حين كان البيتُ وطنًا... ثم صار الركامُ مقبرةً للعائلة
الشهيد الحاج محمد حسن محمود سعيد خلة "أبو يوسف"... سيرةُ رجلٍ بنى الحياة، فهدمته الحربُ وهو يحتضنها
ليست كلُّ الشهادات تُروى بالأرقام، فهناك رجالٌ إذا رحلوا، انطفأت معهم قريةٌ كاملة من الحنان، وسقطت شجرةٌ كانت تظلّل أبناءها والعابرين إليها.
كان الشهيد الحاج محمد حسن محمود سعيد خلة "أبو يوسف"، المولود في الثالث من أيلول عام 1957، من أبناء يافا الأصيلة الذين حملوا الوطن في الذاكرة، وحملوا الكرامة في السلوك، ولم يسمحوا للتهجير أن ينتزع منهم جذورهم.
لم يكن رجلًا عاديًا؛ كان أبًا حين يحتاج الأبناء إلى الأبوة، وأخًا حين تضيق الحياة، وجارًا لا يُردُّ سائلٌ من بابه، وجدًا يرى في ضحكات أحفاده أعظم ما ادخرته له الدنيا.
عرفه الناس كريمًا، بشوشًا، قريبًا من القلوب، يألفهم ويألفونه، وكانت سيرته تسبقه إلى المجالس. وفي شبابه، خدم ضابطًا في السلطة الوطنية الفلسطينية، فعُرف بالشجاعة والانضباط والإخلاص، قبل أن يتقاعد ليواصل رسالته في بناء أسرته، مؤمنًا أن أعظم الإنجازات ليست المناصب، بل البيوت التي يسكنها الحب.
امتلك قطعة أرض، لكنها لم تكن عنده مجرد ملكية، بل مشروع عمر. بدأ يبني بيتًا فوق بيت، وطابقًا فوق طابق، حتى أصبحت عمارةً كبيرة جمعت أبناءه جميعًا تحت سقفٍ واحد، وكأنه كان يريد أن يهزم الزمن، فلا يترك الفراق منفذًا إلى عائلته.
وحول العمارة، غرس أشجار التين والزيتون والرمان والجوافة، ولم تكن ثمارها تعرف أصحابها؛ فقد كانت تصل إلى الجار، والقريب، والمحتاج، كما تصل إلى أبنائه. كان يؤمن أن البركة لا تسكن ما يُحتكر، بل ما يُعطى.
وكانت كلمة "يا با" تكفي لتفتح أبواب الحلول، فما طلبه أحد أبنائه إلا وسارع إليه، وما ضاقت بهم الدنيا إلا اتسعت بوجوده.
وكانت زوجته، رفيقة دربه، الوجه الآخر لهذه الجنة الصغيرة؛ كثيرة الدعاء، واسعة القلب، تغمر أبناءها وزوجاتهم وأحفادها بحنانٍ لا ينضب، حتى بدا البيت وكأنه قطعةٌ من الطمأنينة وسط عالمٍ مضطرب.
ثم جاءت الحرب...
حربٌ لم تكتفِ بقصف الحجر، بل قررت أن تغتال معنى الأسرة.
خرجت العائلة من بيتها مكرهة، تحمل مفاتيح الذكريات أكثر مما تحمل متاعها، متنقلةً من نزوحٍ إلى نزوح، حتى جاء اليوم الذي تفرقت فيه لأول مرة.
كان الجد والجدة وابنان في "قصر الماسة"، بينما بقي ابنان آخران في عمارة المحمود، ولم تكن المسافة بينهما سوى أربعمائة متر، لكنها كانت في زمن الحرب أبعد من قارات الأرض.
كانت الاتصالات لا تنقطع، والقلوب معلقة بالدعاء.
وفي تلك الأيام القاسية، أطلق الابن الشهيد حمزة مبادرةً لسقاية الناس من بئر ماء، يبذل جهده ليخفف شيئًا من قسوة العطش عن المحاصرين.
وفي أحد أيام المجاعة، أهدى أحد الجيران إليه كيلوغرامًا من اللحم.
كانت هديةً صغيرةً في نظر الناس، لكنها عند المحاصرين كانت حلمًا كبيرًا.
فرح بها حمزة فرحًا لا يوصف، لكنه رفض أن يأكلها وحده، وأصر أن يجتمع الجميع كما كانوا دائمًا.
وفي الخامس من رمضان، الموافق الخامس عشر من آذار 2024، التأمت العائلة مرة أخرى حول مائدة واحدة.
كانت جلسةً مختلفة...
كأن القلوب كانت تشعر أن هذا اللقاء هو الوداع الأخير.
وقبيل الإفطار عاد حمزة إلى بيته.
ولم تمضِ ساعات، وبينما كانت الأسرة تؤدي صلاة التراويح، دوّى الهاتف بعشرات الاتصالات:
"ألحقوا... قصفٌ بجوار أهلكم!"
ركض الجميع.
كان الركض يومها أشبه بمحاولة اقتلاع الأرض بالأيدي.
وكان القلب يسبق الأقدام.
وفجأة ارتفع صوتٌ ينادي:
"يمّا..."
حينها فقط عرفوا أن الصاروخ أصاب البيت.
صار الركام هو السقف.
وصارت الحجارة جدارًا بين الأحياء وأحبائهم.
راح الجميع ينادون أسماءهم، ويرفعون أكفهم إلى السماء:
"يا رب... لا تجعلهم تحت الأنقاض أحياءً يتألمون... وإن كتبت لهم الشهادة، فارزقنا الصبر."
لكن الحقيقة كانت أقسى من الدعاء.
استشهد الحاج أبو يوسف.
واستشهدت زوجته.
واستشهد ابنهما حمزة مع أسرته.
واستشهد أبناء ابنهما أحمد.
أما أحمد، فكان خارج المنزل يزور أحد الجرحى، ولما عاد بسيارة إسعاف، كان يسأل السائق في لهفة:
"أين مكان القصف؟"
وحين وصل، وجد أن الصاروخ لم يهدم البيت فقط، بل هدم عمره كله.
أما ابنتهما، التي كانت عالقة في جنوب القطاع، فلم تستطع أن تحتضن والديها للمرة الأخيرة، ولم تتمكن حتى من وداعهما قبل دفنهما، فكان ذلك واحدًا من أكثر أوجاع الحرب قسوة.
وفي صباح اليوم التالي، وقف الأبناء أمام الركام يبكون، وكأنهم ينتظرون أن يجيبهم الحجر.
قال أحدهم بحرقة:
"يا با... ليش إحنا واقفين بنعيط؟ يلا نطلعهم... بأي طريقة."
لكن الرد كان مؤلمًا:
"تعال... شمّ رائحة المسك... هذه رائحة الشهداء... والله لو كان بأيدينا شيء لفعلناه."
غير أن اليأس لم يعرف طريقه إلى قلوبهم.
قرر الإخوة الثلاثة، ومعهم نفرٌ من الأقارب والأصدقاء، أن يخوضوا معركةً جديدة.
لم تكن معركة ضد جيش.
بل ضد الركام.
ضد الإسمنت المسلح.
ضد الزمن.
وضد العجز.
بدأوا يحفرون بمطارق ومناشير يدوية، بلا كهرباء، ولا معدات إنقاذ، ولا آليات.
كان الأمر أشبه بمن يحاول نحت جبلٍ بإبرة.
ثم جاء حصار مجمع الشفاء، فتوقفت المحاولة قسرًا.
لكن ما إن انتهى الحصار حتى عادوا إلى المكان، وكأنهم يلبون نداءً يسمعه القلب وحده.
ثمانية وعشرون يومًا كاملة...
ثمانية وعشرون يومًا بين الإسمنت والحديد والغبار.
كانوا يحفرون ممرات سقوفها الردم، وأرضها الردم، وجدرانها الردم.
يتتبعون رائحة الأجساد.
ويفرحون إذا ظهرت يدٌ بين الحجارة.
يربطونها بحبل، ويسحبونها برفق، خوفًا من أن يؤذوا أصحابها بعد الموت.
أحيانًا يخرج الجسد كاملًا، فيوقنون أن صاحبه ارتقى.
وأحيانًا لا يجدون سوى يد، أو قدم، أو قطعة ثوب، فيحاولون التعرف إليها من حجمها أو لون لباسها.
كان الألم يفوق الوصف.
لكن كل قبرٍ كانوا يحفرونه، كان انتصارًا صغيرًا على الحرب.
وكل شهيدٍ يخرجونه من تحت الركام، كان استعادةً لحقه في الكرامة.
وهكذا تمكنوا، بعون الله، من انتشال أفراد عائلتهم التسعة، ومعهم عدد من جيرانهم الذين شاركوهم المصير نفسه.
لقد أرادت الحرب أن تتركهم أرقامًا مجهولة تحت الإسمنت.
لكن أبناءهم رفضوا.
أرادت أن تدفن الذاكرة.
فحفروا بأيديهم لتبقى الذاكرة حيّة.
هذه ليست حكاية عائلةٍ فلسطينية فقط.
إنها شهادةٌ على أن الإنسان الفلسطيني، حتى وهو يدفن أحبته بيديه، لا يتخلى عن إنسانيته، ولا يساوم على الوفاء، ولا يسمح للحرب أن تنتصر على الحب.
رحم الله الشهيد الحاج محمد حسن محمود سعيد خلة "أبو يوسف"، وزوجته، وأبناءه، وأحفاده، وجميع شهداء العائلة.
سيبقى البيت الذي بنوه حاضرًا في الوجدان، وإن صار ركامًا.
وستبقى الأشجار التي غرسها شاهدةً أن أصحابها كانوا يزرعون الحياة، بينما كانت الحرب تزرع الموت.
وستبقى سيرتهم، ما بقي في فلسطين قلبٌ يحفظ الوفاء، ولسانٌ يروي حكايات الرجال الذين بنوا البيوت بالمحبة، وغادروها شهداء تحت حجارتها.