطته بحجة أن هناك احتلالاً. فالاحتلال لا يعطي السلطة حق الاستبداد، كما أن جرائم الاحتلال لا تمنح أي مسؤول فلسطيني حصانة من النقد. بل إن مواجهة الاحتلال تتطلب سلطة أكثر نزاهة، لا أقل؛ ومؤسسات أكثر ديمقراطية، لا أكثر قمعاً؛ وقيادة أكثر التصاقاً بالناس، لا أكثر التصاقاً بمراكز النفوذ.
الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال يحتاج إلى سلطة تحترمه، لا سلطة تخشاه.
ويحتاج إلى رئيس يعرف أن كرسيه مؤقت، لا إلى رئيس يصبح الحديث عن خليفته أكثر حضوراً من الحديث عن الانتخابات.
ويحتاج إلى دولة تعود فيها السلطة إلى الشعب، لا إلى شعب يُطلب منه أن يعود دائماً إلى السلطة.
لقد كان ياسر عرفات، بكل ما له وما عليه، جزءاً من تاريخ فلسطيني طويل، وكان اسمه مرتبطاً بمرحلة تحولت فيها القضية الفلسطينية من قضية لاجئين إلى قضية سياسية عالمية. ثم جاءت السلطة، وكان يفترض أن تكون مرحلة انتقالية نحو الدولة. لكن المأساة أن المرحلة الانتقالية تحولت إلى بنية دائمة، فيما بقيت الدولة مؤجلة.
وهنا ربما يكون السؤال الأكثر قسوة: ماذا لو أن السلطة أصبحت، من حيث لا تريد أو تريد، أكثر حرصاً على استمرار نفسها من حرصها على إنهاء المرحلة التي جاءت بسببها؟
إذا كانت السلطة مؤقتة، فلماذا تخاف من الانتخابات؟
إذا كانت قوية بشرعيتها، فلماذا تخاف من المعارضة؟
إذا كانت واثقة من إنجازاتها، فلماذا يخيفها الصحفي؟
إذا كانت مؤسساتها مستقلة، فلماذا ترتبط الخلافة بمراكز القوى؟
وإذا كانت فلسطين لكل الفلسطينيين، فلماذا يبدو أحياناً أن مستقبلها السياسي يُطبخ في غرف مغلقة؟
لا أحد يطلب المستحيل.
المطلوب انتخابات حقيقية، ومؤسسات مستقلة، وقضاء لا يخضع للسياسة، وأجهزة أمن وظيفتها حماية المواطن لا حماية الحاكم، وإعلام يستطيع أن يسأل، ومال عام يخضع للتدقيق، ومحاسبة تبدأ من أعلى الهرم قبل أن تصل إلى أصغر موظف.
المطلوب أن يعود القرار الفلسطيني إلى الشعب.
فالسلطة ليست فلسطين.
فتح ليست فلسطين.
منظمة التحرير ليست فلسطين.
ولا محمود عباس هو فلسطين.
ولا أي فصيل أو قائد أو عائلة تملك فلسطين.
فلسطين أكبر من السلطة، وأقدم من السلطة، وأبقى من السلطة.
والشعب الذي تحمل الاحتلال سبعين عاماً وأكثر، وتحمل السجون والمخيمات والحروب والنكبات، ليس من حق أحد أن يخبره أن عليه أن يتحمل أيضاً ديكتاتورية محلية بحجة أنه تحت الاحتلال.
نحن نريد دولة فلسطينية، نعم.
لكننا لا نريد دولة يكون فيها الاحتلال الإسرائيلي فوق الأرض، والاستبداد الفلسطيني فوق المواطن.
نريد دولة لا تورّث فيها المناصب، ولا تُباع فيها الوظائف بالواسطة، ولا يُسجن فيها المعارض لأنه معارض، ولا يُحاكم فيها التاريخ النضالي لأنه لا يناسب مزاج السلطة، ولا تصبح فيها العائلة السياسية بديلاً عن المؤسسة الوطنية.
نريد دولة عندما يأتي رئيسها إلى نهاية ولايته، يسلم مفاتيح مكتبه إلى من اختاره الشعب، لا إلى من اختارته الغرف المغلقة.
نريد سلطة تعرف أن مهمتها أن تخدم القضية، لا أن تتحول هي إلى قضية.
ولذلك، فإن الرسالة الأخيرة ليست موجهة إلى فلسطين، ولا إلى فتح، ولا إلى منظمة التحرير، ولا إلى تاريخ شعب بأكمله.
إنها موجهة إلى من جعل السلطة غاية بعد أن كانت وسيلة:
ارحل أنت وحاشيتك.
ارحلوا قبل أن يصبح رحيلكم شرطاً لإنقاذ ما تبقى من معنى الدولة الفلسطينية.
ارحلوا، لأن فلسطين ليست ملكاً لكم، ولأن شعبها الذي أسقط الاحتلال من ذاكرته مرات كثيرة قادر أيضاً على إسقاط احتكاركم للسلطة.
ارحلوا… واتركوا للشعب أن يختار من يحكمه.