مقالات

على شفا الانهيار: البعد الجيوسياسي لانتفاضة الشارع الإيراني وتآكل منظومة الردع

على شفا الانهيار: البعد الجيوسياسي لانتفاضة الشارع الإيراني وتآكل منظومة الردع

مقدمة استراتيجية في مأزق الشرعية والاحتواء

تتجلى في المشهد الإيراني الراهن ملامح أزمة هيكلية عميقة تُنذر بتحولات جذرية في معادلات الحكم واستقرار السلطة. فمع تصاعد حدة التصدعات الداخلية، بات الشارع الإيراني يقف على حافة منعطف تاريخي حاسم، في ظل تقاطعات معقدة تجمع بين الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، وتكثيف سياسات القمع والإعدام العلني، وتبعات الصراعات الإقليمية المستمرة. هذا المخاض العسير يعكسه تقرير ميداني بارز نشرته صحيفة نيويورك بوست، مسلطاً الضوء على تحولات جوهرية في بنية الحراك الاحتجاجي واستراتيجيات المواجهة الشعبية ضد النظام الإيراني.

التحول التكتيكي نحو الردع الميداني المسلح

أبرزت المعطيات الميدانية التي نقلتها شبكات سرية وناشطون من العاصمة طهران تطوراً نوعياً في بنية التخطيط للانتفاضة المرتقبة. فبعد الصدمة البالغة التي خلفتها أحداث يناير الماضي وما رافقها من عمليات قمع دموية وُصفت بالمجازر، لا سيما مع تقديرات بسقوط أعداد هائلة من الضحايا أشار إليها الرئيس دونالد ترامب، تعكف قوى المقاومة الشعبية على مراجعة تكتيكات المواجهة لتلافي الثغرات السابقة. وتشير التقارير إلى إنشاء شبكات سرية لتهريب وتخزين الأسلحة وأدوات الردع الدفاعية في مختلف المدن، في تحول استراتيجي يعكس انتقال المتظاهرين من مرحلة الاحتجاج السلمي المكشوف إلى الاستعداد لـ التسلح الشعبي، لتغيير موازين القوى الميدانية في وجه بطش السلطة.

استنزاف المؤسسة الأمنية ولجوء السلطة لخيارات اليأس

في محاولة مستميتة لاحتواء الغضب المتصاعد، لجأت الأجهزة الأمنية وحرس النظام إلى استراتيجيات قمعية تعكس حالة من العجز والرعب البنيوي. ووفقاً للشهادات الميدانية، استعان النظام بـ مرتزقة أجانب استُقدموا من العراق وأفغانستان وباكستان لتشديد القبضة الأمنية وتفتيش الهواتف والسيارات، فضلاً عن خطوة بالغة الخطورة تتمثل في تسيير دوريات أسرية وأمنية عبر تسليح فتيان لا تتجاوز أعمارهم الثالثة والرابعة عشرة. هذه الممارسات لا تعزز من قدرة النظام فحسب، بل تُظهر التآكل المتسارع في الوعاء البشري الموثوق للمؤسسة الحاكمة وتعمق الشرخ الأخلاقي والاجتماعي بين السلطة والمجتمع.  

الشرارة الاقتصادية وتوسع الجغرافيات الثورية

لم يعد الغضب محصوراً في الأوساط السياسية، بل تفجر في عمق الأزمات المعيشية الطاحنة ونقص الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء في المحافظات الجنوبية، مترافقاً مع تضخم مالي جامح جعل أبناء الطبقة المتوسطة عاجزين عن توفير أبسط مقومات العيش رغم وفرة السلع بأسعار فلكية. وقد تجسد هذا الاحتقان الميداني في خروج أكثر من ألفي متظاهر في أصفهان تنديداً بالإعدام العلني للثائرين أبوالفضل سباهي وأمير حسين صفري. إن هذا التلاحم بين الوجع الاقتصادي والقمع المنهجي يجعل من أي حادثة عابرة الشرارة الفاصلة لاندلاع ثورة شاملة يصعب على المنظومة الأمنية احتوائها.

ختام استراتيجي: خيارات الوجود والمواجهة الفاصلة

تؤكد التقارير الميدانية والمؤشرات الاقتصادية أن بقاء النظام بات مرتبطاً حصرياً بسطوة الآلية الأمنية المطلقة وسط انسداد آفاق الإصلاح وتآكل الشرعية السياسية. وإذا كانت قوى الانتفاضة تدرك حجم المخاطر والتكلفة البشرية الباهظة، فإن شعورها بأن الخيار محصور بين الرحيل الحتمي للنظام أو الفناء المباشر يضفي على الحراك طابعاً وجودياً لا رجعة فيه، مما يضع استقرار المنطقة برمتها أمام حسابات جديدة ومفصلية.