على أبواب الذكرى... سميح القاسم: حين يموت الشاعر وتبقى القصيدة
في الذكرى الثانية عشرة لرحيل شاعر المقاومة الفلسطينية
على أبواب الذكرى، حين تتراجع عقارب الزمن خطوة إلى الوراء، وتفتح الذاكرة دفاترها القديمة، يعود إلينا سميح القاسم لا بوصفه غائبًا، بل بوصفه حاضرًا في كل قصيدةٍ تقاوم النسيان، وفي كل كلمةٍ ترفض الانحناء، وفي كل فلسطينيٍّ يتمسّك بأرضه وهويته وحقه في الحياة.
في 19 أغسطس/آب 2014، غاب سميح القاسم عن هذا العالم في مستشفى صفد، بعد مسيرة شعرية ووطنية حافلة، ثم نُقل جثمانه إلى بلدته الرامة حيث شيّعه الآلاف. وفي التاسع عشر من أغسطس 2026، تقف فلسطين على أبواب الذكرى الثانية عشرة لرحيل أحد أبرز أصوات الشعر المقاوم في تاريخها الحديث.
لكن أيّها الراحلون العظام لا يرحلون تمامًا.
فبعض الرجال يغادرون الحياة، وبعضهم يغادرونها بأجسادهم فقط، أما الذين كتبوا أسماءهم في وجدان شعبهم، فإنهم يتحولون إلى ذاكرةٍ لا تشيخ، وإلى صوتٍ لا يخفت، وإلى حضورٍ يتجدد كلما احتاج الوطن إلى من يذكّره بأن الكلمة يمكن أن تكون موقفًا، وأن القصيدة يمكن أن تصبح بندقيةً من نور.
وسميح القاسم كان واحدًا من هؤلاء.
شاعرٌ خرج من رحم الأرض
وُلد سميح القاسم عام 1939 في مدينة الزرقاء بالأردن، وعادت أسرته إلى الرامة في الجليل عام 1941، وهناك تشكلت علاقته المبكرة بالمكان واللغة والهوية. بدأ كتابة الشعر في سن مبكرة، وصدرت مجموعته الأولى «مواكب الشمس» وهو في التاسعة عشرة من عمره، ثم توالت أعماله الشعرية والنثرية والمسرحية حتى تجاوز إنتاجه سبعين كتابًا، وترجمت أعماله إلى أكثر من عشر لغات.
لم يكن القاسم شاعرًا يكتب عن فلسطين من بعيد، بل كان ابن تجربتها اليومية، عاش تفاصيلها، وواجه سلطات الاحتلال بالكلمة والموقف، وتحول شعره إلى مساحة واسعة للدفاع عن الأرض والهوية والكرامة.
وحين حاول الاحتلال أن يجعل من الهوية العربية الفلسطينية قدرًا قابلًا للمحو، كان سميح القاسم يرد بالقصيدة.
وحين أرادوا للأرض أن تصبح مجرد جغرافيا، جعلها في شعره ذاكرةً وكرامةً وانتماء.
وحين أرادوا للإنسان الفلسطيني أن ينحني، كان صوته يقول: أنا هنا.
شاعر المقاومة... الذي جعل من القصيدة موقفًا
لم يكن لقب «شاعر المقاومة» مجرد وصفٍ أدبي أطلق على سميح القاسم، بل كان خلاصة تجربة طويلة تداخل فيها الشعر بالموقف الوطني.
كان من أوائل الشباب العرب الدروز الذين رفضوا الخدمة العسكرية الإلزامية التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على أبناء طائفته، ورفض حمل السلاح، فسُجن بسبب موقفه قبل أن يُكلّف بمهام غير عسكرية. كما اعتُقل بعد عدوان حزيران عام 1967 من داخل مقر صحيفة «الاتحاد»، في سياق نشاطه السياسي والثقافي.
وهنا تتجلى عظمة تجربته؛ فلم تكن المقاومة عنده شعارًا موسميًا، ولم تكن القصيدة منفصلة عن صاحبها.
كان يعيش ما يكتب.
ويكتب ما يؤمن به.
ويؤمن بأن الشاعر الذي لا يقف إلى جانب شعبه في لحظات المحنة، يفقد شيئًا من معنى الشعر نفسه.
لقد انحاز سميح القاسم إلى فلسطين باعتبارها قضية إنسانية قبل أن تكون قضية سياسية، ولذلك حمل شعره الاعتزاز بالهوية العربية، والتمسك بالأرض، والدفاع عن الكرامة، والتسامح الديني والإنساني. وتحوّلت قصائد عدة له إلى أناشيد وأغانٍ ثورية ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية.
سميح القاسم... رفيق محمود درويش وتوأم الأرض
حين يُذكر سميح القاسم، يحضر محمود درويش وتوفيق زياد، ذلك الثالوث الشعري الذي حمل راية المقاومة بالكلمة من داخل فلسطين، وجعل من الشعر أحد أبرز ميادين الدفاع عن الهوية الفلسطينية.
لكن سميح القاسم كان له صوته الخاص.
كان أكثر التصاقًا بالمواجهة المباشرة، وأكثر اندفاعًا في جعل القصيدة فعلًا من أفعال الصمود.
جمعته بمحمود درويش صداقة وتجربة أدبية ووطنية، وشارك الاثنان عام 1968 في وفد إلى مهرجان الشباب العالمي في صوفيا، كما شكلا معًا جزءًا مهمًا من المشهد الشعري الفلسطيني الذي خرج من رحم الداخل الفلسطيني بعد النكبة.
ومع ذلك، لم يكن القاسم نسخة من أحد.
كان سميح القاسم نفسه.
صوتًا له نبرته.
وصورةً لها ملامحها.
وقصيدةً لها طريقها الخاص.
«منتصب القامة»... حين تتحول القصيدة إلى ذاكرة شعب
لم تكن قصائد سميح القاسم حبيسة الكتب.
خرجت من صفحات الدواوين إلى الشوارع، ومن الورق إلى الحناجر، ومن الأمسيات إلى الذاكرة الشعبية.
وما زالت قصيدته «منتصب القامة أمشي» واحدة من أشهر العلامات في تجربته، بعدما تحولت إلى أغنية ذائعة الانتشار بصوت مارسيل خليفة، لتصبح نموذجًا على قدرة الشعر الفلسطيني على تجاوز حدود الصفحة والتحول إلى صوتٍ جماعي للمقاومة والكرامة.
وهنا تكمن قوة سميح القاسم.
فالشاعر الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد دواوينه، بل بعدد القلوب التي حفظت كلماته.
ولا يُقاس عمر القصيدة بتاريخ نشرها، بل بقدرتها على أن تبقى حيّة بعد رحيل صاحبها.
وسميح القاسم ترك وراءه قصائد لم تتقاعد برحيله.
بل بدأت حياةً أخرى.
اثنا عشر عامًا... وما زال الصوت حاضرًا
اثنا عشر عامًا مرّت منذ أن أغمض سميح القاسم عينيه للمرة الأخيرة.
لكن فلسطين لم تفقد صوته.
ففي زمنٍ تتكاثر فيه الحروب، وتشتد فيه محاولات طمس الحقيقة، وتُستهدف فيه الذاكرة قبل الحجر والبشر، تبدو كلمات سميح القاسم أكثر حاجةً من أي وقت مضى.
نحن اليوم بحاجة إلى شعره لا باعتباره تراثًا أدبيًا فحسب، بل باعتباره ذاكرةً للمكان، وشهادةً على زمنٍ طويل من الصراع على الأرض والهوية.
نحتاج أن نقرأه كي نتذكر أن فلسطين ليست خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار.
وليست رقمًا في إحصائية.
وليست صورةً مؤقتةً على شاشة.
فلسطين في شعر سميح القاسم إنسانٌ وأرضٌ وذاكرةٌ وكرامة.
حين يموت الشاعر... ولا تموت القصيدة
ربما رحل سميح القاسم عن عالمنا في 19 أغسطس 2014، لكن القصيدة التي كتبها لم ترحل.
فالقصيدة التي تولد من وجع الناس لا تموت.
والكلمة التي تُكتب دفاعًا عن الأرض لا تُدفن مع صاحبها.
والشاعر الذي يجعل من حياته جزءًا من قضية شعبه، يتحول بعد رحيله إلى جزء من ذاكرة ذلك الشعب.
لهذا فإن ذكرى سميح القاسم ليست مناسبة للحزن وحده.
إنها مناسبة لاستعادة المعنى.
معنى أن تكون فلسطينيًا متمسكًا بجذورك.
معنى أن تقول «لا» حين يصبح الصمت خيانةً للذات.
معنى أن تؤمن بأن الكلمة قادرة على أن تقاوم.
ومعنى أن تعرف أن الشاعر قد يموت، لكن صوته يستطيع أن يعبر الأجيال.
إلى سميح القاسم... من فلسطين التي أحببتها
في ذكرى رحيلك الثانية عشرة، يا سميح، لا نقول إننا نفتقدك فقط.
نقول إننا نقرأك.
نستعيد قصائدك.
نسمع صوتك بين حجارة الوطن.
ونفتش عن ملامحك في وجه كل فلسطيني يقف منتصبًا رغم العاصفة.
لقد رحلت أنت، لكن فلسطين التي كتبت لها لم ترحل.
والأرض التي أحببتها ما زالت تحفظ خطى أبنائها.
والقصيدة التي حملت اسمها ما زالت تعرف طريقها إلى الحناجر.
سلامٌ عليك في ذكراك.
سلامٌ على شاعرٍ لم يجعل من الشعر زينةً للكلمات، بل جعله موقفًا وكرامةً وانتماء.
سلامٌ على سميح القاسم، الذي أفنى عمره في خدمة القصيدة، فخلّدت القصيدة عمره.
رحم الله شاعر المقاومة الفلسطينية، وجعل كلماته باقيةً في وجدان الأجيال.
سميح القاسم... لم يمت، لأن القصيدة التي تسكن في قلب فلسطين لا تعرف الموت.