بين مرارة الشوق وتحفيز الدماغ.. هل الشعور بالحنين إلى الماضي مفيد؟
رائحة الكحك في منزل العائلة الكبير، صوت أغنية قديمة في الراديو أو صورة قديمة في ألبوم عائلي، كل هذه المحفزات كفيلة بأن تأخذنا في رحلة خاطفة عبر الزمن، تنشط معها المشاعر وتستحضر الذكريات، هذا الشعور المزيج بين "الحلاوة والمرارة" والذي يعرف بـ"نوستالجيا" الحنين إلى الماضي، لم يعد مجرد عاطفة عابرة، بل أصبح موضوع لدراسات وأبحاث نفسية مكثفة، وحسب موقع shinesheets يعد هذا الشعور مفيدا للإنسان، يؤثر على كيمياء الدماغ ومزاجنا العام بشكل إيجابي.
ماذا يحدث داخل الدماغ عند الشعور بالحنين؟
كشفت الأبحاث العلمية أنه عند استرجاع ذكريات الماضي، تنشط مراكز المكافأة في الدماغ بشكل مباشر، هذا التنشيط العصبي يفسر سبب شعورنا المفاجئ بالراحة والسعادة عند التعرض لبعض المحفزات البسيطة، كاستماعنا لأغنية قديمة ارتبطت بطفولتنا أو بمرحلة زمنية معينة.
حاسة الشم.. "الزرار السري" لاستدعاء الذكريات
تعتبر الروائح من أقوى المثيرات التي تحرك مشاعر الحنين إلى الماضي، والسبب في ذلك يعود إلى الارتباط الوثيق بين حاسة الشم و"الجهاز الحوفي" في الدماغ "المسئول عن المشاعر والذاكرة"، ويربط أغلب الأشخاص روائح المخبوزات والطهي بذكرياتهم داخل منازل عائلاتهم، بينما يميل من نشأوا في المناطق الريفية إلى الحنين لروائح الطبيعة والنباتات، وهو ما يشكل آلية استرخاء فورية للمزاج.
تحول تاريخي.. من مرض عقلي إلى طريقة علاجية
- مر مفهوم "النوستالجيا" بتحولات جذيرة في تاريخ الطب النفسي:
- في القرن الـ17.. اعتبره الطبيب السويسري "يوهان هوفر" اضطراباً نفسياً.
- في القرنين الـ19 والـ20.. ارتبط المصطلح بالمرض العقلي وشكل من أشكال الذهان.
- في العصر الحديث.. كشف العلماء أن الحنين إلى الماضي هو عاطفة إنسانية عالمية، تُمثل آلية فعالة للتكيف مع أوقات التوتر وتخفيف الضغوط اليومية.
فوائد علاجية لكبار السن
- أصبحت "جلسات استرجاع الذكريات" باستخدام الوسائل البصرية والحديث عن الماضي تقنية معتمدة وعلاجاً فعال لمرضى الخرف وألزهايمر وكبار السن، حيث تساهم في تقوية الروابط الاجتماعية وتعزيز الشعور بالإنتماء والتواصل مع الأهل والأصدقاء.
- الجانب المشرق للنوستالجيا، وفقاً لدراسة أجريت في جامعة ساوثهامبتون، فإن الأشخاص الذين يمارسون الحنين إلى الماضي بإنتظام أظهروا، الأتى:
- انخفاض في مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول".
- انخفاض معدلات الإصابة بالأرق والإكتئاب والشعور بالوحدة.
- تعزيز الشعور بالمعنى الشخصي وتطوير جودة العلاقات الاجتماعية.
- الجانب المظلم: متى يصبح الحنين إلى الماضي ضار؟
على الرغم من فوائده النفسية، يحذر الخبراء من الإفراط في الاستغراق في الذكريات، إذ قد يتحول الحنين إلى "سيف ذو حدين":
- تغذية مشاعر الندم والحسرة.. عند مقارنة الوضع الراهن بالماضي والتطلع الدائم لما مضى.
العزلة الاجتماعية.. قد يجد البعض صعوبة في التواصل مع الحاضر والمضي قدماً في حياتهم العملية والشخصية.
- توليد مشاعر الغضب والاستياء.. خاصة إذا كانت الذكريات المسترجعة مقترنة بأحداث أو تجارب سلبية.
وهنا يجب أن ندرك أن الحنين إلى الماضي حيلة دفاعية يمارسها العقل للتغلب على لحظات الوحدة وصعوبات الحياة، وللاستفادة منها، ينصح الخبراء بضرورة الاستمتاع بدفء الذكريات القديمة، مع الانتباه لعدم جعلها عائق أمام عيش الحاضر وصناعة ذكريات جديدة للمستقبل.