تقرير: كيف صنعت مئة عام من الدماء الشرق الأوسط الحديث؟
لندن: من انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى الثورة الإيرانية، ومن اتفاقية سايكس–بيكو إلى الحروب الأهلية والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، يرسم المؤرخ البريطاني سايمون سيباغ مونتفيوري في كتابه الجديد «المرجل: صناعة الشرق الأوسط الحديث» (The Cauldron: The Making of the Modern Middle East) صورة قاتمة لقرن كامل من الصراعات والتنافسات والثورات التي أعادت تشكيل المنطقة، وصولًا إلى أحداث عام 2026.
ويستند هذا التقرير إلى ملخص تنفيذي أعدّه مركز MENA Intel Brief استنادًا إلى مراجعة للكتاب كتبها كون كوفلن، رئيس تحرير الشؤون الدفاعية والخارجية في صحيفة «ذا تلغراف» البريطانية، ونُشرت في 21 أغسطس/آب 2026. ومن ثم، فإن الأفكار والتفاصيل الواردة تعكس قراءة كوفلن للكتاب وتلخيصه لمضمونه، وليست مراجعة مباشرة للنص الكامل لمونتفيوري.
قرن لم تنجُ فيه دولة من الحرب
تنطلق سردية مونتفيوري من فرضية مركزية مفادها أن الشرق الأوسط، وفق تعريفه الواسع الممتد من المغرب إلى إيران، لم يعرف خلال تاريخه الحديث بلدًا واحدًا لم يشهد شكلًا من أشكال الحرب أو الصراع المسلح.
ففي أقصى الغرب، ظل المغرب مرتبطًا بالنزاع مع جبهة البوليساريو حول الصحراء الغربية، بينما وقفت إيران في الطرف الآخر من الإقليم وسط احتكاكات متواصلة مع جيرانها العرب والولايات المتحدة. وبينهما، شهدت الجزائر ولبنان والسودان واليمن وعُمان وسوريا وليبيا والعراق صراعات وحروبًا أهلية متفاوتة، إلى جانب الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي الذي استحوذ لعقود على جانب كبير من الاهتمام الدبلوماسي الدولي.
وبحسب المادة التي أعدها MENA Intel Brief، يقع الكتاب في نحو 352 صفحة في نسخته البريطانية، ويتحرك جغرافيًا من المحيط الأطلسي إلى الخليج، معتمدًا سردًا تاريخيًا زمنيًا يتنقل بين عواصم المنطقة بدل تخصيص فصول منفصلة لكل دولة. ويخصص مونتفيوري نحو الثلث الأول لانهيار السلطنة العثمانية والحربين العالميتين والاستعمار وولادة الدول الحديثة وبداية عصر النفط، فيما تمتد بقية السردية من عام 1979 حتى أحداث عام 2026.
انهيار العثمانيين وبداية إعادة رسم المنطقة
يبدأ مونتفيوري حكايته من انهيار الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، معتبرًا تلك اللحظة نقطة تأسيس رئيسية للشرق الأوسط الحديث.
فقد خضعت أجزاء واسعة من المنطقة لقرون لسلطنة إسطنبول، التي أدارتها من خلال شبكة من الولايات امتدت من بغداد إلى دمشق والقدس. لكن انهيار الإمبراطورية حوّل أراضيها السابقة إلى ميدان تنافس بين القوى الأوروبية المنتصرة، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا.
برزت اتفاقية سايكس–بيكو بوصفها أحد أهم تجليات تلك المرحلة، بعدما ساهمت في رسم ترتيبات إدارة المنطقة بعد الحرب. وكانت بريطانيا، على وجه الخصوص، مهتمة بالسيطرة على فلسطين لما تمثله من أهمية استراتيجية في حماية قناة السويس ومصالحها في مصر وشمال أفريقيا.
وينقل الكتاب عن اللورد آرثر بلفور وصفه للمفاوضات في مؤتمر فرساي عام 1919 بأنها مشهد لثلاثة رجال يتمتعون بقوة هائلة، لكنهم يفتقرون إلى المعرفة الكافية وهم يتقاسمون القارات، في تعبير يلخص، وفق سردية الكتاب، طبيعة القرارات الخارجية التي أسهمت في تشكيل المنطقة الجديدة.
عنف رافق ولادة الدول الجديدة
لم يؤد انهيار النظام الإمبراطوري ورسم الحدود الجديدة، وفق مونتفيوري، إلى استقرار سياسي، بل تزامنا مع موجات عنف واسعة رافقت عمليات بناء الدول والهويات القومية.
في تركيا، قاد مصطفى كمال أتاتورك ثورة قومية وثقافية لإعادة بناء الدولة، ويشير الكتاب إلى مقتل نحو 150 ألف يوناني على أيدي الميليشيات الكمالية خلال الصراع على تثبيت حدود الجمهورية الجديدة.
وفي السياق نفسه، يتناول الكتاب المأساة الأرمنية، مقدرًا عدد الأرمن الذين فقدوا حياتهم بما يتراوح بين 600 ألف ومليوني شخص فيما يعرف اليوم بالإبادة الأرمنية.
أما إيران، فكانت تشهد تحولًا مختلفًا. فقد أدى الاستياء من فساد الأسرة القاجارية وضعفها إلى انهيار حكمها وصعود رضا خان، الضابط في اللواء القوزاقي الفارسي، الذي أصبح شاهًا عام 1925 وأسّس الأسرة البهلوية التي حكمت البلاد لنحو خمسة عقود. وكان إلغاء الرق والحريم، وفق المادة، من بين إجراءات الإصلاح المبكرة التي اتخذها.
الحرب العالمية الثانية وتحولات القومية العربية
يولي مونتفيوري أهمية خاصة لتأثير الحرب العالمية الثانية في المنطقة، ويذهب إلى أنها ساهمت في ترسيخ ما يصفه بـ«معاداة اليهودية»، في ظل التقاء بعض تيارات القومية العربية آنذاك مع معاداة السامية النازية.
ويستشهد بلقاء مفتي القدس أمين الحسيني بأدولف هتلر في برلين عام 1941، بوصفه إحدى اللحظات الدالة على ذلك التقاطع. ووفق العرض الذي تنقله مراجعة «ذا تلغراف»، ناقش هتلر خلال اللقاء جرائم قتل اليهود التي كان النظام النازي يرتكبها في أوروبا.
زمن الزعماء الكبار
بعد الحرب العالمية الثانية، ينتقل الكتاب إلى مرحلة طغت عليها شخصيات سياسية كاريزمية وقوية تركت طموحاتها وخصوماتها الشخصية بصمات واضحة على سياسات المنطقة.
ويضع مونتفيوري في مقدمة هؤلاء جمال عبد الناصر في مصر، ومعمر القذافي في ليبيا، والملك حسين في الأردن، وياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية.
ومن أكثر الوقائع إثارة التي يوردها الكتاب ما حدث خلال قمة القاهرة عام 1970، عقب أحداث «أيلول الأسود» في الأردن. ووفق الرواية التي ينقلها كوفلن، اقترح القذافي اغتيال الملك حسين عند وصوله إلى القاهرة، غضبًا من العمليات العسكرية الأردنية ضد منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن ينجح عبد الناصر في ثنيه عن الفكرة.
وتكشف الواقعة، في إطار رؤية مونتفيوري، كيف لم تكن السياسة الإقليمية في مراحل مهمة من القرن العشرين محكومة فقط بالمؤسسات والمصالح الوطنية، بل أيضًا بالعلاقات والخصومات والطموحات الشخصية للزعماء.
1979.. نقطة التحول الكبرى
إذا كان انهيار الإمبراطورية العثمانية يمثل نقطة البداية في قصة الشرق الأوسط الحديث، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 تمثل، في نظر مونتفيوري، أهم نقطة تحول لاحقة في مسار المنطقة.
ويضع المؤرخ البريطاني الثورة الإيرانية في مصاف الثورتين الفرنسية عام 1789 والروسية عام 1917 من حيث أهميتها التاريخية.
فمع تصاعد الغضب الشعبي من حكم الشاه، الذي أصبح يُنظر إليه باعتباره نظامًا فاسدًا وقمعيًا، برز آية الله روح الله الخميني من منفاه في باريس بوصفه الشخصية المعارضة الأكثر وضوحًا في الدعوة إلى إسقاط النظام. وبعد خروج الشاه، عاد الخميني إلى طهران ليؤسس الجمهورية الإسلامية.
ويرى الكتاب أن النظام الجديد غيّر توازنات الشرق الأوسط وترك تأثيرات عميقة على الحركات الإسلامية في المنطقة. وتذهب مراجعة الكتاب إلى ربط المناخ الذي أطلقته الثورة بصعود تيارات وحركات إسلامية متعددة لاحقًا، وصولًا إلى تنظيمات مثل القاعدة و«داعش».
من 11 سبتمبر إلى 7 أكتوبر
لا تتوقف سردية مونتفيوري عند أحداث القرن العشرين، بل تمتد إلى الأزمات التي أعادت صياغة المنطقة في القرن الحادي والعشرين.
ويعتبر أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش تداعيات حدثين رئيسيين: هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي قادت إلى الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويضيف إلى ذلك ما يصفه بـ«التدخل المتقطع» للولايات المتحدة، بالتزامن مع تراجع قدرة عدد من دول المنطقة على إدارة أزماتها الداخلية، مستشهدًا بليبيا والسودان واليمن وسوريا والعراق ولبنان.
شرق أوسط أكثر انقسامًا
الخلاصة التي يصل إليها مونتفيوري قاتمة. فالمنطقة، في نظره، تبدو أكثر انقسامًا داخليًا، فيما أصبح الوصول إلى موقف عربي موحد تجاه القضايا الكبرى، من الأزمة الإيرانية إلى حرب غزة، بالغ الصعوبة.
ويعيد المؤرخ هذه الحالة إلى تراكم قرن كامل من الحدود المتنازع عليها، والتدخلات الخارجية، والثورات والانقلابات والحروب الأهلية، إلى جانب تنافس الزعماء والقوى الإقليمية على النفوذ.
ورغم تغير الدول والأنظمة والتحالفات خلال المئة عام الماضية، فإن مونتفيوري ينتهي إلى خلاصة شديدة التشاؤم: «لا يزال السيف يقرر من يحكم»، فيما تظل آفاق السلام بعيدة في منطقة لم تنجح بعد في التخلص من الإرث العنيف الذي رافق ولادة نظامها الحديث.
وتبقى هذه القراءة، كما يشدد MENA Intel Brief في ملاحظته المنهجية، مبنية على مراجعة كون كوفلن المنشورة في «ذا تلغراف»، وليست بديلًا عن قراءة كتاب مونتفيوري نفسه؛ وهو تمييز ضروري خصوصًا في القضايا التاريخية والسياسية الجدلية التي يتناولها الكتاب.