أخبار

تقرير: تآكل مصداقية واشنطن يدفع حلفاءها لنُهج أمنية مستقلة وتكتلات بديلة

اتفاق مكة نموذجا..

تقرير: تآكل مصداقية واشنطن يدفع حلفاءها لنُهج أمنية مستقلة وتكتلات بديلة

واشنطن: يرى الكاتب والمحلل الأميركي فريد زكريا أن التحولات الأخيرة في شبكة التحالفات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لا تعكس ازدياد الثقة بالولايات المتحدة بقدر ما تكشف عن تآكل متزايد في مصداقية واشنطن لدى حلفائها، في ظل ما يصفه بعدم القدرة على التنبؤ بالتزامات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووعوده.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة واشنطن بوست في 14 أغسطس/آب 2026، اعتبر زكريا أن حرب إيران قدمت نموذجًا واضحًا للطريقة التي يمكن أن تبدد بها قوة عظمى رصيدًا من المصداقية تراكم على مدى عقود، مشيرًا إلى أن دولًا حليفة للولايات المتحدة، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، بدأت تبحث عن «بوالص تأمين» تقلل اعتمادها الحصري على واشنطن.

اتفاق مكة وتبدل الحسابات الإقليمية

ينطلق زكريا من اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا إلى جانب باكستان، واصفًا إياها بأنها أشبه بـ«زلزال جيوسياسي بسيط» في الشرق الأوسط. فالاتفاق ينص على مبدأ للدفاع المتبادل قريب من مفهوم حلف شمال الأطلسي، بحيث يُعامل الهجوم على إحدى الدول المشاركة باعتباره هجومًا على الجميع.

وتكتسب الخطوة، بحسب الكاتب، أهميتها من تاريخ العلاقات السعودية–التركية؛ فبينما تمتلك الرياض وإسلام آباد علاقات أمنية وثيقة منذ عقود، عاشت السعودية وتركيا سنوات من التنافس الحاد حول ملفات قطر ومصر وجماعة الإخوان المسلمين، وصولًا إلى الأزمة التي أعقبت مقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لكن زكريا يرى أن العامل الذي دفع الخصمين السابقين إلى التقارب هو ترامب، أو بصورة أدق تراجع ثقتهما بكلمته. وبرأيه، فإن الالتزامات الأمنية التي تلقتها دول المنطقة من الإدارة الأميركية لم تعد كافية لمنعها من البحث عن ترتيبات أمنية موازية وأكثر استقلالًا.

إيران واختبار المصداقية الأميركية

يضع زكريا الملف الإيراني في قلب أزمة المصداقية. ويشير إلى أن ترامب كرر مرارًا أن التوصل إلى اتفاق مع طهران أصبح وشيكًا. وبحلول منتصف يونيو/حزيران، يقول الكاتب إن أحد المتابعين أحصى ما لا يقل عن 38 تصريحًا للرئيس الأميركي تحدث فيها عن قرب الاتفاق أو عن سعي إيران الحثيث إليه، في حين نقلت رويترز لاحقًا عن مصدر إيراني قوله إن المفاوضات لم تحرز تقدمًا.

وبحسب زكريا، فإن المشكلة تتجاوز صحة تصريح منفرد أو خطئه؛ إذ أصبحت الحكومات تجد صعوبة متزايدة في التمييز بين الموقف الأميركي المستقر والتصريحات التي قد تتغير سريعًا، وهو ما يضعف القيمة السياسية للوعود والتهديدات الصادرة عن واشنطن.

ويمتد الأمر، وفق المقال، إلى مضيق هرمز. فقد أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك «سيطرة كاملة» على المضيق، في وقت أظهرت فيه بيانات تتبع السفن، وفق الأرقام التي أوردها الكاتب، مرور 14 سفينة فقط خلال يوم واحد مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب.

أوروبا أمام سياسات يصعب التنبؤ بها

ولا يحصر زكريا أزمة الثقة في الشرق الأوسط. ففي أوروبا، يشير إلى سلسلة من المواقف الأميركية المتغيرة بشأن الانتشار العسكري؛ إذ أعلن ترامب في مايو/أيار انسحاب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، بالتزامن مع تلميحات إلى تخفيضات إضافية، قبل أن يعلن بعد أيام إرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا.

ويرى الكاتب أن التذبذب بين التشكيك في التزام واشنطن بالدفاع عن أوروبا في مواجهة روسيا وبين إعادة تأكيد هذا الالتزام يجعل التخطيط العسكري طويل الأجل أكثر صعوبة بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية.

وهنا، وفق زكريا، تكمن القضية الأساسية: المصداقية ليست مسألة خطاب سياسي، وإنما أحد مكونات القوة الأميركية نفسها. فعلى مدى ثمانية عقود، اعتاد الحلفاء افتراض أن الالتزامات الأميركية ستستمر من إدارة إلى أخرى، فيما تعامل الخصوم مع التهديدات الأميركية باعتبارها تحمل وزنًا حقيقيًا، رغم الأخطاء والتراجعات التي عرفتها السياسة الأميركية عبر تاريخها.

الحلفاء لا يصبحون أكثر طاعة بل أكثر استقلالًا

يرى زكريا أن استخدام عدم القدرة على التنبؤ كأداة تفاوض قد يحقق نتائج في الصفقات التجارية، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما ينتقل إلى العلاقات بين الحلفاء. فإذا لم تتمكن الدول من معرفة ما إذا كانت القوات الأميركية ستبقى أو تنسحب، أو إذا كانت الرسوم الجمركية ستفرض أو تلغى، أو إذا كان الاتفاق الذي يُبرم اليوم سيظل قائمًا غدًا، فإن النتيجة ليست بالضرورة زيادة امتثال الحلفاء لواشنطن، وإنما دفعهم نحو مزيد من الاستقلالية.

وتظهر هذه النزعة، بحسب المقال، في مجموعة من التحركات المتزامنة حول العالم. فقد اختارت الدنمارك منظومة الدفاع الجوي الفرنسية–الإيطالية SAMP/T بدلًا من نظام باتريوت الأميركي، فيما تعيد كندا النظر في مشترياتها من مقاتلات F-35، وتضخ الحكومات الأوروبية استثمارات متزايدة في صناعاتها الدفاعية المحلية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت كوريا الجنوبية ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى دول الناتو الأوروبية، وتسهم في تزويد منظومات الدفاع الجوي الخليجية بخيارات أقل تكلفة من باتريوت. كما نقل البنك المركزي الهولندي خدمات سحابية حيوية إلى مزود أوروبي لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، بينما تتجه السعودية وتركيا وباكستان إلى بناء بنية أمنية خاصة بها.

ولا تعني أي من هذه الخطوات، منفردة، قطيعة مع الولايات المتحدة. لكنها، وفق زكريا، تشكل مجتمعة مؤشرًا على تآكل أعمق في الثقة بقدرة واشنطن على توفير التزامات مستقرة يمكن للدول بناء استراتيجياتها طويلة الأجل عليها.

حتى إسرائيل لا تتعامل مع كل مبادرات ترامب باعتبارها نهائية

ويذهب المقال إلى أن الشك في استدامة المبادرات الأميركية وصل حتى إلى إسرائيل. ويستشهد زكريا برفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطة ترامب ذات النقاط الـ15 بشأن غزة، معتبرًا أن نتنياهو شاهد مبادرات عديدة للرئيس الأميركي تُعلن بضجة كبيرة ثم تتراجع أهميتها أو تختفي، مستشهدًا بما عُرف سابقًا بخطة «ريفييرا غزة».

كيف تتراجع القوى العظمى؟

يخلص زكريا إلى أن تراجع القوى العظمى لا يحدث بالضرورة من خلال هزيمة عسكرية كبرى أو انهيار مفاجئ، وإنما يمكن أن يبدأ بصورة أكثر هدوءًا: عندما تتوقف الدول الأخرى تدريجيًا عن تنظيم استراتيجياتها وعلاقاتها حول القوة المهيمنة.

فالولايات المتحدة، بحسب الكاتب، لا تزال تمتلك أقوى جيش في العالم، وتكنولوجيا متقدمة، وأسواق رأسمال هائلة، وشبكة تحالفات واسعة، إضافة إلى قوة الدولار. غير أن المصداقية تمثل هي الأخرى أصلًا استراتيجيًا؛ أصلًا يحتاج إلى أجيال لبنائه، لكنه يمكن أن يُستهلك بسرعة كبيرة.

ويختتم زكريا مقاله باستدعاء واقعة من أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما أرسل الرئيس جون كينيدي دين آتشيسون إلى باريس لإطلاع الرئيس الفرنسي شارل ديغول على صور استطلاعية تثبت وجود الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا. لكن ديغول، رغم استقلاليته المعروفة عن واشنطن، لم يحتج إلى رؤية الصور، معتبرًا أن كلمة رئيس الولايات المتحدة تكفي.

وبالنسبة إلى زكريا، فإن صعوبة تخيل تكرار مشهد مماثل اليوم تختصر حجم التحول الذي أصاب أحد أهم مصادر القوة الأميركية: الثقة بكلمة الولايات المتحدة.

ويظل هذا الطرح قراءة تحليلية تعبر عن وجهة نظر زكريا، وليس توصيفًا محل إجماع؛ إذ يشير النص نفسه إلى وجود تفسيرات أخرى لاتفاقية مكة تربطها بعوامل إضافية، من بينها العلاقات السعودية–الباكستانية السابقة والمنافسة الإقليمية مع إسرائيل. كما أن بعض الأرقام التي استند إليها الكاتب، ومنها رقم «38 تصريحًا» وبيانات حركة السفن في مضيق هرمز، وردت في المقال من دون تحقق مستقل إضافي في المادة الملخصة.