مقالات

بين عسكرة المجندات ورفض الحريديم: أزمة التجنيد وتصدع الهوية العسكرية الإسرائيلية

بين عسكرة المجندات ورفض الحريديم: أزمة التجنيد وتصدع الهوية العسكرية الإسرائيلية

بعد معركة قضائية استمرت نحو ست سنوات أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، فتح أخيرا باب ظل مغلقا لعقود أمام المجندات، إذ أصبحت بعض المهام القتالية المباشرة في وحدات النخبة والعمليات الخاصة متاحة أمامهن للمنافسة للمرة الأولى.

هذا التحول لم يأت من فراغ، فالنساء لم يكن غائبات تماماً عن هذه المنظومة، بل عملن داخلها منذ سنوات في مجالات استخبارية و تقنية وإدارية ولوجستية، إلا أن الأدوار الهجومية المباشرة والمهام الميدانية الخاصة بقيت حكرا على الرجال لأسباب تتعلق بالعقيدة القتالية والتركيبة الاجتماعية.

مع القرار الجديد، ستتمكن المجندات الراغبات من التنافس على الوصول إلى وحدات تعد من الأكثر نخبوية وتعقيدا في جيش الاحتلال الإسرائيلي. ومن أبرز هذه الوحدات: "سييريت متكال" التابعة لهيئة الأركان والمعروفة بعملياتها الخارجية والخاصة، ووحدة "669" المتخصصة في الإنقاذ والإخلاء الجوي القتالي، ووحدة "ياهالوم" التابعة لسلاح الهندسة، والتي تصدرت واجهة العمليات العسكرية مؤخراً في بيئات عالية الخطورة مثل تفكيك العبوات واقتحام وتدمير الأنفاق في قطاع غزة. كما يجري بحث إمكانية فتح مسارات إضافية أمام النساء، بينها سلاح المدرعات.

ولن يكون هذا الاندماج قائما على تخفيض المعايير، إذ ستخضع المجندات لاختبارات اللياقة والقدرات النفسية والبدنية نفسها، إضافة إلى برامج التدريب القاسية التي يخضع لها المقاتلون الذكور. وجاء هذا التطور نتيجة ضغوط قانونية والتماسات قادتها مجندات طالبن بالمساواة في فرص الوصول إلى المسارات القتالية، مما يمثل تحولا بارزا في سياسات التجنيد الإسرائيلية الرامية إلى تعويض النقص العددي والاستفادة القصوى من الطاقات البشرية المتاحة.

لكن في الجهة المقابلة، يظهر مشهد نقيض تماما يبرز عمق الانقسام الداخلي، إذ تواصل غالبية التيارات الدينية "الحريديم" رفض التجنيد الإلزامي، متمسكة بالإعفاءات التاريخية والتقليدية التي أبقت آلاف الشبان المتدينين خارج الخدمة العسكرية تفرغا لدراسة التوراة. وقد تحولت هذه القضية في السنوات الأخيرة إلى مواجهة سياسية وتشريعية حادة، تخللتها احتجاجات واسعة وعنيفة في القدس وبني براك ضد محاولات فرض التجنيد عليهم قسرا.

هنا تظهر المفارقة البنيوية بوضوح: ففي الوقت الذي تخوض فيه تجمعات ليبرالية (بينها مجندات) معارك قانونية لفتح أبواب وحدات النخبة والمشاركة في قيادة العمليات القتالية الميدانية، تخوض الأحزاب والدينية معارك سياسية شرسة للحفاظ على استثناء مجتمعاتها من الانخراط في هذه المنظومة.

وبذلك، لم يعد ملف التجنيد قضية عسكرية أو تنظيمية بحتة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لفكرة "جيش الشعب" التي شكلت لعقود أحد الأعمدة الأساسية للهوية والمشروع الصهيوني. فالمواجهة اليوم لا تدور حول دمج المرأة فحسب، بل تكشف عن سؤال أعمق يواجه المنظومة الأمنية: هل ما زالت العقيدة القتالية واستمرار العمليات العسكرية مسؤولية جماعية مشتركة، أم أن المجتمع يتجه نحو واقع يلقى فيه الإسرائيلي العلماني والليبرالي في مواجهة المخاطر الميدانية، بينما تظل الكتلة الدينية المتنامية ديموغرافيا وسياسيا خارج دائرة الخطر؟