نيوم أمام «لحظة الحساب»: كيف تعثّر أحد أضخم المشاريع الإنشائية في العالم؟
الرياض: دخل مشروع «نيوم» السعودي مرحلة من إعادة التقييم الواسعة، بعدما تباطأت أو توقفت أعمال في عدد من مشاريعه الرئيسية، وسط تصاعد هائل في تقديرات التكلفة وضغوط مالية دفعت إلى إلغاء عقود وإعادة ترتيب الأولويات.
وبحسب تحقيق مصور نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في 19 أغسطس/آب 2026، أعده الصحفيان إليوت براون وتود جونسون، واستند إلى وثائق مالية داخلية وشهادات موظفين سابقين وصور أقمار صناعية، أنفقت السعودية أكثر من 50 مليار دولار على نيوم، فيما تشير المعطيات التي استند إليها التحقيق إلى الحاجة إلى مليارات إضافية لإنهاء بعض العقود والأعمال الجارية.
مشروع غير مسبوق في حجمه
شكّل مشروع «ذا لاين» قلب الرؤية الأصلية لنيوم؛ مدينة خطية عملاقة بمساحة بنائية تتجاوز سبعة مليارات قدم مربعة، أي أكثر من مجموع مساحة مباني مدينة نيويورك، وفق التحقيق. وكان التصميم يقوم على برجين متوازيين متصلين يمتدان لمسافة هائلة، بارتفاع يفوق مبنى «إمباير ستيت»، مع قدرة مستهدفة لاستيعاب نحو تسعة ملايين نسمة.
ولم تقتصر طموحات المشروع على الحجم. فقد تضمنت التصورات المعمارية ما عُرف بـ«عمارة انعدام الجاذبية»، أي مبانٍ تبدو وكأنها معلقة في الفضاء. وينقل التحقيق عن أحد المصادر التي اطلعت على المخططات قوله إن انطباعه الأول كان أنه «لا توجد أموال كافية في العالم» لتنفيذ مشروع بهذا الحجم.
«لحظة الحساب»
وفق «وول ستريت جورنال»، شهدت الأشهر التسعة الأخيرة ما وصفه معدّو التحقيق بـ«لحظة الحساب»، بعدما توقفت أو تباطأت أعمال البناء في المشاريع الفرعية الرئيسية لنيوم. ويرى موظفون سابقون تحدثوا للصحيفة أن تكلفة استئناف بعض هذه المشاريع قد تجعل العودة إليها بصورتها الأصلية غير مرجحة.
في المقابل، لم ترد إدارة نيوم على طلب الصحيفة للتعليق بشأن الوضع الحالي للمشروع، بينما نفى ياسر الرميان، رئيس صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إلغاء المشاريع، وقال إن ما يجري لا يتجاوز «إعادة ترتيب أولويات».
خسائر بمليارات الدولارات
يصعب تحديد الوضع المالي الدقيق لنيوم بصورة منفصلة، لأن صندوق الاستثمارات العامة ينشر بياناته المالية دون تفصيل مستقل لأرقام المشروع. إلا أن السجلات المشار إليها في التحقيق تظهر خسائر انخفاض قيمة كبيرة في المشاريع الرأسمالية للصندوق، ويشكّل نيوم أكبر بنودها.
وسُجلت خسائر انخفاض قيمة بقيمة 74.7 مليار ريال سعودي، أي نحو 17 مليار دولار، في عام 2024، ثم 46.8 مليار ريال، أي نحو 12 مليار دولار، في عام 2025. ووفق مصادر مطلعة تحدثت للصحيفة، تجاوز إجمالي الإنفاق السعودي على نيوم 50 مليار دولار.
من التحكم بالطقس إلى مدينة في الصحراء
تكشف الوثائق التي استند إليها التحقيق حجم الطموحات التي رافقت المشروع منذ مراحله الأولى. فقد استعانت نيوم بشركات استشارات غربية لصياغة رؤية للمشروع، وانتهت العملية بوثيقة تجاوزت ألفي صفحة، تضمنت أفكاراً من بينها إنشاء قمر اصطناعي ضخم، وإقامة منتزه مستوحى من «جوراسيك بارك»، ومشاريع للتحكم في الطقس.
وتحول عدد من التصورات إلى مشاريع فعلية، أبرزها «ذا لاين»، و«تروجينا» كمنتجع تزلج جبلي، و«أوكساجون» كمدينة ميناء متخصصة في الخدمات اللوجستية والتصنيع، و«سندالة» كمنتجع فاخر على جزيرة يستهدف ملاك اليخوت.
لكن وثيقة داخلية حصلت عليها الصحيفة تظهر أن التحذيرات كانت موجودة منذ البداية، وشملت المخاطر البيئية، وقابلية السكن، والتصميم المعماري، وإمكان التنفيذ الهندسي، إضافة إلى التحذير من أن التكلفة ستكون «فلكية».
ماذا بُني بالفعل؟
رغم التعثر، فإن المشروع لم يبق مجرد مخططات. وتظهر صور الأقمار الصناعية، بحسب التحقيق، الحجم الكبير للأعمال التي أُنجزت قبل التوقف.
ففي «ذا لاين»، حُفر خندق يمتد لأكثر من 70 ميلاً للبنية التحتية والقطارات، كما حُفر حوض ضخم للمارينا إلى عمق 150 قدماً تحت مستوى سطح البحر، وغُرست ركائز خرسانية لمسافة 150 قدماً إضافية داخل الأرض، قبل توقف الأعمال أواخر العام الماضي.
وفي «تروجينا»، تظهر مواقع البحيرة الاصطناعية المخطط لها، إلى جانب هيكل «الغابة المسحورة» والسد الضخم. وينقل التحقيق عن مقاطع فيديو حصل عليها من عمال في الموقع أن العاملين أُبلغوا في مرحلة معينة بوقف البناء والانتقال إلى مواقع أخرى.
أما في «سندالة»، فتوقفت أجزاء من الأعمال بعد إنجاز قسم منها، بينما بقيت مواقع أخرى كان يفترض أن تضم منشآت فندقية، من بينها منتجع «فور سيزونز»، دون أعمال إنشائية تُذكر.
تدقيق داخلي وتضخيم توقعات الإيرادات
يكشف التحقيق أيضاً عن إشكالية تتجاوز ارتفاع التكلفة إلى طريقة إدارة البيانات المالية داخل المشروع. فقد اطلعت الصحيفة، وفق ما أوردته، على مسودة تدقيق داخلي وثقت وجود تلاعب متعمد في بعض البيانات المالية من جانب موظفين، فيما قال موظفون سابقون إن مثل هذه الممارسات كانت شائعة.
ومن الأمثلة التي يوردها التحقيق مشروع «تروجينا»، الذي أظهرت وثيقة رُفعت إلى مجلس الإدارة عام 2023 أن تكلفته ارتفعت إلى 39 مليار دولار. وبدلاً من خفض التكاليف، جرى في بعض الحالات رفع توقعات الإيرادات؛ إذ ارتفع السعر المتوقع لليلة الواحدة في أحد مواقع التخييم الفاخر من 216 دولاراً إلى 704 دولارات، من دون تغير فعلي في الظروف التشغيلية، ما جعل توقعات الربحية تبدو أفضل على الورق.
من 500 مليار إلى 8.8 تريليون دولار
كان نيوم يُقدم في بداياته باعتباره مشروعاً تبلغ قيمته نحو 500 مليار دولار، إلا أن مسودة عرض لمجلس الإدارة اطلعت عليها «وول ستريت جورنال» قدرت رأس المال المطلوب لإنجاز المشروع بكامل تصوره النهائي بحلول عام 2080 بنحو 8.8 تريليون دولار، أي أكثر من 25 ضعف الميزانية السنوية للسعودية في ذلك الوقت.
ونفى متحدث باسم نيوم تفسير الصحيفة لهذه الأرقام، واعتبره «تفسيراً وتمثيلاً خاطئاً للأرقام»، دون تقديم تفاصيل إضافية، بحسب التحقيق.
إلغاء العقود وإعادة ترتيب المشروع
منذ أواخر العام الماضي، بدأت إدارة نيوم، بحسب التحقيق، إلغاء عقود مرتبطة بعدد من المشاريع الجارية، وظهر ذلك بصورة علنية من خلال تصريحات شركات مقاولات خلال مكالماتها مع المستثمرين بشأن انتهاء أعمال لها في نيوم، كما أُلغيت عقود لشركات سعودية كانت تعمل في المشروع.
ويخلص تحقيق «وول ستريت جورنال» إلى أن أزمة نيوم لم تكن مالية أو هندسية فقط، بل ارتبطت أيضاً بآلية اتخاذ القرار داخل المشروع، واصفاً ما حدث بأنه «رقصة من الوهم المشترك»، في إشارة إلى الفجوة بين الرؤية شديدة الطموح وبين القدرة الواقعية على تنفيذها.
وبهذا المعنى، يقدم التحقيق قصة نيوم باعتبارها مواجهة بين طموح غير مسبوق والقيود الصلبة للتمويل والهندسة والتنفيذ؛ مشروع بدأ برؤية لمدينة مستقبلية قد تعيد تعريف شكل الحياة الحضرية، لكنه وصل إلى مرحلة أصبحت فيها إعادة ترتيب الأولويات وتقليص الطموحات أكثر إلحاحاً من مواصلة البناء وفق التصور الأصلي.