تقرير منظمة العفو الدولية كيف تحولت الهند إلى أحد أبرز مزودي إسرائيل بالسلاح
ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2026 لا يمكن التعامل معه بوصفه تحقيقا حقوقيا عابرا بل يمثل وثيقة قانونية وسياسية تعيد رسم حدود المسؤولية الدولية في زمن الإبادة الجماعية. فالتقرير لا يكتفي بتوثيق تدفق الأسلحة الهندية إلى إسرائيل وإنما يربط هذا التدفق بالإطار القانوني الذي يحكم مسؤولية الدول عن نقل السلاح إلى أطراف تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. وبهذا المعنى يكشف التقرير تحولا واضحا في السياسة الخارجية الهندية إذ لم تعد نيودلهي تظهر بوصفها أحد أبرز الداعمين التاريخيين لحركات التحرر بقدر ما أصبحت شريكا رئيسيا في التعاون الدفاعي مع إسرائيل.
وتتجلى أهمية التقرير في الفترة التي يغطيها إذ يوثق عمليات التصدير بين السابع من أكتوبر 2023 ونهاية نوفمبر 2025 وهي المرحلة التي شهدت أعنف العمليات العسكرية في قطاع غزة. وخلال هذه الفترة كانت التحذيرات الدولية من خطر الإبادة الجماعية تتوالى وكانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت تدابيرها المؤقتة بينما دعا مجلس حقوق الإنسان إلى وقف نقل الأسلحة إلى إسرائيل. ومن ثم فإن استمرار تدفق السلاح في هذه الظروف لا يبدو مجرد تزامن زمني بل يعكس قرارا سياسيا بمواصلة التعاون العسكري رغم تصاعد التحذيرات القانونية.
ويستند التقرير إلى تحليل دقيق لبيانات التجارة البحرية والتصنيف الجمركي الدولي بعد استبعاد الشحنات ذات الاستخدام المدني أو الدفاعي البحت. وقد وثق 2596 شحنة تضمنت نحو 390 ألف قطعة من مكونات الأسلحة وأكثر من 565 ألف قطعة ذخيرة و298 مكونا للمركبات العسكرية. وتشير هذه الأرقام إلى الحد الأدنى لما أمكن التحقق منه بينما يرجح أن يكون الحجم الفعلي أكبر بسبب استخدام أوصاف ورموز تجارية عامة تجعل التمييز بين الاستخدامين المدني والعسكري أكثر صعوبة.
غير أن الأهمية الحقيقية للتقرير لا تكمن في حجم الصادرات فقط بل في هوية الجهات المصدرة. فقد كشف أن ثلاث شركات مملوكة بالكامل للحكومة الهندية شاركت بصورة مباشرة في تصدير الأسلحة إلى إسرائيل وهي ميونيشنز إنديا ليمتد وإنديا أوبتل ليمتد وأدفانسد ويبونز آند إكويبمنت إنديا ليمتد. وهذه الشركات نشأت بعد إعادة هيكلة مجلس مصانع الذخيرة الحكومي عام 2021 ونقل أصوله إليها.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية قانونية كبيرة لأن المحكمة العليا الهندية ولجنة القانون الهندية تعتبران الشركات التي تمتلك الدولة كامل أسهمها وتسيطر على إدارتها وتمويلها جزءا من الدولة بمفهوم المادة الثانية عشرة من الدستور الهندي. وبذلك فإن صادرات هذه الشركات لا تعد نشاطا تجاريا مستقلا وإنما تمثل أفعالا صادرة عن الدولة الهندية نفسها بما يرتب عليها مسؤولية قانونية مباشرة.
ويضع هذا الواقع الهند أمام التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية واتفاقيات جنيف التي تلزم الدول بعدم المساهمة في انتهاكات القانون الدولي الإنساني. كما أن محكمة العدل الدولية أكدت في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل وجود خطر حقيقي بوقوع إبادة جماعية ثم شددت في قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا على مسؤولية الدول في تجنب نقل الأسلحة عندما يحتمل استخدامها في انتهاك اتفاقيات جنيف أو اتفاقية الإبادة الجماعية.
سياسيا لم يكن الموقف الهندي بعيدا عن هذا المسار. فقد امتنعت نيودلهي عن التصويت على قرار مجلس حقوق الإنسان في أبريل 2024 الداعي إلى وقف نقل الأسلحة كما امتنعت عن التصويت على قرار الجمعية العامة في سبتمبر من العام نفسه المؤيد للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل وقعت في نوفمبر 2025 مذكرة تفاهم جديدة مع إسرائيل لتعزيز التعاون الدفاعي بما يعكس تمسكا بالشراكة العسكرية رغم تصاعد الضغوط الدولية.
كما يورد التقرير أسماء شركات خاصة بارزة واصلت تصدير الأسلحة والمكونات العسكرية إلى إسرائيل رغم التحذيرات الأممية. وهنا تبرز مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان التي تلزم الشركات بإجراء العناية الواجبة وتقييم مخاطر مساهمة منتجاتها في الانتهاكات الجسيمة والتوقف عن الأنشطة التي قد تؤدي إلى ذلك. وفي حال ثبت علم أي شركة باستخدام منتجاتها في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية فقد تواجه أشكالا مختلفة من المساءلة القانونية.
وعلى الصعيد الداخلي يكشف التقرير عن غياب إطار قانوني واضح يفرض على السلطات الهندية تقييم أثر صادرات السلاح على حقوق الإنسان قبل منح التراخيص. كما أن إجراءات المراجعة الحكومية تتم بسرية كبيرة ولا توجد مؤشرات على إدماج الالتزامات الدولية ضمن عملية اتخاذ القرار. وقد بدا هذا الخلل أكثر وضوحا عندما رفضت المحكمة العليا الهندية دعوى طالبت بإلغاء تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل معتبرة أن الأمر يدخل ضمن اختصاص السلطة التنفيذية.
إن ما يقدمه تقرير منظمة العفو الدولية يتجاوز مجرد توثيق حركة التجارة العسكرية فهو يكشف فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الهندي الذي يعلن دعمه للحقوق الفلسطينية وبين استمرار التعاون العسكري مع إسرائيل في واحدة من أكثر مراحل الصراع دموية. وهذه المفارقة تضع نيودلهي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى التزامها بالقانون الدولي وبالمبادئ التي تؤكد الدفاع عنها في المحافل الدولية.
وفي النهاية فإن القضية لا تتعلق بعدد الشحنات أو قيمة الصفقات بل بطبيعة المسؤولية التي تتحملها الدول عندما تستمر في تزويد أطراف النزاعات بالسلاح رغم التحذيرات الدولية المتكررة. وما يجري في غزة أصبح اختبارا حقيقيا لفاعلية القانون الدولي ولمدى استعداد الدول لترجمة التزاماتها القانونية إلى سياسات عملية. ومن هذا المنطلق يمثل تقرير منظمة العفو الدولية وثيقة مهمة تضع الهند أمام مسؤولية سياسية وقانونية وأخلاقية سيكون لها أثر مباشر على مكانتها الدولية وعلى الكيفية التي سيحكم بها التاريخ على مواقفها في هذه المرحلة.