مقالات

بين التجريد والانسحاب: خريطة ترامب في مصيدة الشروط الإسرائيلية

بين التجريد والانسحاب: خريطة ترامب في مصيدة الشروط الإسرائيلية

يقف المشهد السياسي والأمني في قطاع غزة أمام منعطف حاسم ومحفوف بالمخاطر، مع محاولة الإدارة الأميركية الدفع نحو تنفيذ "المرحلة الثانية" من خطة السلام الشاملة للرئيس دونالد ترامب. هذه المرحلة، التي يُفترض أن تُدشن الانتقال من حالة وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي وأمني مستدام، تصطدم بواقع ميداني معقد وبشروط إسرائيلية تعيد صياغة أولويات الاتفاق، مما يجعل من الخريطة الأميركية مجرد وثيقة تختبر حدود الإرادة السياسية للأطراف المعنية وتكشف عن فجوات عميقة في بنية الثقة المفقودة.

هندسة المرحلة الثانية: بين الطموح الأميركي والواقع الميداني

تُبنى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الصراع، التي انطلق مسارها أواخر عام 2025، على مرتكزات أساسية تشمل الإدارة التكنوقراطية، ونزع السلاح، والبدء بإعادة الإعمار تحت إشراف دولي.

وتقوم الرؤية الأميركية على تشكيل لجنة لإدارة الشؤون المدنية اليومية للقطاع، مدعومة بقوة استقرار دولية، وذلك بالتوازي مع انسحاب للقوات الإسرائيلية وتسليم الأسلحة.

إلا أن هذه الهندسة الفوقية تصطدم بتعقيدات التفاصيل على الأرض؛ فواشنطن تسعى لفرض وقائع سياسية متسارعة وطي صفحة الحرب، بينما تقرأ إسرائيل الاتفاق من عدسة أمنية بحتة ترفض التنازل عن تواجدها العسكري دون ضمانات مطلقة لتفكيك البنية التحتية للمقاومة.

العقدة الأمنية: أولوية التجريد أم الانسحاب؟

تتمركز أبرز نقاط الصدام في التسلسل الزمني وآليات التنفيذ الميدانية. تطرح المقاربة الأميركية عمليات متزامنة ومرحلية للانسحاب الإسرائيلي مقابل تسليم الأسلحة. غير أن تل أبيب تضع التجريد الشامل للسلاح، بما في ذلك تفكيك شبكات الأنفاق وتسليم الأسلحة الثقيلة، كشرط مسبق لأي انسحاب جوهري من المناطق الاستراتيجية.

هذا الموقف الإسرائيلي، الذي يطرح جداول زمنية ممتدة قد تصل إلى ما يقارب العام لإتمام تفكيك البنية التحتية، يتناقض جذرياً مع المقاربة الفلسطينية التي ترى أن أي حديث عن السلاح لا يمكن أن يسبق الانسحاب الكامل والفعلي للقوات الإسرائيلية كخطوة أولى لضمان عدم التعرض لعمليات استهداف جديدة.

معضلة الإدارة والفراغ الأمني

تمثل إدارة اليوم التالي في غزة التحدي الأكبر لنجاح هذه المرحلة. فتشكيل لجنة لإدارة شؤون القطاع يظل خطوة تعتبرها الدوائر الإسرائيلية "إعلانية" إذا لم تترافق مع سيطرة أمنية فعلية تقصي حركة حماس والفصائل عن المشهد تماماً. وفي ظل التردد الدولي لإرسال قوات مسلحة للانخراط في بيئة بالغة الخطورة، تواجه قوة الاستقرار الدولية المقترحة تحديات هيكلية تتعلق بطبيعة تفويضها، وقواعد الاشتباك الخاصة بها.

في المقابل، تصر إسرائيل على الاحتفاظ باليد الطولى أمنياً والتحكم بالمناطق العازلة، مما يقوض سلطة أي إدارة فلسطينية قادمة ويفرغها من مضمونها السيادي والخدمي.

إن خريطة الطريق الحالية، رغم الزخم السياسي الذي تدفع به الإدارة الأميركية الساعية لتسجيل اختراق دبلوماسي في المنطقة، تحمل في طياتها عقبات جوهرية. فالإصرار الإسرائيلي على فرض شروط أمنية تجعل من الانسحاب عملية معلقة حتى إشعار آخر، في مقابل الاستحالة العملية لتنفيذ نزع سلاح فوري دون استقرار سياسي، يجعل من المرحلة الثانية مجرد حقل ألغام تفاوضي. وبدون معالجة هذه الفجوة العميقة بين الرؤية الاستراتيجية لترتيبات ما بعد الحرب وبين الحقائق الصلبة على الأرض، سيبقى القطاع رهن حالة من اللاحسم الميداني المفتوح على كل الاحتمالات.