أخبار

بعد بوتين.. روسيا أمام أزمة خلافة قد تفتح الباب لصراع الأجيال داخل الكرملين

بعد بوتين.. روسيا أمام أزمة خلافة قد تفتح الباب لصراع الأجيال داخل الكرملين

موسكو: تواجه روسيا معضلة سياسية مؤجلة تتجاوز السؤال التقليدي حول هوية خليفة الرئيس فلاديمير بوتين إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بقدرة النظام الذي بناه خلال أكثر من ربع قرن على إدارة انتقال السلطة من الأساس. فبينما نجح بوتين في بناء منظومة حكم شديدة المركزية تستند إلى العلاقات الشخصية وشبكة من المسؤولين الموثوقين، لم يترك وراءه آلية واضحة لاختيار خليفته، كما أن الجيل الذي يحيط به ويتحكم في المؤسسات الأكثر حساسية في الدولة يتقدم معه في العمر، ما يجعل لحظة الخلافة اختبارًا للنظام الروسي بأكمله.

ويستند هذا التقرير إلى تحليل للباحث جوليان ج. والر، المتخصص في الشؤون الروسية بمركز التحليلات البحرية والمحاضر في جامعة جورج واشنطن، نشرته مجلة «فورين أفيرز» في 7 أغسطس/آب 2026، ويرى أن الخطر لا يكمن فقط في غياب وريث واضح لبوتين، بل في الانسداد الجيلي الذي أنتجه النظام، وفي احتمال أن تتحول عملية اختيار الرئيس المقبل إلى مساومات وصراعات داخل دائرة ضيقة من كبار المسؤولين، على نحو يستدعي ـ مع اختلاف الظروف ـ تجربة الاتحاد السوفيتي بعد وفاة جوزيف ستالين عام 1953. ‎⁨

نظام قوي بلا وريث

يبلغ بوتين 73 عامًا، وقد نجح في بناء نظام شخصاني قوي، لكن النظام لا يقدم إجابة واضحة عن السؤال المتعلق بما سيحدث عندما يغادر الرئيس السلطة، سواء بسبب الوفاة أو المرض أو ـ وهو الاحتمال الذي يعده التحليل أقل ترجيحًا ـ التنحي الطوعي.

وتتراوح السيناريوهات المحتملة بين انتقال سريع ومنضبط للسلطة، وصراع فوضوي بين نخب بقيت سنوات طويلة بعيدة عن قمة الهرم السياسي، أو استمرار النظام تحت قيادة الجيل المسن نفسه الذي يسيطر حاليًا على المؤسسات الرئيسية.

المشكلة، وفق التحليل، أن الخلافة لا تتعلق ببوتين وحده. فهناك جيل كامل من كبار المسؤولين المحيطين بالرئيس يقاربه في العمر، ولا يزال يحتكر نسبة كبيرة من المواقع التي ستقرر فعليًا هوية الرئيس المقبل.

وقد كانت هذه الشبكة الشخصية إحدى نقاط قوة النظام البوتيني؛ إذ ساعدت الرئيس على تركيز السلطة والمحافظة على الاستقرار وضمان ولاء المؤسسات. لكنها أنتجت في الوقت نفسه مشكلة بعيدة المدى: حرمان الأجيال التالية من المشاركة الحقيقية في السياسة العليا، ومن اكتساب الخبرة والعلاقات والثقة والمهارات الضرورية لتولي القيادة مستقبلًا.

وهكذا، فإن الاستقرار الذي حققته منظومة بوتين في الحاضر ربما يكون قد جاء على حساب قدرتها على ضمان انتقال مستقر في المستقبل.

دستور يحدد الإجراءات.. لا الخليفة

من الناحية القانونية، تبدو قواعد الانتقال واضحة نسبيًا. فالنظام الدستوري الروسي ينص على إجراء انتخابات خلال ثلاثة أشهر من شغور منصب الرئيس، ويتولى رئيس الوزراء مهام الرئاسة مؤقتًا.

لكن هذه القواعد لا تجيب عن السؤال الأكثر أهمية: من يمتلك القوة السياسية الفعلية التي تسمح له بالترشح والفوز والحكم؟

ويرى التحليل أن المؤسسات الدستورية ستوفر الإطار الشكلي للانتقال، فيما سيجري الحسم الحقيقي داخل دائرة صغيرة من أصحاب النفوذ، عبر المساومات والتحالفات والقرارات التي تتخذها النخبة المسيطرة على المؤسسات الرئيسية للدولة.

ومن هنا تأتي المقارنة مع مرحلة ما بعد ستالين. فالنصوص الرسمية لم تكن وحدها هي التي حددت الخليفة آنذاك، وإنما ميزان القوة بين الشخصيات التي سيطرت على الحزب والحكومة وأجهزة الأمن والقوات المسلحة.

بوتين أغلق أبواب صناعة الخليفة

على امتداد سنوات حكمه، تجنب بوتين تسمية وريث أو بناء مؤسسة تستطيع إنتاج خليفة بطريقة منتظمة.

فحزب «روسيا الموحدة» لم يُصمم، بحسب التحليل، ليعمل باعتباره مؤسسة سياسية تختار القيادة المقبلة، وإنما ليضمن نتائج انتخابية موالية للكرملين داخل مؤسسات مثل البرلمان.

كما أن النظام الروسي لا يتضمن منصب نائب الرئيس، وبالتالي لا توجد شخصية تحتل دستوريًا موقع «الرجل الثاني» الذي يمكن أن يتحول تلقائيًا إلى المرشح الطبيعي للخلافة.

صحيح أن رئيس الوزراء يصبح رئيسًا بالوكالة عند شغور المنصب، إلا أن بوتين تعمد اختيار رؤساء حكومات لا يمتلكون قواعد قوة مستقلة يمكن أن تنافسه.

وينطبق ذلك على رئيس الوزراء الحالي ميخائيل ميشوستين، الذي يمكن أن يتولى الرئاسة مؤقتًا وفق الدستور، لكنه لا يمتلك ـ وفق التحليل ـ شبكة شخصية مستقلة من الموالين تكفي لتحويل الموقع المؤقت تلقائيًا إلى رئاسة دائمة.

تجربة مدفيديف.. الخلافة التي لم تكن خلافة

كانت تجربة دميتري مدفيديف بين عامي 2008 و2012 أقرب لحظة اختبرت فيها روسيا البوتينية فكرة انتقال الرئاسة.

فعندما بلغ بوتين الحد الدستوري لولايتين رئاسيتين متتاليتين، دعم مدفيديف للوصول إلى الكرملين عام 2008، وانتقل هو إلى رئاسة الحكومة.

لكن التجربة لم تنتج مركز قوة جديدًا مستقلًا. فقد احتفظ بوتين بنفوذ واسع، ثم أعلن في عام 2011 عودته إلى الرئاسة، قبل انتهاء ولاية مدفيديف، فيما عُرف سياسيًا في روسيا بعملية «التبييت»، في استعارة من حركة الملك والقلعة في الشطرنج.

ومنذ ذلك الوقت تراجع موقع مدفيديف تدريجيًا، وأثبتت التجربة أن انتقال الرئاسة لم يكن انتقالًا حقيقيًا للسلطة بقدر ما كان إعادة ترتيب مؤقتة داخل النظام.

لماذا تختلف روسيا عن أذربيجان وكازاخستان؟

غياب خطة الخلافة ليس نتيجة حتمية لطبيعة الأنظمة الشخصية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي. فهناك نماذج أخرى حاولت تنظيم عملية الانتقال مسبقًا.

في أذربيجان، أنشأ الرئيس الراحل حيدر علييف عمليًا نموذجًا للخلافة العائلية، وانتقلت الرئاسة إلى ابنه إلهام علييف عام 2003. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت زوجة إلهام، مهربان علييفا، النائبة الأولى للرئيس، بما يضعها في موقع متقدم في ترتيب الخلافة، بالتوازي مع منح أبناء العائلة أدوارًا عامة بارزة.

وفي كازاخستان، هندس نور سلطان نزارباييف عام 2019 انتقالًا منظمًا نسبيًا، عندما ترك الرئاسة وانتقلت إلى رئيس مجلس الشيوخ، مع احتفاظه آنذاك برئاسة مجلس الأمن.

أما بوتين، فلم يقدم إشارات مماثلة حول شكل النظام بعده، واختار بدلًا من ذلك تمديد بقائه في السلطة والمحافظة على الدائرة القديمة المحيطة به.

«حكم الشيوخ» في المؤسسات الأكثر حساسية

تبرز مشكلة العمر بصورة خاصة عند النظر إلى المسؤولين الذين يديرون أهم أجهزة الدولة الروسية.

فبحسب البيانات الواردة في التحليل، يبلغ رئيس جهاز الأمن الفيدرالي ألكسندر بورتنيكوف 74 عامًا، ورئيس الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين 71 عامًا، ورئيس لجنة التحقيق ألكسندر باستريكين 72 عامًا، وقائد الحرس الوطني فيكتور زولوتوف 72 عامًا، وأمين مجلس الأمن سيرغي شويغو 71 عامًا، فيما يبلغ رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف 70 عامًا.

ولا يمثل تقدم هؤلاء في السن مسألة بيولوجية فحسب، وإنما مشكلة سياسية ومؤسسية، لأن هذه الشخصيات تتحكم في الأجهزة التي سيكون لها وزن كبير عند وقوع الانتقال.

ويعتقد الكاتب أن اعتماد بوتين على هذا الجيل مرتبط بطبيعة نظامه؛ فالرئيس يثق بالعلاقات التي امتدت لعقود وبقدرة حلفائه القدامى على معالجة الأزمات بالطرق التي يعرفها ويتوقعها.

حتى عندما أجرى الكرملين حملة واسعة داخل وزارة الدفاع طالت شخصيات من شبكة شويغو، لم يُقص شويغو نفسه من دائرة السلطة، بل نُقل إلى منصب مؤثر في مجلس الأمن، وهو ما يعكس الحماية التي يتمتع بها أعضاء الحلقة العليا القديمة مقارنة بالمسؤولين الأصغر سنًا.

بريغوجين مثال على حساسية شبكة القوة

في سياق الحديث عن تماسك هذه الدائرة واستخدام القوة ضد التحديات، يستشهد التحليل بتمرد قائد مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين عام 2023 ووفاته لاحقًا في تحطم طائرة.

وينقل الكاتب عن تقرير سابق لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن نيكولاي باتروشيف، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة مجلس الأمن، دبر حادث الطائرة. إلا أن هذه الرواية تظل ادعاءً صحفيًا منسوبًا إلى مصادر الصحيفة وليست واقعة مثبتة رسميًا، فيما نفت السلطات الروسية أي تورط حكومي في وفاة بريغوجين.

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها في التحليل بوصفها مثالًا على مركزية الشبكات الشخصية والأمنية في إدارة النظام الروسي، وليس باعتبار الرواية حقيقة مؤكدة.

شبح 1953

تستند إحدى أهم فرضيات التحليل إلى تجربة ما بعد وفاة ستالين في مارس/آذار 1953.

فقد أصبح جورجي مالينكوف، رئيس مجلس الوزراء، الخليفة الرسمي، لكنه لم يكن يمتلك قاعدة قوة كافية لاحتكار السلطة. وسرعان ما تشكل ترتيب جماعي ضم مالينكوف ولافرينتي بيريا وفياتشيسلاف مولوتوف، فيما أصبح نيكيتا خروتشوف وكليمنت فوروشيلوف وجورجي جوكوف جزءًا من دائرة القرار بفعل سيطرتهم على مؤسسات حيوية.

ولم يكن الانتقال هادئًا.

ففي غضون أربعة أشهر اعتُقل بيريا، الذي اعتبره بقية أعضاء القيادة تهديدًا لهم، ثم أُعدم لاحقًا. أما خروتشوف، فاحتاج إلى سنوات من المناورة وبناء النفوذ داخل الحزب قبل أن يتمكن من إحكام قبضته على السلطة.

ولم ينجح في فرض سيطرته الكاملة إلا بحلول عام 1957.

ولا يعني ذلك أن روسيا المعاصرة ستكرر تجربة الاتحاد السوفيتي حرفيًا، فالاختلافات بين النظامين كبيرة. لكن التشابه الذي يركز عليه التحليل يكمن في الدور الذي قد تؤديه «دائرة الاختيار»؛ أي المجموعة الصغيرة من المسؤولين الذين يسيطرون على المؤسسات المركزية، ويملكون القدرة على التنافس على السلطة أو التأثير في تحديد من سيحصل عليها.

من سيجلس إلى طاولة اختيار الرئيس المقبل؟

القائمة الفعلية للأشخاص القادرين على المشاركة في تقرير الخلافة ليست طويلة.

ويضع التحليل ضمن هذه الدائرة رؤساء مجلسي البرلمان، ورئيس الوزراء، ورئيس الإدارة الرئاسية، وأميني مجلسي الدولة والأمن، ورئيس جهاز الأمن الفيدرالي، ووزير الدفاع، إلى جانب شخصيات تمتلك مزيجًا من الموقع المؤسسي والعلاقة الشخصية مع بوتين.

ومن الأسماء التي يسلط عليها الضوء أليكسي ديومين، البالغ 53 عامًا، أمين مجلس الدولة والحارس الشخصي السابق لبوتين، والذي تردد اسمه بوصفه خليفة محتملًا.

كما تشمل الأسماء البارزة رئيس مجلس الدوما فياتشيسلاف فولودين، 62 عامًا، ورئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين، 60 عامًا، وسيرغي كيرينكو، 64 عامًا، النائب الأول لرئيس الإدارة الرئاسية. ‎⁨

لكن أهمية هذه الأسماء لا تعني أن أحدها هو «الخليفة المختار». فجوهر المشكلة أن بوتين لم يمنح أي شخصية شرعية واضحة باعتبارها وريثًا، ما يجعل موقع كل مرشح مرتبطًا بقدرته على بناء تحالف داخل دائرة السلطة عند وقوع الانتقال.

أزمة أجيال تحت السطح

ربما تكون المشكلة الأخطر هي الفجوة بين الجيل القديم الممسك بالسلطة والجيل الذي ينتظر منذ سنوات فرصة الصعود.

فاستمرار المسؤولين السبعينيين في المواقع العليا لم يحرم الأربعينيين فقط من التقدم، بل عطل أيضًا صعود مسؤولين في الخمسينيات والستينيات من العمر كانوا، في الظروف الطبيعية، سيشكلون الجيل التالي للحكم.

وهذا الانسداد يمكن أن ينتج مفارقة لافتة: عند فتح النظام فجأة، قد تقفز شخصيات أصغر بكثير ـ بما في ذلك أبناء وأقارب أعضاء النخبة الحالية ـ فوق جيل كامل من المسؤولين الذين أمضوا سنوات ينتظرون دورهم.

وهنا يمكن أن يتحول انتقال السلطة من تنافس بين أفراد إلى صراع بين أجيال سياسية.

وكلما استمر بوتين في الحكم إلى جانب الدائرة المسنة المحيطة به، تقل فرص حدوث انتقال تدريجي للخبرة والنفوذ، وتتسع الفجوة بين من يمتلكون السلطة حاليًا ومن سيضطرون إلى إدارتها مستقبلًا.

الخطر ليس في اسم الخليفة بل في طريقة اختياره

يخلص التحليل إلى أن السؤال الحاسم في مستقبل روسيا ليس «من سيأتي بعد بوتين؟» بقدر ما هو «كيف سيجري اختيار من يأتي بعده؟».

فالشخص الذي سيصبح رئيسًا بالوكالة قد لا يكون الرئيس الفعلي المقبل، والمرشح الذي يبدو قويًا اليوم قد يفقد موقعه سريعًا إذا لم يحصل على دعم المؤسسات الأمنية والسياسية الأساسية.

وفي المقابل، يمكن لشخصية لا تبدو الآن في مقدمة المرشحين أن تصعد إذا نجحت في بناء تحالف بين مراكز القوة.

وتزداد المخاطر لأن عملية انتقال مفاجئة يمكن أن ترفع إلى قمة الدولة مسؤولين لم يبنوا علاقات ثقة مع كبار أصحاب النفوذ الحاليين، ولا يمتلكون سيطرة راسخة على المؤسسات التي سيُطلب منهم إدارتها. ويرى الكاتب أن هذه البيئة تشكل وصفة محتملة للفوضى وسوء الحساب خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في حياة أي نظام سياسي.

وبذلك، فإن المفارقة الأساسية في إرث بوتين قد تكون أن النظام الذي جرى بناؤه لتحقيق أقصى قدر من الاستقرار والسيطرة في عهده ترك روسيا أمام قدر كبير من عدم اليقين بشأن اليوم التالي. فغياب وريث واضح، وشيخوخة الحلقة الحاكمة، وضعف التداول الجيلي، واعتماد الدولة على شبكات الولاء الشخصية، كلها عوامل تجعل الخلافة المقبلة ليست مجرد تغيير في اسم الرئيس، وإنما اختبارًا لقدرة النظام البوتيني نفسه على البقاء بعد غياب الرجل الذي صُمم حوله.