مقالات

نتنياهو بين تباين ترامب وحسابات البقاء: هل تنتقل المعركة إلى الضفة؟

نتنياهو بين تباين ترامب وحسابات البقاء: هل تنتقل المعركة إلى الضفة؟

التصريحات التي نقلتها القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي تكشف جانباً مهماً من التباين بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مستقبل الحرب في غزة. فالمسألة، كما تبدو من هذه التصريحات، لم تكن منذ البداية رفضاً إسرائيلياً مطلقاً لخارطة الطريق ذات "النقاط الـ15" التي طرحها "مجلس السلام" بتوجه أميركي، ويتحرك نيكولاي ملادينوف في إطارها باعتباره أحد المسؤولين عن إدارة هذا المسار.

بل إن نتنياهو ورون ديرمر وافقا في مرحلة أولى على جزء من خريطة طريق تنفيذ المرحلة الثانية، بما في ذلك إقامة نموذج تجريبي في رفح لمنطقة لا تسيطر عليها حماس ولا توجد فيها بنية عسكرية تابعة لها، وفق التصور الإسرائيلي، بما يحوّل المرحلة الانتقالية إلى ترتيبات أمنية وجغرافية منفصلة، ويثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع مسار تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803. كما أن الإبقاء على هذه الترتيبات قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من شأنه أن يعطل الانتقال إلى التعافي وإعادة الإعمار، ويحوّل ما يفترض أن يكون مرحلة انتقالية لإنهاء الحرب إلى واقع ميداني جديد تفرضه إسرائيل.

لكن إسرائيل تراجعت لاحقاً عن موافقتها الأولية، وانتقلت إلى رفض أي مسار تدريجي، ما أدى عملياً إلى عرقلة الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق، ولا سيما الانسحاب الإسرائيلي وبدء مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن الخلاف الحالي ليس بالضرورة خلافاً على أصل الخطة، بقدر ما هو خلاف على كيفية تنفيذها وترتيب مراحلها. فالموقف الإسرائيلي انتقل من قبول ترتيبات انتقالية محددة إلى رفض أي مسار تدريجي لنزع السلاح، والإصرار على نزع سلاح حماس بالكامل قبل الانتقال إلى أي خطوة أخرى. وهذا يعني عملياً إعادة صياغة شروط المرحلة التالية من الاتفاق، وليس مجرد إبداء تحفظات على بعض تفاصيلها.

واللافت هنا ليس فقط تراجع نتنياهو عن موافقته الأولية، وإنما أيضاً الطريقة التي يدير بها "مجلس السلام" هذا المسار، وخصوصاً نيكولاي ملادينوف. فالمجلس الذي يفترض أن يقود عملية الانتقال من وقف إطلاق النار إلى المرحلة التالية، يبدو في ممارسته أقرب إلى أداة لتنفيذ الرؤية الأميركية منه إلى وسيط مستقل بين الأطراف. وملادينوف، الذي يتولى إدارة هذا المسار، يقدم الخطة بلغة تبدو أحياناً حاسمة ونهائية، لكنه يترك في الوقت نفسه مساحة واسعة لإعادة تفسير مراحلها وشروط تنفيذها، وخصوصاً العلاقة بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي.

وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت الخطة تستند إلى وقف إطلاق النار وإلى قرار مجلس الأمن 2803، وإذا كان هدفها المعلن الانتقال إلى إدارة مدنية وإعادة إعمار غزة وإنهاء الحرب، فلماذا يُترك تنفيذ عناصرها الأساسية رهينة للموافقة الإسرائيلية المتغيرة؟ وكيف يمكن أن تكون هناك عملية سياسية جدية إذا كان الطرف الذي يسيطر عسكرياً على الأرض يستطيع الانتقال من موافقة أولية إلى رفض كامل من دون أن يواجه ثمناً سياسياً واضحاً؟

والأكثر إثارة للقلق أن الصيغة التي يقدم بها ملادينوف مسار التنفيذ تجعل نزع السلاح يبدو في بعض الأحيان شرطاً سابقاً على الانسحاب الإسرائيلي، بينما تكشف الوقائع أن العقدة العملية أصبحت أيضاً في الموقف الإسرائيلي من الانسحاب والانتقال إلى إعادة الإعمار. وهذا يخلق انطباعاً بأن "مجلس السلام" يركز على إدارة الخلاف أكثر من معالجة أصل المشكلة.

وبذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما يريده نتنياهو، وإنما أيضاً بقدرة "مجلس السلام" وملادينوف على فرض منطق الخطة التي يقدمانها. فإذا كان المجلس عاجزاً عن تحويل التفاهمات إلى التزامات متبادلة، فقد يتحول دوره من آلية لإنهاء الحرب إلى آلية لإدارة وقف هش لإطلاق النار، بينما تستمر إسرائيل في الاحتفاظ بأوراق القوة الأساسية على الأرض.

وهذا تحديداً ما يجعل دور ملادينوف بحاجة إلى تدقيق أكبر: ليس لأنه طرف إسرائيلي، بل لأن موقعه داخل المنظومة الأميركية يمنحه مسؤولية سياسية عن تفسير الخطة ودفعها إلى التنفيذ. وعندما تصبح تصريحاته شديدة المرونة في مواجهة الرفض الإسرائيلي، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود استقلالية "مجلس السلام" وقدرته الفعلية على إلزام إسرائيل بما ورد في المسار الذي ترعاه الإدارة الأميركية.

لكن من المهم هنا عدم المبالغة في توصيف العلاقة بين ترامب ونتنياهو باعتبارها مواجهة أو ضغطاً أميركياً حاسماً. فما ظهر حتى الآن أقرب إلى تباين في الرؤية ومحاولة أميركية لدفع إسرائيل نحو الالتزام بالمسار السياسي، من دون أن يتضح أن إدارة ترامب استخدمت حتى الآن أدوات ضغط حقيقية لإجبار نتنياهو على التنفيذ. وهذا تحديداً ما يجعل الموقف الإسرائيلي مهماً: فإذا كان نتنياهو قادراً على التراجع عن موافقة أولية، ورفع سقف مطالبه، ورفض الترتيبات الانتقالية، من دون أن يواجه ثمناً سياسياً واضحاً من واشنطن، فإن الحديث عن تحول أميركي حاسم يبقى سابقاً لأوانه.

واللافت أن الموقف بشأن إيران يسير في اتجاه مختلف نسبياً. فالمسؤول الإسرائيلي يرى أن استمرار الحصار والضغط الاقتصادي على إيران، من دون العودة إلى حرب واسعة، هو "الوضع الأفضل" لإسرائيل في المرحلة الحالية، بل يعتقد أن الأزمة الاقتصادية قد تؤدي إلى زعزعة النظام الإيراني. وهذا يتقاطع مع قراءة عموس هرئيل لسياسة ترامب، الذي يبدو أقل حماساً لاستئناف حرب واسعة مع إيران وأكثر ميلاً إلى استخدام الضغط الاقتصادي والتفاوض كأدوات لتحقيق أهدافه.

لكن المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو ليست خارجية فقط. فتراجع هامش المناورة في غزة ولبنان وإيران يعني تراجع قدرته على استخدام الإنجاز العسكري باعتباره رصيداً سياسياً في الانتخابات. وإذا كانت واشنطن تدفع باتجاه إغلاق الجبهات أو الحد من التصعيد، فإن السؤال يصبح: أين يستطيع نتنياهو وحكومته تعويض هذا الهامش؟

هنا تبرز الضفة الغربية باعتبارها الساحة الأكثر خطورة. فالتصعيد الاستيطاني، وتوسع البؤر، وعنف المستوطنين، وتراجع قدرة الجيش والشرطة، تحت ضغط وزراء في الحكومة، على فرض القانون بصورة متساوية، كلها عوامل قد تجعل الضفة والقدس أكثر قابلية للانفجار مع اقتراب الانتخابات.

ولا يعني ذلك أن كل تصعيد يجري وفق قرار مباشر من نتنياهو، لكنه يحدث داخل بيئة سياسية تشجع قوى في الائتلاف على توسيع المواجهة مع الفلسطينيين، في وقت يخوض فيه الليكود صراعاً داخلياً على مستقبل الحزب والقيادة.

أما تحصين موقع يسرائيل كاتس داخل قائمة الليكود، فيكشف بدوره عن تداخل الأمن مع الحسابات الحزبية. فنتنياهو لا يدير فقط علاقته مع واشنطن، وإنما يخوض أيضاً معركة داخل الليكود على مستقبله السياسي وعلى شكل القيادة المقبلة.

المشهد، في النهاية، ليس مواجهة بين ترامب ونتنياهو، ولا هو ضغط أميركي حاسم في مواجهة رفض إسرائيلي مطلق. إنه تباين بين مسار أميركي يريد الانتقال من الحرب إلى ترتيبات سياسية وإقليمية، وحكومة إسرائيلية تحاول تأخير هذا الانتقال أو إعادة صياغته بما يحفظ لها أكبر قدر ممكن من حرية العمل العسكري.

وفي هذه المعادلة، لا تكمن المشكلة فقط في نتنياهو، بل أيضاً في قدرة الإدارة الأميركية و"مجلس السلام" على تحويل التفاهمات والقرارات إلى التزامات فعلية. فإذا بقيت واشنطن عند حدود التباين السياسي، وبقي مجلس السلام يكتفي بإدارة الخلافات من دون امتلاك أدوات إلزام حقيقية، فإن إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بالقدرة على تعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية.

وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن لا تنتهي الحرب فعلياً، وإنما يجري نقل مركز الثقل من غزة إلى الضفة، ومن المواجهة العسكرية المفتوحة إلى صراع سياسي وميداني على الأرض، بينما يبقى الفلسطينيون هم الطرف الذي يدفع ثمن عجز المسار الدولي عن فرض ما تم الاتفاق عليه.