مقالات

طيف التاريخ وهواجس السقوط: أزمة الذاكرة الأمنية وانتقال جبهة المواجهة في إيران استدعاء الماضي كأداة للهندسة النفسية والاحتواء الداخلي

طيف التاريخ وهواجس السقوط: أزمة الذاكرة الأمنية وانتقال جبهة المواجهة في إيران  استدعاء الماضي كأداة للهندسة النفسية والاحتواء الداخلي

يكشف البيان الرسمي الصادر عن حرس النظام الإيراني بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين لعملية مرصاد والرد على عملية الضياء الخالد لجيش التحرير الوطني عام 1988 عن حالة ذعر سياسي وأمني عميقة تعيشها السلطة الحاكمة. لم يكتفِ البيان باستحضار حقبة تاريخية فارقة، بل ربطها بشكل مباشر ومقصود بانتفاضة يناير 2026 الوطنية، معترفاً بطريقة غير مباشرة بالدور المؤثر لشبكات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في قيادة الحراك الشعبي الراهن. إن إصرار المنظومة العسكرية والأمنية على توجيه رسائل تحذيرية حادة عبر استعادة أحداث وقعت قبل عقود طويلة يؤكد أن الذاكرة المؤسسية للنظام ما زالت تحت وقع الصدمة الوجودية، وتستخدم التعبئة الأيديولوجية كورقة ضغط لهندسة الوعي الجمعي وترهيب جيل شاب بات متحرراً من قيود الخوف التقليدي.

تفكيك الخطاب الرسمي: الاعتراف الضمني باتساع رقعة المعارضة المنظمة

تتجلى الدلالة الأهم في قراءة لغة البيان الصادر في يوليو 2026 في الانتقال السلس من سرديات الماضي العسكري إلى التطورات الميدانية الراهنة، حيث زعم النص الرسمي أن المعارضة لعبت دوراً حاسماً في أحداث الاحتجاجات الواسعة التي وصفها النظام بـ "الانقلاب الفاشل في 8 و9 يناير 2026". وبرغم استخدام الآلة الإعلامية الرسمية لمصطلحات التخوين المعتادة لتجريد الهبات الشعبية من طابعها الجماهيري العريض، إلا أن هذا التوصيف يمثل اعترافاً أمنياً خطيراً بأن القوى السياسية المنظمة قادرة على اختراق الحصون الأمنية والتأثير الفاعل في ذروة الأحداث. وقد اتسمت ليلتا الثامن والتاسع من يناير بتصعيد ميداني غير مسبوق، قابلته السلطات بقطع كامل للإنترنت وحملات بطش دموية، مما يعكس حساسية الموقف واهتزاز الاستقرار الداخلي أمام اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

التحول الاستراتيجي: انكماش الحدود وانفجار العمق الجغرافي

تمثل جغرافيا المواجهة الراهنة تحولاً جذرياً مقارنة بمشهد عام 1988؛ ففي ذلك الوقت، واجه النظام الإيراني قوات عسكرية نظامية تقدمت عبر الحدود الغربية مخترقة مدينة كرمانشاه. أما اليوم، فقد تغير الشكل الاستراتيجي للصراع بشكل كامل، ليصبح الخطر الماثل يكمن في شبكات ممتدة في العمق الداخلي تحت مسمى وحدات المقاومة. تتكون هذه التشكيلات غير المركزية من خلايا نشطة تتحرك بخفة داخل طهران ومختلف المحافظات، منفذة أنشطة منسقة لتفكيك مراكز الترهيب والقمع، وإدامة زخم الحراك رغم الاعتقالات والملاحقات. تمثل هذه الشبكات المنتشرة في الأحياء والمدن تحدياً أمنياً معقداً يربك حسابات حرس النظام، لكونها لا تواجه كجيش تقليدي يمكن حصاره أو قصفه في الطرق المفتوحة.

المآلات الجيوسياسية: الكابوس الوجودي وحتمية التغيير الهيكلي

تؤكد القراءة الموضوعية للمشهد الإيراني الراهن أن البيان الأخير، الذي أراد منه حرس النظام أن يكون إعلاناً للسيطرة والردع، تحول في جوهره إلى وثيقة رسمية تشهد على الخوف الوجودي. فبينما كانت القيادة تخشى في الماضي وصول جيش منظم إلى أبواب كرمانشاه، باتت اليوم تواجه ما هو أشد تعقيداً؛ تمثل في تسلل روح المقاومة إلى قلب المدن والعاصمة والمجتمعات المنتفضة. إن هذا التحول يعكس مأزقاً استراتيجياً لا يمكن معالجته بالخطاب التعبوي أو الحلول الأمنية البحتة. وبذلك، يظل الكابوس السياسي المرتبط بالتقاء الغضب الشعبي الواسع بالمقاومة المنظمة هو الهاجس الأكبر الذي يلاحق أركان الحكم، مدفعاً البلاد بخطى متسارعة نحو لحظة التغيير الجذري واستحقاقاته المحتومة.