مقالات

جحيم سجن إيفين وتآكل الردع: كيف تتحول آلة الإعدام وقمع السجون إلى أزمة وجودية لنظام الملالي؟

جحيم سجن إيفين وتآكل الردع: كيف تتحول آلة الإعدام وقمع السجون إلى أزمة وجودية لنظام الملالي؟

تتعاظم التحديات الهيكلية التي تواجه الأجهزة الأمنية والسياسية في إيران، حيث لم تعد أزمات النظام محصورة في الإخفاقات الاقتصادية وحدها، بل امتدت لتشمل تداعيات سياسات العنف الممنهج داخل السجون وخارجها. وتشير التقارير الميدانية المستقلة وشبكات رصد حقوق الإنسان إلى أن التصعيد الأمني الأخير، لا سيما الهجوم الوحشي لقوات الحرس على العنبر السابع في سجن إيفين ونقل عدد من السجناء السياسيين إلى جهات مجهولة، يعكس حالة من التخبط وارتباك في أعلى هرم السلطة. إن هذه الممارسات القمعية تكشف عن عجز متزايد في احتواء الغضب الشعبي، مما يضع مستقبل المنظومة الحاكمة أمام مفترق طرق حرج.

جحيم العنبر السابع: سياسات التنكيل والاعتقال التعسفي

تجسد الاعتداءات المتكررة على السجناء السياسيين في سجن إيفين، وتحديداً ما جرى في القاعة الخامسة من العنبر السابع، الطبيعة الدموية للقبضة الأمنية التي تسعى لكسر إرادة المعارضة. فقد أظهرت التقارير الميدانية أن عمليات الاقتحام والضرب المبرح وسرقة المتعلقات الشخصية للسجناء تتم بإشراف مباشر من قيادات السجن، مثل مسؤولي الشؤون الصحية والإدارة الداخلية. ولا تقتصر القسوة على العنف الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل ظروفا معيشية كارثية تتمثل في تفشي الأمراض الجلدية كالجرب نتيجة انتشار الحشرات والفئران، فضلاً عن الابتزاز المالي الممنهج عبر متجر السجن الذي يحتكر بيع المواد الأساسية بأسعار مضاعفة. وتتطابق هذه الانتهاكات مع ما يعاني منه سجناء سجن لاكان في مدينة رشت، حيث يؤدي الفساد المالي واختلاس الميزانيات تحت إدارة المسؤولين الجدد إلى مضاعفة معاناة النزلاء وتجريدهم من أبسط مقومات الرعاية الصحية والإنسانية.

ارتداد آلة الترهيب: المشانق في مواجهة الغضب الشعبي

في السياق السياسي الأوسع، تحولت سياسة الإعدامات اليومية التي اعتمدها نظام الولي الفقيه لعقود كأداة رئيسية لترهيب المجتمع إلى مصدر للانقسام والتخبط في أعلى هرم السلطة. فبدلاً من شل حركة الشارع وإخماد الأصوات المناهضة، أدت المشانق العلنية — ولاسيما في إصفهان — وإضراب 1500 سجين في سجن قزل حصار إلى تأجيج الغضب الشعبي وتوسيع زخم حملة ثلاثاءات لا للإعدام، مما يضع حكام طهران أمام مأزق سياسي وأمني غير مسبوق. وقد تجلت حالة الارتباك في أجهزة السلطة عبر التلفزيون الحكومي، الذي سارع لشن حملة إعلامية مكثفة للتغطية على حملات مناهضة الإعدام، محاولاً إقناع الرأي العام بشرعية المشانق، وواصفاً مناهضي العقوبة بالمدافعين عن الجناة، وهو ما يعكس شعور السلطة بالتهديد الفعلي من اتساع الرفض المجتمعي.

انقسامات النخبة وتحذيرات الانهيار المعيشي

لم يعد نقد سياسة الإعدامات والترهيب مقتصراً على المعارضة ووحدات المقاومة، بل امتد ليتصاعد من قلب الشخصيات المحسوبة على أجهزة النظام ذاته. فقد وجهت شخصيات بارزة مثل محمد تقي فاضلي ميبودي وآذر منصوري تحذيرات صريحة للسلطة القضائية والسياسية، مؤكدين أن الانهيار المعيشي والفقر المدقع، وصولاً إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية كالخبز، ستؤدي حتماً إلى انفجار اجتماعي لا يمكن احتواء تداعياته. ورغم أن هذه الشخصيات تنطلق من حرصها الظاهري على بقاء المنظومة، إلا أن تصريحاتهم تسلط الضوء على مخاوف حقيقية من أن يؤدي التوسع في استخدام المشانق وسط الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى التعجيل بالسقوط وتأليب الرأي العام بشكل كامل ضد أركان الحكم.

آفاق الصراع وتآكل شرعية السيطرة

في مقابل التخبط المستمر في هرم السلطة، تواصل المقاومة المنظمة تثبيت معادلات جديدة داخل السجون وخارجها، حيث شكل إصرار سجناء قزل حصار ومشاركتهم المتواصلة في حملة ثلاثاءات لا للإعدام نموذجاً ملهماً للتحدي أربك حسابات إدارة السجون وأجهزتها الأمنية. وتؤكد الشجاعة الميدانية التي أبداها الأهالي في المحافظات المختلفة أن انكسار حاجز الخوف وتحوله إلى مواجهة علنية يمثل مرحلة فاصلة في مجرى التطورات السياسية. وبات كل إجراء قمعي أو حكم إعدام جديد يكلف النظام ثمناً سياسياً باهظاً، ليتحول بمرور الوقت من أداة للبطش إلى محفز إضافي لرفع مستوى الاحتجاج والرفض الشعبي، مما يؤكد أن الاستمرار في سياسات القمع لم يعد يضمن الاستقرار بل يعجّل بظروف السقوط المحتوم.