تيسير البرديني "أبو سالم"... حين تصمت الملامح وتتحدث سيرة الرجال
شهادة رفيق الدرب والعمر
حين أكتب عن تيسير البرديني "أبو سالم"، فإنني لا أكتب عن قائدٍ تنظيمي، أو أسيرٍ محرر، أو اسمٍ عرفته ميادين العمل الوطني فحسب، بل أكتب عن أخٍ عرفتُه قبل أن تعرفه المواقع، وصديقٍ جمعتنا به سنوات الانتماء الأول، ورفيقِ دربٍ ما زالت محطاته محفورةً في الذاكرة.
عرفتُ "أبا سالم" يوم كانت المطاردة عنوانًا لحياته، وكان مخيم جباليا يحتضن خطواته وخطوات رفيق دربه المناضل حسن العمري، يوم كانت البنادق تُطارَد، وكانت الأحلام تكبر رغم ضيق المكان واتساع الخطر. عرفته يوم كان الوطن أكبر من الخوف، وكانت "فتح" بالنسبة لنا مشروع حياةٍ وتضحيةٍ لا مجرد انتماءٍ تنظيمي.
ولئن لم تجمعنا زنزانةٌ واحدة في سجون الاحتلال، فقد جمعتنا قسوة التجربة ذاتها، وتفرقت بنا السجون ولم تتفرق بنا الأخوَّة. كان كلٌّ منا يحمل وجعه خلف القضبان، لكننا كنا نلتقي خارج حدود المكان عند المعنى ذاته؛ معنى الصبر والثبات والإيمان بأن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع انتزاعًا.
إن العلاقة التي تربطني بأبي سالم لم تصنعها السنوات وحدها، بل صنعتها المحن، ولذلك فإن شهادتي فيه ليست شهادة مراقبٍ من بعيد، وإنما شهادة أخٍ يعرف معدن الرجال حين يُختبرون.
قراءة في لغة الجسد والصمت
حين وقعت عيناي على هذه الصورة، لم أرَ مجرد ملامح رجلٍ غارقٍ في التفكير، بل رأيتُ عمرًا كاملًا يمرُّ أمامي. رأيتُ المطاردة، والأسر، والنضال، والانتظار الطويل، ورأيتُ ذلك الهدوء الذي لا يصنعه إلا الرجال الذين أثقلتهم التجارب فازدادوا حكمةً واتزانًا.
قبضة اليد تحت الذقن ليست مجرد حركةٍ عابرة، بل هي لغةُ رجلٍ اعتاد أن يحمل هموم وطنه وقضيته وحركته في قلبه وعقله معًا. إنها وقفة تأملٍ لرجلٍ ينظر إلى ما مضى بعين الوفاء، وإلى ما هو آتٍ بعين المسؤولية.
إنها صورةٌ تقول الكثير دون أن تنطق بكلمة.
تاريخٌ صاغته التضحيات لا المواقع
"أبو سالم" ليس ابن موقعٍ تنظيمي، بل ابن تجربةٍ نضاليةٍ طويلةٍ عمَّدتها التضحيات. أسيرٌ محرر خرج من عتمة السجون أكثر إيمانًا بقضيته، ومناضلٌ لم تُغيِّره المواقع، ولم تبدل السنوات من تواضعه وانحيازه لفكرته وانتمائه.
وحين ترشح للمجلس الثوري، منحه أبناء الحركة ثقتهم، ولم يكن ذلك إلا امتدادًا طبيعيًا لمسيرةٍ طويلةٍ من العطاء. وحين ترشح لعضوية اللجنة المركزية، فإنما كان يحمل معه رصيدًا من النضال والوفاء يشهد له به رفاق الطريق قبل الآخرين.
لقد تعلمنا من مدرسة "فتح" أن المواقع لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم الذين يمنحون المواقع قيمتها وهيبتها. ولذلك فإن قيمة "أبي سالم" لم تكن يومًا فيما شغله من مواقع، بل فيما حمله من مبادئٍ وثباتٍ ووفاء.
رسالة من رفيق القيد إلى رفيق العمر
يا أبا سالم...
لقد علَّمتنا السجون أن الرجال لا يُعرفون في ساعات الرخاء، بل في مواسم المحن. وهناك، حيث لا يبقى للإنسان إلا مبادؤه، تتجلى حقيقة الرجال بعيدًا عن ضجيج الشعارات وبريق المواقع.
قد تتأخر بعض المواعيد، وقد تتبدل الحسابات، لكن التاريخ لا ينسى الذين دفعوا من أعمارهم ثمنًا لانتمائهم. والأرض تعرف جيدًا خطى الذين ساروا فوق ترابها مطاردين وأسرى ومناضلين، والرفاق يعرفون من بقي ثابتًا حين كان الثبات مكلفًا.
إن القادم لا يصنعه الضجيج، بل تصنعه الإرادة الصامتة، ولا تبنيه كثرة الكلمات، بل تبنيه المواقف التي لا تتغير بتغير الظروف.
نحو غدٍ أكثر وفاءً
ابتسم يا أبا سالم...
فربما كانت هذه اللحظة التي تبدو فيها غارقًا في التفكير، هي ذاتها اللحظة التي تُولد فيها رؤيةٌ جديدة، وخطوةٌ واثقة، وأملٌ يليق بمن قضوا أعمارهم يحملون الأمانة بشرف.
لقد علَّمتنا أن الرجال لا يكبرون بمناصبهم، بل تكبر المناصب حين تمرُّ من بين أيديهم، وأن الوفاء للفكرة والوطن لا تحدُّه محطة، ولا ينتهي بانتهاء تكليفٍ أو موقع.
وستبقى، كما عرفناك، رفيقَ الدرب والعمر، ورفيقَ التجربة والنضال، وحارسًا أمينًا لذاكرة الأسرى والمناضلين، ورجلًا إذا صمتت ملامحه تحدَّثت سيرته.
فالرجال الكبار لا تنتهي أدوارهم بانتهاء محطة، بل تبدأ محطاتهم الحقيقية حين يظن البعض أنها انتهت.
دمتَ كما عرفناك يا أبا سالم... وفيًّا للعهد، صلبًا في الموقف، جميلًا في التواضع، كبيرًا بحجم الوطن الذي أحببت.