مقالات

بشير البرغوثي.. حين كتب: «الرهان على أمريكا كالمستجير من الرمضاء بالنار»… هل يتكرر الوهم؟

بشير البرغوثي.. حين كتب: «الرهان على أمريكا كالمستجير من الرمضاء بالنار»… هل يتكرر الوهم؟

مقدمة: سؤال يعود بعد ثلاثة عقود

في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، كتب الرفيق الراحل بشير البرغوثي، الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني وأحد أبرز قادة الحركة الوطنية الفلسطينية، والذي تصادف ذكرى رحيله في التاسع من أيلول/سبتمبر، مقالاً في جريدة «الطليعة» المقدسية حمل عنوان: «الرهان على أمريكا كالمستجير من الرمضاء بالنار»، حذّر فيه من وهم بدأ يتسلل إلى الوعي السياسي الفلسطيني آنذاك: وهم الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها راعية لعملية السلام.

لم يكن تحذير بشير مجرد موقف سياسي عابر، بل كان قراءة مبكرة لمآلات مسار كامل، انطلاقاً من قناعة بأن الولايات المتحدة، بما تمثله من انحياز استراتيجي لإسرائيل، يصعب أن تكون وسيطاً نزيهاً ومنصفاً في قضية تقف فيها إلى جانب أحد طرفي الصراع بصورة استراتيجية.

ومن هنا صاغ عبارته التي كررها في سهرة مسائية الرفيق تيسير محيسن: «كالمستجير من الرمضاء بالنار».

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ومع التحولات الجارية في غزة والمنطقة، يعود السؤال ذاته، ولكن بصيغة أكثر إلحاحاً:

هل نعيد إنتاج الوهم نفسه؟ وهل ننتقل مرة أخرى من الرمضاء إلى النار؟

أولاً: واشنطن.. من وهم الوسيط النزيه إلى الطرف الشريك في المعادلة

ما يجري اليوم في قطاع غزة لا يمكن اختزاله في إطار وقف إطلاق النار أو إدارة مرحلة انتقالية تقليدية. فمع بروز ما يسمى «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصبح الدور الأمريكي أكثر مباشرة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، بما يشمل إدارة القطاع، والأمن، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار، وشكل الحكم في المرحلة المقبلة. وقد تضمنت خارطة الطريق التي نشرها المجلس ترتيبات إدارية وأمنية وإعمارية، إلى جانب حديث عن مسار سياسي.

وهنا يبرز سؤال لا يجوز القفز عنه:

هل نحن أمام دور أمريكي يقتصر على إنهاء الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى التأثير في شكل الواقع الفلسطيني المقبل من بوابة غزة؟

فحين تصبح الجهة التي تتولى إدارة المرحلة الانتقالية هي نفسها صاحبة التأثير في الأمن والإعمار والحكم، فإن السؤال عن حدود هذا الدور ومستقبله لا يعود ترفاً سياسياً، بل يصبح ضرورة وطنية.

ثانياً: من غزة إلى النظام السياسي الفلسطيني

المباحثات الجارية، وما يكتنفها من شروط وإملاءات، سواء في مفاوضات حركة حماس ومعها بعض القوى في القاهرة، أو عبر القنوات الدولية مع القيادة الفلسطينية، تجري على وقع استمرار حرب الإبادة، ومواصلة اعتداءات المستوطنين، وتسارع تنفيذ مخططات الاستيطان والضم.

ولا تتوقف هذه الترتيبات عند حدود وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية، تتصل بالسلاح، وشكل الإدارة في غزة، ومكانة القطاع باعتباره جزءاً من أراضي دولة فلسطين، وصلاحيات الحكم المحلي.

وهنا تبرز مخاوف جدية من أن تؤدي بعض هذه الترتيبات، إذا لم تُربط بإطار وطني فلسطيني شامل، إلى التعامل مع غزة بصورة منفصلة عن الضفة الغربية والقدس، بما يمس وحدة الشعب والقضية الوطنية وجوهرها: حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة، وحق اللاجئين في العودة.

ومن هنا، فإن أي ترتيبات تخص غزة ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية وطنية فلسطينية موحدة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطنية ، لا مدخلاً لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني من الخارج.

ثالثاً: الخطر ليس في واشنطن فقط.. بل في الرهان عليها

المسألة لا تتعلق فقط بطبيعة السياسة الأمريكية، بل أيضاً بطريقة التعامل الفلسطيني معها.

من الطبيعي أن يتم التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة دولية نافذة ومؤثرة، وأن يتم الاستفادة من علاقاتها وتأثيرها دون مبالغة أو وهم ، لكن المهم أن تستثمر أيضاً مواقف القوى الدولية الأخرى التي لها رأي مختلف . لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول واشنطن إلى المرجعية الأساسية للحل، ويصبح ما تطرحه هي سقف الممكن فلسطينياً.

وهنا تتجدد مقولة بشير البرغوثي في معناها العميق:

إن طلب الضمانات من القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن امتلاك مشروع وطني موحد، أو إلى رهن القرار الفلسطيني بما تراه هذه القوى ممكناً ومقبولاً.

والفارق الجوهري هنا هو بين:

* استثمار التناقضات الدولية

* والارتهان لها.

الأولى سياسة، والثانية تبعية.

رابعاً: وهم التحول الأمريكي

رغم التجارب التاريخية، ما زالت بعض القراءات السياسية تتعامل مع التحولات في الموقف الأمريكي وكأنها يمكن أن تنتج تلقائياً حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية.

لكن التجربة تقول إن الولايات المتحدة تتحرك ضمن منظومة مصالح واضحة، وفي مقدمتها أمن دولة الاحتلال وتفوقها الاستراتيجي.

لذلك، فإن المطلوب ليس قطع العلاقة مع واشنطن، ولا تجاهل دورها الدولي، ولا رفض التعامل معها، وإنما تحرير القرار الفلسطيني من وهم الاعتماد عليها كبديل عن المشروع الوطني، مع الحفاظ على القدرة على التعامل معها ومع غيرها من القوى الدولية وفق المصالح والحقوق الفلسطينية.

فالسياسة لا تعني أن نغلق الأبواب أمام القوى المؤثرة، كما لا تعني أن نسلّم لها مفاتيح البيت.

خامساً: استعادة العامل الفلسطيني

في مواجهة هذا المشهد المعقد، لا يكمن البديل في الانكفاء أو القطيعة، بل في استعادة العامل الفلسطيني بوصفه مركز الفعل السياسي.

وفي اللحظة الراهنة، تبرز مهمتان أساسيتان يجب أن يتركز عليهما كل الجهد : مواجهة حرب الإبادة والمذبحة المستمرة في غزة، ومواجهة هجمات المستوطنين المتصاعدة في الضفة الغربية، مع اختيار الأساليب الأكثر نجاعة في مواجهة هذين الخطرين.

لكن مواجهة هذين التحديين لا تنفصل عن استعادة وحدة الإرادة والتمثيل والهدف الفلسطيني، وتوسيع مروحة العلاقات الدولية، شعبياً ورسمياً، بما يعزز الموقف الفلسطيني ويحول دون فرض حلول من الخارج.

فكلما غاب العامل الفلسطيني، اتسعت مساحة الآخرين لملء الفراغ.

خاتمة القول : لا نريد رمضاء جديدة

بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو تحذيرات بشير البرغوثي أكثر حضوراً من أي وقت مضى، لا بوصفها موقفاً تاريخياً فحسب، بل باعتبارها دعوة إلى قراءة الحاضر بعين مفتوحة.

فاليوم، كما بالأمس، يُطرح علينا سؤال الرهان على واشنطن، ولكن في سياق أكثر تعقيداً، حيث يمكن لإعادة إعمار غزة وترتيبات ما بعد الحرب أن تكون فرصة لإنقاذ القطاع واستعادة الحياة، كما يمكن، إذا جرى التعامل معها خارج إطار وطني فلسطيني، أن تتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل الواقع السياسي والقضية الفلسطينية.

غزة تحتاج إلى وقف حرب الابادة ، وإعادة الإعمار، وعودة الحياة. لكن الأهم أن تبقى هذه الضرورات في خدمة الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، لا أن تتحول إلى مدخل لإعادة صياغته من الخارج.

وفلسطين تحتاج إلى سلام، نعم، لكن سلاماً ينهي الاحتلال لا يديره، ويحقق الحرية لا يستبدلها بإدارة ذاتية، ويعيد توحيد الأرض لا تكريس تقسيمها.

في النهاية، يبقى الدرس الأهم واضحاً وبسيطاً وعميقاً في آن واحد:

الاستقلال لا يُمنح من الخارج، بل يُنتزع بمقاومة شعبية موحدة وغير استعراضية.

إن هذا الرهان الخاسر هو جوهر ما حذر منه ببشير البرغوثي قبل عقود، وحدد سبل مواجهته وهو ما يستحق أن نستعيده اليوم ونحن نقرأ المشهد الراهن:

من يستجير بالرمضاء قد يجد نفسه في نار أشد.