مقالات

هل يوجد نافذة للأمل الفلسطيني؟

هل يوجد نافذة للأمل الفلسطيني؟

في اللحظات التي تبلغ فيها الأزمات الوطنية ذروة استنزافها لا تعود الوحدة الوطنية ترفا سياسياً ولا شعارا أخلاقيا يقال في المناسبات بل تتحول إلى شرط للبقاء وإلى أداة لإعادة بناء القدرة على الفعل وفي الحالة الفلسطينية تبدو الحاجة إلى الوحدة اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى لأن المشروع الوطني يواجه بيئة سياسية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد فيما تتسع الفجوة بين الواقع الفلسطيني ومتطلبات المرحلة المقبلة وكأن القضية الفلسطينية تقف أمام نافذة ضيقة للأمل لا يمكن إبقاؤها مفتوحة إلا بإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة معنى الشراكة الوطنية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الانقسام الفلسطيني لم يكن مجرد خلاف بين قوى سياسية حول البرامج أو الأولويات بل أصبح مع مرور الوقت بنية سياسية كاملة أنتجت واقعين ومؤسسات متوازية وخطابين متنافسين وأولويات متباعدة وفي الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون ينقسمون حول تفاصيل السلطة والنفوذ كانت إسرائيل تعيد بناء استراتيجيتها على أساس الاستفادة من هذا الانقسام وتوظيفه في إضعاف القدرة الفلسطينية على إنتاج موقف سياسي موحد ولذلك فإن استمرار الانقسام لم يعد مجرد مشكلة داخلية يمكن تأجيل حلها بل تحول إلى أحد أهم عناصر الضعف الاستراتيجي في مواجهة الاحتلال.

الوحدة المطلوبة اليوم لا تعني إلغاء التعدد السياسي ولا تعني أن تتخلى القوى الفلسطينية عن رؤاها الفكرية أو برامجها السياسية فالتعدد جزء طبيعي من أي مجتمع سياسي حي لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة وعندما يصبح التنافس السياسي صراعا على الشرعية الوطنية وعندما تنظر القوى إلى بعضها باعتبارها خصما داخليا قبل أن تنظر إلى الاحتلال باعتباره التحدي المركزي فالوحدة الوطنية الحقيقية لا تعني تطابق المواقف وإنما تعني إدارة الاختلاف داخل إطار وطني جامع يمنع الخلاف السياسي من التحول إلى انقسام استراتيجي.

والأهم أن الفلسطينيين يحتاجون اليوم إلى الانتقال من مفهوم الوحدة باعتبارها اتفاقا ظرفيا بين الفصائل إلى مفهوم أكثر عمقا يقوم على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه بحيث يصبح قادرا على استيعاب جميع مكونات المجتمع السياسي والاجتماعي فالانتخابات الشاملة يمكن أن تكون مدخلاً أساسياً لإعادة إنتاج الشرعية كما أن بناء مؤسسات وطنية موحدة وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والقوى السياسية والمجتمع المدني يمكن أن يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تتراجع فيها منطق المحاصصة لصالح منطق الشراكة.

إن القضية ليست في أن تجتمع الفصائل حول طاولة واحدة ثم تعود بعد أسابيع إلى مربع الخلاف بل في إنتاج قواعد سياسية جديدة تجعل الحوار آلية دائمة لإدارة التناقضات وتمنع الانقسام من التحول إلى قطيعة مؤسسية والمطلوب ليس مجرد بيانات المصالحة وإنما صياغة عقد وطني جديد يحدد قواعد اللعبة السياسية ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية ويمنح المواطن الفلسطيني دورا حقيقيا في تحديد مستقبل النظام السياسي.

وما يزيد الحاجة إلى هذه الوحدة أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيدا من سابقاتها فالمشهد الإقليمي والدولي يتغير بسرعة والقضية الفلسطينية أصبحت جزءا من شبكة واسعة من المصالح والصراعات والتحالفات الدولية وفي مثل هذه البيئة لا تستطيع الساحة الفلسطينية أن تتحمل ترف الانقسام لأن الأطراف الدولية والإقليمية لا تتعامل مع الفراغ السياسي باعتباره مساحة محايدة بل تسعى إلى ملئه وفق مصالحها ولذلك فإن غياب الموقف الفلسطيني الموحد يفتح الباب أمام مشاريع سياسية قد يجري فرضها من الخارج تحت عناوين مختلفة بينما يصبح الفلسطيني نفسه متلقيا للقرارات بدلا من أن يكون شريكا في صناعتها.

الوحدة كذلك ليست فقط مسألة سياسية بل هي ضرورة اجتماعية وإنسانية فقد دفعت الأجيال الفلسطينية ثمنا باهظا للصراع والانقسام والحروب والحصار والتهجير ولم يعد ممكنا مطالبة المجتمع بمزيد من الصبر بينما تبقى النخبة السياسية أسيرة صراعاتها الداخلية فالمواطن يريد مؤسسات تعمل ويريد أمنا اجتماعيا ويريد مستقبلا لأبنائه ويريد أن يشعر بأن السياسة وسيلة لحماية حقوقه لا وسيلة لإعادة إنتاج الأزمات ولهذا فإن أي مشروع للوحدة الوطنية لا ينعكس على حياة الناس سيبقى ناقصا مهما كانت صياغاته السياسية بليغة.

ومن هنا فإن الوحدة الوطنية ينبغي أن ترتبط بمشروع وطني شامل لا يكتفي بإدارة الأزمة وإنما يسعى إلى استعادة المبادرة الفلسطينية وهذا المشروع يحتاج إلى ثلاثة مستويات متوازية أولها توحيد المؤسسات السياسية والإدارية وثانيها بناء استراتيجية وطنية قادرة على إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي والإقليم وثالثها إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره مصدر الشرعية وأساس المشروع الوطني فالشرعية لا تستمد قوتها من البيانات ولا من التاريخ وحده وإنما من قدرة المؤسسات على تمثيل المجتمع وتجديد نفسها بصورة ديمقراطية.

وقد يكون من الضروري الاعتراف بأن الوحدة لن تأتي من تلقاء نفسها وأن هناك مصالح سياسية واقتصادية وأمنية نشأت حول الانقسام وأصبحت تدافع عن استمرار الوضع القائم ولذلك فإن تجاوز الانقسام يحتاج إلى إرادة سياسية تتعامل مع المصالحة باعتبارها عملية تغيير حقيقية وليست تسوية مؤقتة كما يحتاج إلى ضغط شعبي واع يطالب القوى السياسية بالخروج من حسابات النفوذ الضيقة وإعادة تعريف الأولويات الوطنية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الانقسام إلى حالة طبيعية في الوعي الفلسطيني وأن يتعامل جيل كامل معه باعتباره جزءا دائما من المشهد السياسي لأن الشعوب التي تعتاد الانقسام تفقد تدريجيا قدرتها على تخيل الوحدة وكأن الجغرافيا السياسية تصبح أقوى من الذاكرة الوطنية وهذا ما ينبغي منعه قبل أن يتحول الخلاف السياسي إلى انقسام اجتماعي عميق يصعب ترميمه.

الوحدة الوطنية ليست وصفة سحرية ولن تنهي الاحتلال وحدها ولن تحل كل الأزمات الاقتصادية والسياسية لكنها ستعيد للفلسطينيين أهم ما فقدوه خلال سنوات الانقسام وهو القدرة على اتخاذ القرار الجماعي والوحدة لا تعني أن الجميع سيتفقون على كل شيء بل تعني أن الجميع يملكون وطنا واحدا وأن الخلاف مهما بلغ لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لهدم هذا الوطن من الداخل.

وفي النهاية فإن فلسطين تقف أمام لحظة لا تحتمل المزيد من الانتظار فنافذة الأمل ليست واسعة والوقت السياسي ليس مفتوحا إلى ما لا نهاية والفرص التي تضيع اليوم قد لا تعود غدا ولذلك فإن استعادة الوحدة الوطنية ليست مجرد استجابة لضغط الواقع وإنما هي استثمار في المستقبل وهي الطريق الأكثر واقعية لحماية القرار الوطني وإعادة بناء المؤسسات وترميم الثقة بين المجتمع والقوى السياسية وإعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي باعتبارها قضية شعب يملك حق تقرير مصيره لا مجرد ملف تفاوضي تديره القوى الدولية.

لقد علّمت التجربة الفلسطينية أن الاحتلال يستفيد من الانقسام وأن الخارج يستطيع استثمار التناقضات الداخلية لكن التجربة نفسها تقول إن الفلسطينيين عندما يتجاوزون خلافاتهم يصبحون أكثر قدرة على حماية قضيتهم ولذلك فإن الوحدة اليوم ليست خيارا بين خيارات متعددة بقدر ما هي آخر نافذة أمل متاحة لإعادة بناء القوة الفلسطينية ومن يعتقد أن بإمكان الفلسطينيين خوض معركة المستقبل بأدوات الانقسام القديمة ربما لا يدرك أن التحدي لم يعد فقط في مواجهة الاحتلال بل في منع المشروع الوطني نفسه من التحول إلى فكرة مجزأة بين الجغرافيا والسياسة والذاكرة.

وإذا كان هناك درس واحد ينبغي أن تتعلمه النخبة الفلسطينية من السنوات الماضية فهو أن الوطن لا يحتمل أنصاف الحلول وأن الانقسام مهما كانت مبرراته لا يمكن أن يصبح بديلا عن المشروع الوطني فالمستقبل الفلسطيني يحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بالأخطاء وتفتح الباب أمام المصالحة وتضع المواطن في قلب القرار وتعيد تعريف الخصومة السياسية داخل إطار التعدد والشراكة لأن فلسطين في النهاية أكبر من الفصائل وأكبر من الحكومات وأكبر من الحسابات الانتخابية وهي قضية شعب يبحث عن حريته وكرامته ومستقبله ولذلك فإن الوحدة الوطنية ليست نهاية الخلاف الفلسطيني بل هي البداية الضرورية لإدارته بصورة أكثر عقلانية وهي في هذه اللحظة بالذات آخر نافذة يمكن أن يدخل منها الضوء إلى المشهد الفلسطيني.