تقرير: تحذيرات من انهيار هدنة غزة أو تحولها لوضع دائم وسط انتقادات لواشنطن و"مجلس السلام"
وعود فارغة..
<p style="text-align: right;"> تساهل الولايات المتحدة مع ما يصفه التقرير بانتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار، إلى جانب رفض واشنطن مقاربات أكثر براغماتية لمسألة نزع سلاح حماس، أدى إلى إحباط الوسطاء الآخرين المشاركين في العملية.</p>
واشنطن: حذّرت مجموعة الأزمات الدولية من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة يواجه مأزقًا قد يقود إما إلى تجميد الهدنة عند مرحلتها الأولى، بما يترك نحو 2.1 مليون فلسطيني في ظروف إنسانية هشة ومن دون إعادة إعمار حقيقية، أو إلى انهيارها وعودة إسرائيل إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق، ربما قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 أو بعدها. جاء ذلك في تقرير المجموعة رقم 257 ضمن سلسلة «تقرير الشرق الأوسط»، الصادر في 21 أغسطس/آب 2026 بعنوان «وعود فارغة: إعادة ضبط وقف إطلاق النار في غزة».
ويرى التقرير أن الأزمة لا تتعلق فقط بالخلافات بين إسرائيل وحماس، وإنما أيضًا بطريقة إدارة المسار السياسي والدبلوماسي الذي أعقب وقف إطلاق النار، ولا سيما الدور الذي يؤديه «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، والذي تحول، وفق تقييم المجموعة، من أداة يفترض أن تسهّل تنفيذ الاتفاق إلى بنية بيروقراطية معقدة تجاوزت التفويض الممنوح لها وأعطت الأولوية لتصورات سياسية بعيدة المدى على حساب الاحتياجات الإنسانية الملحة.
عقبتان أمام خارطة الطريق
تحدد مجموعة الأزمات الدولية عقبتين أساسيتين أدتا إلى تعثر خارطة الطريق المؤلفة من 15 نقطة. تتمثل الأولى في أداء «مجلس السلام»، فيما تتعلق الثانية بالخلاف بشأن تسلسل ونطاق نزع سلاح حماس.
وبحسب التقرير، تتمسك إسرائيل بعدم الانسحاب قبل نزع السلاح بصورة كاملة وتدمير جميع الأنفاق، وهو ما أدى عمليًا إلى تعطيل مسار إعادة الإعمار. وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن حماس وافقت، ضمن اتفاق يوليو/تموز، على تسليم الأسلحة الثقيلة تحت مراقبة دولية وتسجيل الأسلحة الخفيفة، مقابل انسحابات إسرائيلية تدريجية. لكن إسرائيل رفضت هذا الترتيب، قبل أن يتبنى مجلس السلام في 3 أغسطس/آب موقفًا يجعل نزع السلاح سابقًا لأي خطوات أخرى.
ويكتسب هذا الخلاف أهمية تتجاوز قضية السلاح نفسها، لأنه يربط عمليًا الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار والترتيبات السياسية المستقبلية بشرط يصعب التوصل إلى توافق بشأنه، ما يهدد بتحويل المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار إلى وضع دائم بدل أن تكون مدخلًا إلى تسوية أكثر استقرارًا.
انتقاد مباشر للدور الأميركي
يوجه التقرير انتقادًا واضحًا إلى إدارة واشنطن للعملية الدبلوماسية، معتبرًا أن مركزية الدور الأميركي أوجدت في بعض الحالات مشكلات أكثر مما قدمت حلولًا. وينتقد أداء مبعوثي مجلس السلام في إدارة المفاوضات ونقل نتائجها، معتبرًا أن ذلك أضعف مصداقية المجلس.
كما يرى أن تساهل الولايات المتحدة مع ما يصفه التقرير بانتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار، إلى جانب رفض واشنطن مقاربات أكثر براغماتية لمسألة نزع سلاح حماس، أدى إلى إحباط الوسطاء الآخرين المشاركين في العملية.
ويأخذ التقرير على واشنطن أيضًا الترويج لتصورات جديدة لمستقبل غزة تقوم على مشاريع تطوير واسعة، معتبرًا أنها لا تعطي وزنًا كافيًا لرغبات الفلسطينيين أو لتاريخ القطاع، وأن قطاعات من سكان غزة تنظر إليها بوصفها مشاريع وصائية يمكن أن تقوض حق تقرير المصير بدل أن تدعمه.
سيناريوهان قاتمان
في ظل استمرار المأزق، ترسم مجموعة الأزمات الدولية سيناريوهين رئيسيين لمستقبل القطاع.
الأول، وهو الأكثر ترجيحًا بحسب التقرير، يتمثل في نجاح الأطراف بالكاد في الحفاظ على المرحلة الأولى من الهدنة، من دون انتقال حقيقي إلى المراحل اللاحقة. وسيعني ذلك بقاء معظم سكان غزة في حالة إنسانية هشة ومستمرة، مع استمرار احتمالات التعرض لهجمات إسرائيلية دورية، ومن دون أفق واضح لإعادة الإعمار أو استعادة حكم فلسطيني فاعل.
أما السيناريو الثاني والأكثر خطورة، فهو انهيار الترتيبات الحالية واستئناف إسرائيل عملياتها العسكرية واسعة النطاق، سواء قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 أو بعدها، بما قد يقود إلى موجة جديدة من الدمار والنزوح الجماعي.
وفي الحالتين، يحذر التقرير من تراجع دور «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وهي الهيئة التكنوقراطية الفلسطينية التي كان يفترض أن تتولى قيادة مرحلة التعافي. فقد تصبح اللجنة مقيدة بالقوى المسيطرة فعليًا على الأرض وتفقد قبول السكان، أو تدخل في حالة من الشلل نتيجة تجدد العنف وتصاعده.
ثلاث خطوات لكسر المأزق
تقترح مجموعة الأزمات الدولية ثلاث خطوات موجهة بصورة أساسية إلى الولايات المتحدة والقوى الإقليمية والأوروبية، بما في ذلك أعضاء مجلس السلام.
تتمثل الخطوة الأولى في فصل التزامات المرحلة الأولى من الهدنة عن ملف نزع السلاح، بحيث يجري الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، بما يشمل تدفق المساعدات ووقف التوغلات العسكرية، بصرف النظر عن التقدم في مسار نزع سلاح حماس. وترى المجموعة أن تحقيق ذلك يتطلب رفع الكلفة السياسية والدبلوماسية المترتبة على تعطيل المساعدات أو استمرار العمليات العسكرية داخل القطاع.
أما الخطوة الثانية فهي دعم خطة تسليم السلاح التي جرى التوافق عليها فلسطينيًا في يوليو/تموز 2026، والتي وافقت عليها حماس وفصائل فلسطينية أخرى، بدل طرح ترتيبات جديدة. ويقترح التقرير استخدام مزيج من الضغوط والضمانات الدبلوماسية لضمان التزام الفصائل بالعملية والحصول في الوقت نفسه على موافقة إسرائيل عليها.
وتتمثل الخطوة الثالثة في تمكين الفلسطينيين من قيادة عملية التعافي وإدارة القطاع، من خلال تعزيز موقع اللجنة الوطنية لإدارة غزة وربطها بالسلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني، بما في ذلك مؤسسات الضفة الغربية، مع الاعتماد بدرجة أكبر على المؤسسات المحلية والأطر متعددة الأطراف المدعومة من الأمم المتحدة، بدل إنشاء هياكل متفرقة وغير منسقة تحت مظلة مجلس السلام.
منع الهدنة من التحول إلى «وعد فارغ»
في جوهره، ينظر تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى الأزمة الحالية باعتبارها اختبارًا يتجاوز مجرد الحفاظ على وقف إطلاق النار. فبقاء الهدنة من دون مسار واضح لإعادة الإعمار والحكم الفلسطيني ومعالجة قضية السلاح يمكن أن يحولها إلى حالة معلقة: لا حرب شاملة ولا سلام، فيما يبقى سكان غزة عالقين في أزمة إنسانية وسياسية مفتوحة.
ولهذا تختتم المجموعة تقريرها بتحذير يحمل دلالة عنوانه، مشيرة إلى أن الفلسطينيين تحملوا على مدى عقود الكثير من «الوعود الفارغة»، وأن وقف إطلاق النار الحالي ينبغي ألا يتحول إلى وعد آخر يضاف إليها.
ويظل ما يطرحه التقرير تقييمًا سياسيًا وتحليليًا لمجموعة الأزمات الدولية وتوصيات تعكس منظورها المؤسسي، وليس سردًا لحقائق محل إجماع بين الأطراف؛ إذ يتضمن نقدًا مباشرًا للسياسة الأميركية ولمجلس السلام ولسياسات إسرائيل وحماس، إلى جانب مجموعة محددة من التوصيات لصناع القرار.