تقرير عبري : اعتداءات المستوطنين زعزعت الشعور بالأمان.. وسكان قرية الطيبة يهاجرون
"نخاف على أطفالنا”..
رام الله: غادرت 15 عائلة وعشرات الشبان خلال السنوات الأخيرة القرية المسيحية الواقعة قرب رام الله. وقال أحد السكان لـ”هآرتس” العبرية: “كانت الطيبة في الماضي مكانًا آمنًا، حتى في أصعب الفترات، أما اليوم فتخرج إلى عملك ولا تعرف إن كنت ستعود سالمًا”.
يتعمق في قرية الطيبة الفلسطينية المسيحية شعور لم يكن مألوفًا فيها تقريبًا في السابق، وهو أن البيت لم يعد يضمن الأمان. ويتحدث سكان القرية، الواقعة شمال شرقي رام الله، عن مضايقات واعتداءات من جانب المستوطنين، وتهديدات، وإلحاق أضرار بالمركبات والمعدات الزراعية، وعمليات إحراق وكتابة شعارات على الجدران. لكن أكثر ما يتحدثون عنه هو التغير الذي طرأ على شعورهم بالأمان.
يقول أحد السكان لـ”هآرتس”: “كانت الطيبة في الماضي مكانًا آمنًا. حتى في أصعب الفترات، خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي الحروب والمواجهات، كان الناس يعرفون أنه يمكنهم العيش هنا. خلال السنوات الثلاث الأخيرة تغير كل شيء”.
تستمر الحياة في القرية، لكن من الصعب وصفها بأنها حياة اعتيادية. في الصباح يخرج العاملون، وخصوصًا الموظفين، إلى رام الله. وتفتح المصالح التجارية المحلية أبوابها وتنتظر زبونًا قد يأتي أو لا يأتي. أما المزارعون فيواصلون النظر إلى المنحدرات وإلى أشجار الزيتون التي رافقت عائلاتهم على مدى أجيال، ويتساءلون إن كانوا سيتمكنون من الوصول إلى أراضيهم خلال موسم قطف الزيتون المقبل.
ويقول أحد سكان القرية: “يأتي المستوطنون ليلًا ونهارًا. يقودون الجرارات داخل القرية وفي محيطها، ويقتربون من المنازل ويهددون الناس”. وبحسب قوله، فإن المزارعين هم الأكثر معاناة من هذه الاعتداءات. ويضيف: “وقعت حالات اعتداء خلال قطف الزيتون وإتلاف للمعدات. وهناك أشخاص لا يستطيعون ببساطة الوصول إلى أراضيهم. تخرج إلى عملك ولا تعرف إن كنت ستعود سالمًا”.
ويصف أحد سكان القرية، وهو أب لثلاثة أطفال في الثلاثينيات من عمره، كيف تحول مصدر رزقه مؤخرًا إلى مصدر للخوف. فهو يعمل موظفًا، ويمتلك في الوقت نفسه مشروعًا خاصًا، كما يعتمد جزئيًا على الزراعة، إذ يملك قطعة أرض مزروعة بأشجار الزيتون واللوز والرمان. وفي إحدى المرات التي حاول فيها الوصول إلى أرضه، واجه مستوطنًا مسلحًا، بحسب أحد سكان القرية المقربين منه. ومنذ ذلك الحين امتنع عن الذهاب إلى هناك. وقال المصدر: “لديه طفلان، ابنة تبلغ 12 عامًا وابن يبلغ 13 عامًا. وهو الآن في طريقه للحصول على تأشيرة والمغادرة”.
وتجسد حالته الوضع السائد في الطيبة، إذ لا يتعلق الأمر بشخص تدفعه ظروفه الشخصية الصعبة إلى الرحيل. ويقول رئيس المجلس المحلي سليمان خوري في حديث مع “هآرتس”: “المشكلة ليست اقتصادية فقط. يمكن بطريقة ما احتمال المشكلة الاقتصادية، لكن المشكلة الأمنية لا يمكن احتمالها. المواطن بات يخشى على أطفاله وعلى مستقبلهم”.
وبحسب خوري، غادرت القرية منذ 7 أكتوبر نحو 15 عائلة، إضافة إلى عشرات الشبان، ويقدر عدد المغادرين بنحو 80 إلى 90 شخصًا. وفي قرية مسيحية صغيرة يبلغ عدد سكانها نحو 1,200 نسمة، يكون لكل مغادرة أثر ملموس.
ويضيف خوري: “هناك عائلات أخرى تدرس إمكانية الرحيل. الناس لا يقولون لنا دائمًا: نحن نهاجر، لكن عندما تتحدث إليهم تسمع أنهم خائفون على أطفالهم”. كما تحدث عن رجل في نحو الثلاثين من عمره غادر القرية مؤخرًا مع زوجته وأطفالهما الثلاثة. وقال: “ذهب إلى الأردن بحثًا عن الأمان وحياة جديدة”.
الهجرة ليست ظاهرة جديدة في القرية. ويقول السكان إن نحو 16 ألف فلسطيني تعود أصول عائلاتهم إلى الطيبة يعيشون حاليًا في الولايات المتحدة وأوروبا، وخصوصًا إسبانيا، وكذلك في أميركا اللاتينية، ولا سيما غواتيمالا وتشيلي. وعلى مدى أجيال، غادر شبان القرية بحثًا عن العمل والدراسة وفرص جديدة، لكنهم يهاجرون الآن بسبب الخوف من عدم قدرتهم على مواصلة حياتهم في القرية.
ويقول ساكن آخر، يبلغ 37 عامًا، إن عددًا من الشبان توجهوا إليه خلال العام الماضي طالبين مساعدته في معرفة خيارات الهجرة المتاحة. ويضيف: “يتوجه إليّ كثيرون ويسألون أين يمكن تقديم طلب للحصول على تأشيرة، وإلى أين يمكن الانتقال، وكيف يمكن العثور على عمل هناك”.
وبحسب قوله، لا يتعلق الأمر بالضرورة بأشخاص يعانون ضائقة اقتصادية: “الناس يعملون، ولديهم مصالح تجارية وأراضٍ، لكنهم يشعرون بأنه لا مستقبل لهم هنا”. ويشير إلى أن معظمهم في العشرينيات أو الثلاثينيات من أعمارهم. “هذا هو العمر الذي يُفترض أن تتزوج فيه وتنجب الأطفال وتشتري أو تبني منزلًا. وبدلًا من التفكير في كيفية بناء مستقبلهم هنا، يفكرون في كيفية الخروج من الطيبة”.
ويضيف أنه كان هناك في البداية شعور بأن الأمر مجرد مرحلة مؤقتة ستنتهي، كما انتهت فترات سابقة. “كانوا يعتقدون أنه ستكون هناك توترات وأحداث، ثم تنتهي ويعود مسار الحياة إلى طبيعته”. لكنه يقول إنه “في مرحلة ما أدرك الناس أن الأمر ربما لا يكون مؤقتًا، وأنه قد يستمر بل وقد يزداد سوءًا. عندها بدأوا يسألون أنفسهم: لماذا نخاطر؟”.
وهو نفسه يقدم مثالًا على مدى عمق هذا التغيير: “كنا 25 طالبًا في صفي عندما كنت صغيرًا. واليوم لم يبقَ منا سوى أنا وفتاة أخرى، وهي أيضًا تزوجت وانتقلت للعيش في رام الله”.
ولم تتجاوز تداعيات الواقع الجديد في القرية الكنيسة المحلية. ويقول الأب بشار فوادلة، كاهن الرعية اللاتينية، إن الهجرة أصبحت خلال السنوات الأخيرة موضوعًا يتكرر باستمرار في أحاديثه مع الشبان والعائلات. ويضيف: “أعرف شخصيًا عددًا من الشبان الذين غادروا خلال العام الأخير. لا أفق أمامهم، ولا مستقبل، ولا يوجد من يساعدهم”.
وبوسع الكنيسة أن تقدم دعمًا مجتمعيًا وروحيًا، ويمكن للعائلة الممتدة أن تساعد، كما يستطيع المجلس المحلي محاولة تقديم المساعدة في مواجهة الأوضاع، لكن لا أحد منهم يستطيع أن يضمن للسكان أن بإمكانهم الخروج صباحًا إلى حقولهم والعودة إلى منازلهم سالمين.
ويشير السكان إلى أنهم حاولوا التواصل مع أعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي في إسرائيل، وكذلك مع السلطة الفلسطينية. ويقول رئيس المجلس بغضب: “جاء إلى هنا سفراء ومسؤولون دبلوماسيون كبار، بمن فيهم السفير الأميركي، ولم يساعد ذلك في شيء”.
وفي المقابل، أصبح أفراد العائلات الذين يعيشون أصلًا في الخارج بمثابة باب مفتوح أمام من يفكرون في الرحيل: أقارب في الولايات المتحدة، صديق في إسبانيا، ابن عم في أوروبا — شخص يمكنه المساعدة في العثور على عمل أو مكان للسكن أو تقديم معلومات بشأن التأشيرة. وهكذا تتشكل في الطيبة شبكة هجرة صامتة؛ ليست منظمة أو رسمية، لكنها موجودة بالفعل.
اعتمدت الطيبة طوال سنوات على الزراعة والعمل والتجارة والسياحة. واليوم، بحسب السكان، تعاني جميع هذه القطاعات من الانهيار. فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه يفقد مصدر دخله، والمصلحة التجارية المحلية التي تعتمد على حركة الناس تشعر بالشلل، أما السياحة، التي كانت على مدى سنوات إحدى السمات البارزة للقرية، فقد تراجعت تمامًا بعدما جعل الواقع الأمني المكان أقل استقرارًا بالنسبة إلى الزوار.
وخلال الفترة الأخيرة فُرضت قيود أمنية في المنطقة، ومن بينها إعلان مناطق فيها “منطقة عسكرية مغلقة”. لكن السكان يتساءلون عمّن تحميه هذه القيود فعليًا.
وتقول ماديس خوري، التي تعمل في مجال السياحة وفي مصنع الجعة المحلي المعروف: “إذا كان الهدف هو منع المستوطنين من الوصول إلينا ومهاجمتنا، فنحن لا نرى أن ذلك ينجح”. وتضيف أنه حتى عندما تُفرض قيود في المنطقة، لا يزال المستوطنون يُشاهدون في محيط القرية. “قبل بضعة أيام فقط كانوا عند مدخل القرية لساعات. وعندها تسأل نفسك: من الذي تحميه هذه القيود بالضبط؟”.
وفي المحصلة، لا يتحدث سكان الطيبة عن التخلي عن قريتهم أو عن هويتهم المحلية، بل عن إيجاد واقع يمكنهم فيه إرسال أطفالهم إلى المدرسة وتربية أسرهم من دون خوف.
وتقول خوري: “لا أحد يريد أن يغادر بيته، لكنك تحتاج إلى الشعور بأن لديك مستقبلًا”.
ولم يعد السؤال الذي تواجهه الطيبة هو كيف يمكن العيش فيها، بل ما إذا كان من الممكن الاستمرار في العيش فيها أصلًا. أما السؤال الأصعب فهو: كم من السكان سيبقون إذا استمر الخوف من المستقبل مخيمًا على حياتهم