تركيا وإسرائيل على مسار الصدام.. سوريا تتحول إلى ساحة اختبار خطيرة بين أنقرة وتل أبيب
التصعيد مسألة وقت..
أنقرة: تتجه العلاقة بين تركيا وإسرائيل نحو مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال الخلاف بين البلدين من التوتر السياسي والدبلوماسي إلى تناقض استراتيجي مباشر في سوريا، حيث تسعى أنقرة إلى دعم سلطة سورية قوية وقادرة على تثبيت سيطرتها، في مقابل رؤية إسرائيلية تفضّل بقاء دمشق ضعيفة ومحدودة القدرات.
وفي غياب آلية واضحة لمنع الاحتكاك العسكري بين الجانبين، قد تتحول الساحة السورية إلى نقطة صدام فعلي، حتى وإن لم يتطور ذلك بالضرورة إلى حرب شاملة.
هذا التقدير طرحه الباحث الإسرائيلي داني سيترينوفيتش، الباحث الأول في المعهد الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية والزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، خلال مقابلة مع أمبرين زمان، كبيرة مراسلي مؤسسة "المونيتور"، في بودكاست "On the Middle East"، عقب ضربة إسرائيلية استهدفت مطاراً عسكرياً سورياً قرب الحدود التركية، قالت إسرائيل إنها جاءت لمنع انتشار عسكري تركي محتمل فيه.
من «مافي مرمرة» إلى 7 أكتوبر
يرى سيترينوفيتش أن العلاقات التركية–الإسرائيلية، رغم تدهورها التدريجي منذ حادثة سفينة «مافي مرمرة»، ظلت تحتفظ بقنوات دبلوماسية واقتصادية مهمة، حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان التقيا على هامش اجتماعات الأمم المتحدة قبل أيام من هجوم 7 أكتوبر 2023.
لكن الحرب التي أعقبت الهجوم أحدثت، وفق تقييمه، تحولاً نوعياً في العلاقة. ولم يكن السبب مقتصراً على موقف تركيا من حركة حماس، وإنما ارتبط أيضاً بتغير أعمق طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها.
ويصف سيترينوفيتش هذه العقيدة بأنها باتت تقوم بصورة متزايدة على مفهوم «الاستباق»: أي عدم انتظار الخصم حتى يمتلك قدرات متقدمة يمكن استخدامها ضد إسرائيل، بل التحرك لضرب هذه القدرات قبل اكتمالها.
غير أن المشكلة، بحسب الباحث الإسرائيلي، تكمن في أن هذا المنطق أخذ يتجاوز التهديدات العسكرية المباشرة ليؤثر في طريقة قراءة إسرائيل لمجمل البيئة الإقليمية. فصناع القرار باتوا يميلون، وفق تشخيصه، إلى النظر إلى تطورات وتحالفات وزيارات دبلوماسية لا ترتبط بالضرورة بإسرائيل باعتبارها تحركات موجهة ضدها، في نمط تفكير يلخصه بالقول إن "لا شيء فرصة، وكل شيء تهديد".
مأزق العقيدة الأمنية الإسرائيلية
يوجه سيترينوفيتش انتقاداً واضحاً لهذا المسار، معتبراً أن الخطأ لم يكن في اعتماد الردع أو العمل الاستباقي بحد ذاته، وإنما في غياب مسار موازٍ لبناء العلاقات والتحالفات وإدارة الخلافات دبلوماسياً.
ويحذر من انتقال إسرائيل من طرف إلى آخر في استراتيجيتها الأمنية، خصوصاً بعد فترة طويلة من الحرب المتواصلة التي تركت آثاراً متزايدة على الاقتصاد والمجتمع والقدرات الأمنية، إلى جانب تراجع شرعية إسرائيل وصورتها في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط.
ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة مع تركيا اختباراً مهماً لقدرة إسرائيل على الانتقال من منطق التعامل العسكري مع التهديدات إلى إدارة التنافس مع قوة إقليمية كبيرة لا يمكن إخضاع العلاقة معها للأدوات العسكرية وحدها.
سوريا.. جوهر الصدام
المشكلة الأكثر إلحاحاً بين البلدين تتمركز حالياً في سوريا. ويلخص سيترينوفيتش جوهر التناقض بالقول إن تركيا تريد رؤية نظام الرئيس السوري أحمد الشرع قوياً، بينما تفضّل إسرائيل أن يبقى ضعيفاً.
وبالتالي، فإن أي تحرك تركي يهدف إلى تعزيز قدرات دمشق أو توسيع نفوذ أنقرة العسكري والأمني داخل سوريا قد يُقرأ إسرائيلياً باعتباره تهديداً مباشراً.
هذا التناقض يتجاوز، وفق التحليل، سوء الفهم السياسي أو الخلاف التكتيكي؛ إذ يتعلق بتصورين متعارضين لمستقبل الدولة السورية. ولهذا يرجح سيترينوفيتش أن تصبح سوريا ساحة الاحتكاك الفعلي المقبلة بين إسرائيل وتركيا، سواء عبر ضربات جوية إسرائيلية أو من خلال انتشار عسكري تركي محتمل على الأرض.
الحاجة إلى آلية لمنع الاحتكاك
أمام هذا الوضع، يدعو الباحث الإسرائيلي إلى إنشاء آلية رسمية لـ«منع الاحتكاك» بين تركيا وإسرائيل، تسمح بتحديد الخطوط الحمراء لكل طرف وتقليل احتمالات أن يؤدي تحرك عسكري أو سوء تقدير ميداني إلى مواجهة أوسع.
ويشير إلى محاولات سابقة لإقامة مثل هذه الآلية عبر أذربيجان، التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع البلدين، لكنه يرى أن الفجوات الحالية أصبحت أكبر من أن يكون من السهل إدارتها.
وبحسب تقديره، فإن غياب هذه الآلية يجعل التصعيد بين تركيا وإسرائيل مرجحاً بدرجة كبيرة، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة انتقال البلدين إلى حرب مباشرة وشاملة.
توتر مع واشنطن
ولا تنفصل هذه التطورات، وفق سيترينوفيتش، عن التغير الذي يراه في العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
فهو يتحدث عن غضب داخل واشنطن تجاه عدد من السياسات الإسرائيلية، ولا سيما ما يتعلق بإيران وغزة وسوريا، ويرى أن الإدارة الأميركية أصبحت أقل استعداداً لتقديم دعم علني غير مشروط لنتنياهو.
ويعتبر أن اتساع مساحة الاحتكاك مع الولايات المتحدة يمثل تطوراً بالغ الخطورة بالنسبة لإسرائيل، بالنظر إلى المكانة المركزية التي تحتلها واشنطن في منظومة الأمن والاستراتيجية الإسرائيلية.
"حلف مكة" ليس موجهاً ضد إسرائيل
وفي قراءة مختلفة عن بعض التصورات السائدة داخل إسرائيل، يرفض سيترينوفيتش اعتبار «حلف مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان محوراً سنياً موجهاً ضد إسرائيل.
ويربط تشكيل الحلف أساساً بحاجة السعودية إلى تعزيز قدرتها على الردع بعد الحرب مع إيران واستمرار تهديدات الحوثيين، معتبراً أن غياب دول مثل مصر وقطر عن الترتيب يؤكد أنه لا يمثل «ناتو إسلامياً» شاملاً.
ويضيف أن السعودية لا تزال، في تقديره، منفتحة على تطوير علاقتها مع إسرائيل، لكن ذلك يبقى مشروطاً بتحقيق تقدم حقيقي في المسار الفلسطيني.
هذه القراءة تعكس انتقاداً أوسع يوجهه سيترينوفيتش إلى طريقة التفكير الإسرائيلية التي تميل، بحسب وصفه، إلى تفسير التحركات الإقليمية من منظور تأثيرها المحتمل على إسرائيل، حتى عندما تكون دوافع الدول المعنية مرتبطة بحساباتها الأمنية الخاصة.
هل تستطيع إسرائيل بناء محور مضاد لتركيا؟
يشكك سيترينوفيتش كذلك في قدرة إسرائيل على بناء تحالف إقليمي قادر فعلياً على موازنة تركيا.
فالهند، رغم علاقتها الوثيقة بإسرائيل، تحافظ على شبكة مصالح وعلاقات استراتيجية مستقلة مع قوى إقليمية أخرى، بينما لا تبدو الإمارات راغبة في تحويل علاقتها بإسرائيل إلى اصطفاف علني ضد أنقرة. أما اليونان وقبرص، فرغم أهميتهما في موازنة بعض جوانب النفوذ التركي، فلا تمثلان بديلاً استراتيجياً يمكن الاعتماد عليه في حال نشوب مواجهة حقيقية مع تركيا.
ولهذا يحذر الباحث الإسرائيلي من سياسة «وضع كل البيض في سلة واحدة»، ويدعو إلى إدارة العلاقة المباشرة مع أنقرة بدلاً من محاولة تطويقها من خلال محور مضاد.
الورقة الكردية وحدودها
يتطرق سيترينوفيتش أيضاً إلى العلاقة الإسرائيلية التاريخية مع الأكراد، معتبراً أن إسرائيل كانت جادة في دعمهم باعتبارهم أحد مصادر بناء التحالفات في بيئة إقليمية معقدة وأداة لموازنة النفوذ التركي.
لكن هذه العلاقة، وفق تقييمه، لها حدود واضحة. فقد تراجعت إسرائيل عملياً عن تصور استخدام الأكراد قوة برية محتملة ضد النظام الإيراني، وهو ما يكشف وجود «سقف زجاجي» للشراكة معهم؛ فهي ستستمر على الأرجح، لكنها لا تستطيع بمفردها تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط أو توفير بديل لإدارة العلاقة مع تركيا.
من الردع إلى إدارة التنافس
الخلاصة الأبرز التي يقدمها سيترينوفيتش تتجاوز مستقبل العلاقة التركية–الإسرائيلية إلى مراجعة أوسع للعقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر. فالمشكلة، وفق تحليله، تكمن في تحول العمل الاستباقي من أداة تستهدف تهديدات محددة إلى إطار أوسع لقراءة البيئة الإقليمية، بحيث يمكن النظر إلى كل تطور تقريباً باعتباره تهديداً محتملاً.
وتظهر سوريا بوضوح حدود هذا النهج. فتركيا ليست تنظيماً مسلحاً يمكن التعامل معه بضربة استباقية، وإنما قوة إقليمية كبيرة تمتلك جيشاً واسع القدرات ونفوذاً سياسياً وعسكرياً مباشراً في الجغرافيا السورية.
لذلك، فإن استمرار التناقض بين رغبة تركيا في بناء سلطة سورية قوية ورغبة إسرائيل في إبقاء دمشق محدودة القدرات، بالتوازي مع غياب قواعد متفق عليها لإدارة التحركات العسكرية، يجعل احتمال الاحتكاك مرتفعاً.
وفي المقابل، تكشف محدودية البدائل المتاحة أمام إسرائيل — سواء عبر الهند أو الإمارات أو اليونان وقبرص أو الورقة الكردية — أن بناء شبكة من الشراكات لا يمكن أن يحل محل إدارة العلاقة مع أنقرة نفسها. وهي النتيجة التي يصل إليها تحليل سيترينوفيتش: صعود تركيا باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن التعامل معه فقط بمنطق الردع أو بناء المحاور المضادة، وإنما يحتاج إلى قنوات دبلوماسية وآليات واضحة لمنع الاحتكاك وتغيير أوسع في طريقة إسرائيل في قراءة التحولات الإقليمية.
ويظل هذا التقييم، كما توضح المادة الأصلية، تعبيراً عن الرأي المهني والشخصي لسيترينوفيتش، وليس موقفاً رسمياً للحكومة الإسرائيلية أو المؤسسات التي يرتبط بها.