"هيومن رايتس ووتش": عنف المستوطنين يهجّر الفلسطينيين بدعم وتمويل وحماية من حكومةً نتنياهو
نيويورك: أدى تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى تهجير سكان 107 قرى وبلدات فلسطينية كليًا أو جزئيًا منذ كانون الثاني/ يناير 2023، في ظل توسع استيطاني غير مسبوق، ودعم مالي ومادي وقانوني توفره الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين المسؤولين عن الهجمات.
وقالت "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير صدر اليوم، الخميس، إن هجمات المستوطنين باتت بصورة متزايدة أداة للتهجير القسري، وإن عشرات التجمعات الفلسطينية تواجه خطر المحو، فيما تسلح السلطات الإسرائيلية المستوطنين وتمولهم وتوفر لهم الحماية والحصانة من العقاب.
ووثقت المنظمة تصاعدًا حادًا في أعمال العنف خلال آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2026، شمل القتل، ومن بين الضحايا أطفال، والاعتداءات الجسدية والجنسية والنفسية، والاحتجاز التعسفي، والحرق المتعمد، وتدمير الممتلكات والسرقة.
وأشارت إلى أن هذا التصاعد تزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكنه يندرج ضمن مسار أوسع بدأ يتفاقم منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2022.
وقالت الباحثة في شؤون إسرائيل وفلسطين بالإنابة في المنظمة، سارة صنبر، إن "الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين يتشاركون الهدف نفسه، وهو أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أصغر عدد ممكن من الفلسطينيين"، مضيفة أن السلطات "لا تتقاعس عن وقف عنف المستوطنين فحسب، بل تمكّنه بشكل حثيث".
وأضافت أن "المستوطنين يطلقون النار على الفلسطينيين ويهاجمونهم ويطردونهم من أرضهم، بينما توفر الدولة الأسلحة والغطاء القانوني والميزانية اللازمة لذلك".
سبع قرى تحت التحقيق
وحققت "هيومن رايتس ووتش" خلال نيسان/ أبريل وأيار/ مايو في هجمات طاولت سبع قرى وبلدات فلسطينية: المغيّر ومخماس والطيبة في محافظة رام الله، وجالود وقريوت في محافظة نابلس، وخربة حمصة والمعرّجات في الأغوار.
وأجرت المنظمة مقابلات مع 20 شاهدًا، وراجعت تسجيلات صورها شهود ولقطات كاميرات مراقبة لحوادث مختلفة. وقالت إن الجيش الإسرائيلي لم يرد على أسئلتها بشأن الهجمات التي وثقتها.
وبحسب التقرير، هاجم مستوطنون مسلحون الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفي بعض الحالات عملوا إلى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي، أو نفذوا اعتداءاتهم فيما وقف الجنود في المكان من دون تدخل.
وخلصت المنظمة إلى أن هذه الوقائع تشكل نمطًا من التهجير القسري، وليس سلسلة اعتداءات منفصلة.
كما وثقت هجمات منظمة استهدفت مصادر رزق السكان وأمنهم الغذائي، من خلال منع الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وسرقة الماشية أو قتلها، وإحراق الحقول والمحاصيل أو تدميرها.
وأدى ذلك إلى اضطرار عائلات فلسطينية إلى بيع ماشيتها بخسائر، أو شراء الأعلاف لإبقائها داخل المناطق السكنية بدل رعيها في أراضيها.
ولفتت المنظمة إلى أن الهجمات توسعت بصورة متزايدة إلى المنطقة "ب"، التي تخضع وفق اتفاق أوسلو للسيطرة المدنية الفلسطينية مع سيطرة أمنية مشتركة، بعدما ارتبط جانب كبير من الاستيطان والعنف الاستيطاني سابقًا بالمنطقة "ج".
وقالت إن الهجمات وغياب الحماية من السلطات الإسرائيلية خلقا "بيئة قسرية" دفعت فلسطينيين إلى القول إنهم لم يعودوا يملكون خيارًا سوى الرحيل.
6.6 هجمات يوميًا و15 شهيدًا منذ بداية العام
وبحسب معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا قسرًا بسبب هجمات المستوطنين وعمليات الهدم والطرد خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026 العدد المسجل خلال عام 2025 بأكمله.
وسجلت "أوتشا" معدلًا بلغ 6.6 هجمات استيطانية يوميًا أسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما، وهو أعلى معدل سنوي مسجل لدى الوكالة.
ورغم أن الجيش الإسرائيلي يبقى مسؤولًا عن معظم عمليات قتل الفلسطينيين في الضفة الغربية، ارتفع عدد القتلى على أيدي المستوطنين بصورة حادة.
وحتى 24 تموز/ يوليو، وثقت "أوتشا" مقتل 15 فلسطينيًا على الأقل، بينهم طفلان، على أيدي مستوطنين خلال 2026، ما يضع العام الحالي على مسار تجاوز الرقم القياسي السابق البالغ 16 قتيلًا والمسجل في 2023.
كما وثقت الوكالة الأممية تهجير 5,900 فلسطيني من 107 قرى وبلدات، كليًا أو جزئيًا، بفعل عنف المستوطنين منذ كانون الثاني/ يناير 2023.
ويضاف إلى ذلك نحو 32 ألف لاجئ فلسطيني هجرهم الجيش الإسرائيلي من مخيمات الضفة في كانون الثاني/ يناير 2025، ما أدى عمليًا إلى تفريغ مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
ملايين الشواكل للبؤر وتسليح المستوطنين
وقالت المنظمة إن المستوطنين المسؤولين عن التهجير يعملون بدعم مالي ومادي وقانوني من الدولة.
وأشارت إلى أن الحكومة الإسرائيلية خصصت، في آذار/ مارس الماضي، نحو 50 مليون شيكل، أي قرابة 16 مليون دولار، للبؤر الاستيطانية غير القانونية، استُخدم جزء منها في شراء مركبات رباعية الدفع، ونظارات للرؤية الليلية، وطائرات مسيّرة يستخدمها المستوطنون في مضايقة الفلسطينيين.
كما ارتفعت ميزانية وزارة الاستيطان والمهام الوطنية بنسبة 122% في عهد الحكومة الحالية، وفق معطيات أوردتها المنظمة عن منظمة العفو الدولية.
وفي الوقت نفسه، قالت "هيومن رايتس ووتش" إن النظام الإسرائيلي يوفر للمستوطنين حصانة فعلية من الملاحقة. فمن بين مئات ملفات اعتداءات المستوطنين التي وثقتها منظمة "يش دين" منذ 2005، انتهى 3% فقط بأحكام إدانة.
كما انخفض عدد الملفات التي فتحتها الشرطة بحق مستوطنين بتهمة الاعتداء على فلسطينيين بنسبة 70% منذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي عام 2022، رغم الارتفاع غير المسبوق في الهجمات.
وبحسب المعطيات التي استعرضها التقرير، لم توجه إسرائيل منذ عام 2019 سوى لائحة اتهام واحدة بحق إسرائيلي على خلفية قتل فلسطيني في الضفة الغربية.
طمس الحدود بين المستوطن والجندي
ويركز التقرير على ما وصفه بالطمس المتعمد للفارق بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية. فعقب هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استدعى الجيش نحو 5,500 مستوطن من جنود الاحتياط في الضفة الغربية، وألحقهم بما يسمى "كتائب دفاع إقليمي".
وقالت المنظمة إن هذه الوحدات، التي تضم مستوطنين وجنودًا، تعمل بهامش استقلال واسع وتخدم في كثير من الحالات أهداف المستوطنين، في الوقت الذي يحمل فيه أفرادها الصفة العسكرية والسلاح والصلاحيات المرتبطة بها.
وبالتوازي، أنشأت وزارة الأمن القومي "فرق استجابة سريعة" مدنية داخل المستوطنات، ومنحت أعضاءها صلاحيات شرطية خاصة وزيًا رسميًا وأسلحة.
كما خفف بن غفير شروط الحصول على تراخيص الأسلحة، وأشرف شخصيًا في بعض الحالات على توزيع بنادق على مستوطنين.
104 مستوطنات جديدة و248 بؤرة
وترى "هيومن رايتس ووتش" أن عنف المستوطنين والتهجير الناتج عنه يمثلان في الوقت نفسه مظهرًا من مظاهر مشروع الاستيطان ووسيلة لتوسيعه.
وكان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد أعلن في تموز/ يوليو أن الحكومة وافقت منذ توليها السلطة على إنشاء 104 مستوطنات جديدة، بما رفع العدد الإجمالي، وفق المعطيات التي أوردها التقرير، من 127 إلى 231 مستوطنة تقريبًا.
وخلال الحرب على إيران، أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي سرًا إنشاء 34 مستوطنة إضافية، في خطوة وصفتها تقارير إسرائيلية بأنها أكبر دفعة توسع منفردة في تاريخ المشروع الاستيطاني، بينها عشر بؤر جرى "شرعنتها" بأثر رجعي وفق القانون الإسرائيلي.
وخلال ولاية الحكومة الحالية، أقام المستوطنون 248 بؤرة جديدة في الضفة، بينها 65 منذ بداية 2026 وحتى الأول من آب/ أغسطس، وفق "السلام الآن". وقال كاتس إن الحكومة "شرعنت" نحو 160 بؤرة خلال ولايتها.
وبحسب تقرير مشترك لمنظمتي "كِرِم نافوت" و"السلام الآن"، تسيطر هذه البؤر فعليًا على أكثر من مليون دونم، أي نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، وهي مساحة تعادل أربعة أضعاف ما كانت تسيطر عليه قبل تشكيل الحكومة الحالية.
خربة حمصة: اعتداء جنسي وسرقة 400 رأس ماشية
ويفرد التقرير مساحة واسعة لحوادث محددة، من بينها هجوم على خربة حمصة في الأغوار الشمالية، التي تسكنها ست عائلات يبلغ مجموع أفرادها 45 شخصًا.
وقال راعٍ يبلغ 29 عامًا إن ما بين 80 و100 مستوطن ملثم هاجموا التجمع عند الساعة الواحدة فجر 13 آذار/ مارس.
ووصف تعرضه للضرب والتقييد والعنف الجنسي، فيما اعتُدي على أفراد من عائلته، بمن فيهم أطفال، وهددهم المهاجمون بإحراق خيامهم وخطف النساء إذا بقوا في المكان.
وقال إن مجموعات من المستوطنين قسمت الأدوار أثناء الهجوم؛ مجموعة تولت الاعتداء على السكان وتقييدهم، وأخرى سرقت الماشية، فيما انتظرت مجموعة ثالثة بمركبات الدفع الرباعي لنقلها.
وسرق المهاجمون نحو 400 رأس من الماشية، تمثل مصدر الدخل الأساسي لسكان التجمع، ودمروا خزانات مياه ومحولات كهرباء وألواحًا شمسية، إضافة إلى هواتف وكاميرات مراقبة ومجوهرات.واستمر الهجوم نحو 45 دقيقة.
وبحسب الشهادات، وصلت الشرطة والجيش الإسرائيليان بعد نحو ساعتين، فيما منعت السلطات سيارتي إسعاف تابعتين للهلال الأحمر الفلسطيني من الوصول مباشرة، ولم تسمح إلا لإحداهما بالعبور بعد انتظار ساعتين.
واحتجزت السلطات سبعة مستوطنين على خلفية الهجوم، قبل الإفراج عنهم إلى حين جلسة قضائية لاحقة.
ورغم فرار تجمعات رعوية مجاورة، قال أحد أفراد العائلة: "سواء حصلنا على الدعم أم لم نحصل عليه، سنبقى هنا. المكان الوحيد الذي سنذهب إليه من هنا هو القبر".
المعرّجات: قرية كاملة هُجّرت ولم تعد
وفي المعرّجات الشرقية شمال غرب أريحا، أدت هجمات المستوطنين ومضايقاتهم إلى تهجير كامل سكان التجمع، البالغ عدد عائلاته 50، في 4 تموز/ يوليو 2025.
وتعود أصول السكان إلى لاجئين هُجروا من النقب عام 1948، ولم يتمكنوا من العودة إلى قريتهم حتى اليوم.
وبحسب إحدى سكان التجمع، بدأت الهجمات عام 2021 بعد إقامة بؤرة استيطانية على تلة مجاورة، ثم تصاعدت بشدة بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وشملت الاعتداءات تدمير الممتلكات والآبار والألواح الشمسية، وسرقة الماشية والأعلاف، وضرب السكان وتهديدهم.
وقالت: "المستوطنون هم من يصدرون الأوامر للجيش، وليس العكس"، مضيفة أن الشرطة والجنود كانوا يغلقون المداخل أثناء الهجمات لمنع السكان من المغادرة أو وصول المساعدة إليهم.
وفي 3 تموز/ يوليو 2025، أقام مستوطنون بؤرة في وسط القرية على بعد نحو 100 متر من المدرسة، وأدخلوا حيواناتهم إليها ومنعوا الطلاب من الوصول، قبل أن يقتحموا المنطقة ليلًا بأسلحة ومركبات ويجبروا السكان على الرحيل.
وقالت إحدى السكان: "كأنها نكبة أخرى. كانت أجواء الحرب".
وفي شباط/ فبراير 2026، هدم مستوطنون ما تبقى من المنازل رغم صدور قرار من محكمة إسرائيلية يطلب من الجيش والإدارة المدنية والشرطة تمكين السكان من العودة بأمان.
وانتقل السكان إلى منطقة العوسج قرب أريحا، لكنهم أفادوا باستمرار ملاحقة المستوطنين وتهديداتهم حتى هناك.
المغيّر: قتل قرب مدرسة واستيلاء على معظم الأرض
وفي قرية المغيّر شمال شرق رام الله، وثقت "أوتشا" 43 هجومًا استيطانيًا خلال 2025 وحده أسفرت عن إصابات أو أضرار، وهو عدد يعادل مجمل الهجمات المسجلة في العامين السابقين معًا.
ومنذ 2023، قتل المستوطنون أو الجنود ثلاثة فتيان وأربعة رجال من القرية.
وفي 21 نيسان/ أبريل 2026، قتل مستوطنون رجلًا يبلغ 32 عامًا وفتى يبلغ 14 عامًا خلال هجوم قرب مدرسة، وفق شهادات وفيديوهات تحققت منها "هيومن رايتس ووتش".
وقال شهود إن مستوطنًا أطلق النار من تلة مشرفة على المدرسة، وإن أحد المقاطع يظهر لحظة إصابة الفتى برصاصة في الرأس أثناء محاولته الهرب.
وأصيب رجلان آخران بالرصاص خلال الهجوم.
ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب المنظمة الحصول على معلومات بشأن أي تحقيق في الحادث.
وقال سكان إن تسع بؤر استيطانية تحيط بالمغيّر، سبع منها أقيمت منذ 2023، بينها واحدة داخل المنطقة "ب".
و"شرعنت" الحكومة الإسرائيلية بؤرة "أدي عاد" في أيار/ مايو 2025، ثم "شرعنت" بؤرة "ملآخي هشالوم" في حزيران/ يونيو من العام ذاته وخصصت 750 دونمًا من الأراضي المحيطة بها باعتبارها "أراضي دولة".
كما أغلق الجيش جميع طرق القرية باستثناء واحدة.
وقال عضو في مجلس القرية إن المستوطنين استولوا أو منعوا السكان من الوصول إلى 98% من أراضي المغيّر، بما في ذلك المراعي وبساتين الزيتون.
وفي آب/ أغسطس 2025، أصدر قائد المنطقة الوسطى في الجيش أمرًا باقتلاع أشجار زيتون في مساحة 300 دونم، لكن مستوطنين أزالوا الأشجار من مساحة بلغت نحو 620 دونمًا، وفق "كِرِم نافوت"، قبل أن يسيطروا على أجزاء منها.
كما تستضيف المغيّر نحو 12 عائلة كانت قد هُجرت من عين سامية إلى الخلايل في 2023، ثم هُجرت مرة أخرى في شباط/ فبراير 2026 بأمر من الجيش الذي أعلن المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة".
وبعد أقل من شهر، أقام المستوطنون بؤرة في الموقع الذي أُبعدت العائلات عنه.
قريوت: شقيقان قتلا وجندي احتياط بين المهاجمين
وفي قريوت، بين رام الله ونابلس، وثقت المنظمة هجومًا وقع في 2 آذار/ مارس 2026، قُتل خلاله شقيقان وأصيب ثالث.
وبحسب شهادة الشقيق الناجي، اقتربت مجموعة من 30 إلى 40 مستوطنًا من منزل العائلة، بينهم شخص يرتدي زيًا عسكريًا ويحمل سلاحًا.
وقال إن اثنين كانا يحملان بنادق "M16"، بينما حمل ثلاثة أو أربعة آخرون مسدسات، وبدأ بعضهم بإلقاء الحجارة فيما أطلق آخرون النار.
وأضاف أن مسلحًا يرتدي زيًا عسكريًا اتخذ وضعية قنص وأطلق النار على أحد شقيقيه في الرأس وعلى الآخر في البطن.
وأصيب الشقيق الثالث لاحقًا، كما أصيب فلسطينيان آخران حاولا تقديم المساعدة.
وقال سكان إن الجيش أغلق الطريق خلال الهجوم وأعاق وصول سيارة الإسعاف.
وقالت والدة القتيلين إن أحد ابنيها كان لا يزال واعيًا، مضيفة: "لربما بقي حيًا لو سمحوا لسيارة الإسعاف بالوصول إليه في الوقت المناسب".
وبحسب أحد المسعفين في البلدة، تعرضت طواقم الإسعاف في قريوت لهجمات من المستوطنين خمس مرات على الأقل، فيما قتل سائق إسعاف فلسطيني برصاص مستوطن أثناء محاولة إجلاء مصابين من هجوم في بلدة الساوية المجاورة عام 2024.
وأقر الجيش الإسرائيلي، في بيانه بشأن هجوم قريوت، بأن مطلق النار الذي قتل فلسطينيين كان جندي احتياط في الخدمة الفعلية، وقال إنه جُرد من سلاحه وفُتح تحقيق جنائي في الحادث.
ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قتل مستوطنون أو جنود ثلاثة فلسطينيين في قريوت، إضافة إلى طفلة تبلغ 13 عامًا قتلت برصاص جنود كانوا يرافقون مستوطنين في أيلول/ سبتمبر 2024.
وبحسب سكان القرية، لم يعد متاحًا لهم سوى 360 دونمًا من أصل نحو 22 ألف دونم من أراضي قريوت، تقع جميعها في المنطقة "ب" وتشمل أساسًا المنطقة المبنية.
وقالت إحدى سكان القرية: "لطالما كانوا يسرقون الأراضي ويحتلونها، لكن الوضع لم يكن هكذا بتاتًا. منذ أن جاء المستوطنون، بدأوا يخنقوننا شيئًا فشيئًا".
تهجير قسري بموجب القانون الدولي
واستندت "هيومن رايتس ووتش" إلى المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة المحتلة النقل أو التهجير القسري للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة، باستثناء عمليات إخلاء مؤقتة تقتضيها ضرورة أمن السكان أو أسباب عسكرية ملحة.
وأشارت إلى أن التهجير القسري لا يتطلب إصدار أمر مباشر بالرحيل، ويمكن أن يتحقق أيضًا عندما تخلق سلطات الاحتلال من خلال الانتهاكات ظروفًا تجبر السكان على المغادرة.
وقالت المنظمة إن الأدلة التي جمعتها تظهر أن إسرائيل لم تف بالتزامها حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين ومنعه والتحقيق فيه وملاحقة المسؤولين عنه، بل ساهمت بصورة مباشرة في تمكينه من خلال الدعم المادي والسياسي والقانوني.
ورأت أن تخصيص الأراضي التي يُهجّر منها الفلسطينيون لاحقًا لمستوطنات وبؤر استيطانية يؤكد أن التهجير ليس مؤقتًا ولا يمكن اعتباره إخلاءً مشروعًا وفق القانون الدولي.
الاحتلال غير قانوني وبيئة قسرية للتهجير
وأعاد التقرير التذكير بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/ يوليو 2024، والذي خلص إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وأن إسرائيل تنتهك الحظر المفروض على الفصل العنصري والأبارتهايد.
وخلصت المحكمة كذلك إلى أن إسرائيل تقاعست بصورة منهجية عن منع أو معاقبة هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، وأن عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي والحرمان من الموارد ساهمت في تشكيل بيئة قسرية تدفع السكان إلى الرحيل.
كما رأت أن السياسات والممارسات الإسرائيلية لا تترك في كثير من الحالات للفلسطينيين في المنطقة "ج" خيارًا فعليًا سوى مغادرة أماكن سكنهم، بما يتعارض مع حظر النقل القسري.
وأكدت المحكمة أن إسرائيل ملزمة بإجلاء المستوطنين من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والسماح للفلسطينيين المهجّرين بالعودة إلى ديارهم وتعويضهم عن الأضرار.
دعوة إلى حظر السلاح والتجارة مع المستوطنات
ودعت "هيومن رايتس ووتش" الدول إلى فرض عقوبات محددة الهدف على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة المستمرة، وتعليق نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات، والنظر في تعليق اتفاقيات التجارة التفضيلية معها.
كما دعت إلى دعم المحكمة الجنائية الدولية وتحقيقاتها، وتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عنها.
وقالت صنبر إن "الإفلات من العقاب الذي تمنحه السلطات الإسرائيلية للمستوطنين ينبع مباشرة من الحرية المطلقة التي تلقتها إسرائيل من حلفائها ومانحيها".
وأضافت: "المساءلة تبدأ بالمستوطنين الذين يرتكبون الجرائم، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد؛ فإسرائيل والحكومات التي تمنحها شيكًا على بياض تتقاسم المسؤولية ويجب أن تخضع للمساءلة".
وكانت "هيومن رايتس ووتش" قد خلصت سابقًا إلى أن السلطات الإسرائيلية تسببت عمدًا في تهجير قسري واسع ومتعمد وطويل الأمد للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، واعتبرت أن ذلك يرقى إلى التطهير العرقي وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما دعت إلى التحقيق في المسؤولية الجنائية الفردية لعدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين عن التهجير القسري في الضفة، بينهم قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط، ورئيسا الأركان السابق والحالي هرتسي هاليفي وإيال زامير، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، وبتسلئيل سموتريتش.