تحقيق أميركي في تمويل صيني مزعوم لاحتجاجات مؤيدة لفلسطين في بريطانيا
واشنطن: تجري لجان في الكونغرس الأميركي تحقيقات في مزاعم تتعلق بتمويل صيني غير مباشر لأنشطة احتجاجية في بريطانيا، من بينها تحركات ومسيرات مؤيدة لفلسطين، عبر شبكة مالية مرتبطة برجل الأعمال التقني الأميركي نيفيل روي سينغهام ومجموعة «كود بينك» (Code Pink) النسوية اليسارية.
وبحسب تحقيق استقصائي نشرته صحيفة التلغراف البريطانية في 13 أغسطس/آب 2026، فإن التحقيق الأميركي يركز على شبكة من المنظمات والشركات المرتبطة بسينغهام، وسط شبهات بأن أموالاً انتقلت عبر هذه الشبكة إلى جهات مرتبطة بأنشطة «كود بينك» في بريطانيا. وتأتي التحقيقات ضمن تدقيق أميركي أوسع في احتمالات وجود تدخل أجنبي في الحركات الاحتجاجية والسياسية في الدول الغربية.
أموال تتجاوز 250 ألف جنيه إسترليني
تقول «التلغراف» إن المحققين الأميركيين يدرسون مزاعم تتعلق بمدفوعات لشركة بريطانية مرتبطة بـ«كود بينك»، مصدرها منظمات وشركات يُزعم ارتباطها بشبكة سينغهام.
ووفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة، تلقت الشركة البريطانية أكثر من 250 ألف دولار، أي نحو 190 ألف جنيه إسترليني، من منظمات يُزعم أنها جزء من شبكة سينغهام خلال عامي 2020 و2021. وفي عام 2024، تلقت مبلغاً إضافياً قدره 94,950 دولاراً، أي نحو 70 ألف جنيه إسترليني، من «مؤسسة دعم الشعب» مقابل خدمات استشارية. وبذلك تتجاوز قيمة المبالغ المشار إليها في التحقيق 250 ألف جنيه إسترليني.
ويرتبط اسم سينغهام منذ سنوات بتحقيقات أميركية بشأن شبكة من المؤسسات والمنظمات التي يتهمها مسؤولون وسياسيون أميركيون بالترويج لمواقف متوافقة مع بكين. وكان سينغهام قد باع شركته التقنية «ثوت وركس» عام 2017 مقابل 785 مليون دولار.
«كود بينك» ونشاطها في بريطانيا
«كود بينك» مجموعة احتجاجية نسوية يسارية تأسست في الولايات المتحدة، وتنشط في عدد من الملفات المرتبطة بالحروب والسياسة الخارجية الأميركية والغربية. وخلال الحرب في غزة، شجعت المجموعة أنصارها على المشاركة في مسيرات مؤيدة لفلسطين، كما نظمت احتجاجات استهدفت وزارة الدفاع البريطانية ومكاتب شركات تعمل في الصناعات العسكرية.
ووفق التحقيق، شجعت المجموعة أيضاً ناشطيها على التظاهر خارج قواعد لسلاح الجو الملكي البريطاني احتجاجاً على السياسة البريطانية تجاه غزة. كما شاركت في تحركات ضد الوجود العسكري البريطاني في الخارج، بما في ذلك احتجاج عند قاعدة «آر إيه إف أكروتيري» الجوية البريطانية في قبرص، التي استخدمت في رحلات مراقبة فوق غزة.
ومن أبرز الناشطين المرتبطين بأنشطة المجموعة في بريطانيا سوزي غيلبرت، التي توصف بأنها جهة اتصال لـ«كود بينك» هناك. وشملت أنشطتها حملة «السلام مع إيران»، واحتجاجات تطالب بإزالة القواعد العسكرية البريطانية في قبرص، إضافة إلى زيارة للصين تحت شعار «الصين ليست عدونا». ونفى متحدث باسمها وجود أي ارتباط بحملة دعائية لمصلحة بكين.
الكونغرس يوسع التحقيق
قال جيسون سميث، رئيس لجنة الطرق والوسائل في الكونغرس الأميركي، إن تحقيق اللجنة يشير إلى أن نفوذ وأموال سينغهام لا تتوقف عند حدود الولايات المتحدة، وإن المحققين يدرسون أنشطة مرتبطة به خارج البلاد، بما في ذلك المملكة المتحدة.
كما نقلت «التلغراف» عن مصدر في الكونغرس قوله إن المحققين على علم بمزاعم تتعلق بتمويل صيني لمجموعات في بريطانيا، وإن هذه المعلومات أصبحت جزءاً من التحقيق الجاري.
وتخضع «كود بينك» نفسها لتدقيق أميركي بسبب علاقتها المالية بسينغهام، إذ تلقت المجموعة في الولايات المتحدة ملايين الدولارات منه. وسبق للجنة في الكونغرس أن اتهمت المجموعة، التي شاركت في تأسيسها جودي إيفانز، زوجة سينغهام، بأنها تتلقى تمويلاً وتتأثر بشبكته وبالحكومة الصينية، وهي اتهامات تنفيها الأطراف المعنية.
مخاوف من «حرب سياسية»
تتجاوز القضية، وفق التحقيق، مسألة تمويل منظمة بعينها، إذ تأتي وسط مخاوف متزايدة لدى دوائر سياسية وأمنية غربية من أن بكين قد تسعى إلى استغلال القضايا الخلافية داخل المجتمعات الغربية لتوسيع الانقسامات السياسية والاجتماعية.
ويشير التحقيق إلى اتهامات سابقة للصين باستخدام حملات سرية على وسائل التواصل الاجتماعي لتضخيم التوترات القائمة في الغرب. كما يستشهد بتقرير لجامعة كارديف صدر عام 2021، خلص إلى أن حسابات مرتبطة بالصين نشرت دعوات للعنف قبيل اقتحام مبنى الكابيتول الأميركي، وهو ما اعتبره باحثون مؤشراً على انتقال محتمل من الدعاية الحكومية التقليدية إلى محاولات تضخيم الانقسامات الداخلية في الدول المنافسة.
مطالب بتحقيق بريطاني
أثارت المزاعم الواردة في التحقيق ردود فعل داخل البرلمان البريطاني. وطالبت النائبة العمالية سارة تشامبيون لندن بالتعاون مع واشنطن للتحقيق في المدفوعات ومدى تأثيرها والجهات التي تقف خلفها.
بدورها، دعت النائبة المحافظة أليشيا كيرنز الحكومة البريطانية إلى إجراء تحقيق عاجل في الشبكات المشار إليها واستخدام قانون الأمن القومي ضد أي أفراد يثبت أنهم يعملون لصالح الحزب الشيوعي الصيني من دون التسجيل وفق القواعد القانونية المعمول بها.
وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن حماية الأمن القومي والديمقراطية البريطانية تمثل أولوية للحكومة، مؤكداً أنها ستواصل اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية المؤسسات الديمقراطية من التهديدات المدعومة من دول أجنبية.
سينغهام و«كود بينك» ينفيان الاتهامات
في المقابل، ينفي نيفيل روي سينغهام بصورة قاطعة العمل لحساب الحكومة الصينية أو الحزب الشيوعي الصيني. وسبق أن أكد أنه لا يعمل لصالح أي حزب سياسي أو حكومة ولا يتلقى منها أوامر أو تعليمات، وأن نشاطه يستند إلى قناعاته وآرائه الشخصية.
كما نفت «كود بينك» الاتهامات الموجهة إليها، ووصفتها سابقاً بأنها «كذبة كبيرة وفجة». وأكدت الشريكة المؤسسة للمجموعة ميديا بنجامين أن المنظمة لا تتلقى أموالاً من الحزب الشيوعي الصيني.
قضية لم تُحسم بعد
تظل المزاعم المتعلقة بوجود تمويل صيني موجه لأنشطة «كود بينك» أو للاحتجاجات المؤيدة لفلسطين قيد التحقيق ولم تثبت قضائياً حتى الآن. كما أن جانباً أساسياً من المعلومات التي أوردتها «التلغراف» يستند إلى تحقيقات تقودها لجان في الكونغرس الأميركي وإلى مصادر غير مسماة داخله.
وعليه، فإن القضية في مرحلتها الحالية تتعلق بتحقيق في تمويل صيني مزعوم وليست إثباتاً بأن الحكومة الصينية موّلت بصورة مباشرة المسيرات المؤيدة لفلسطين في بريطانيا. وقد نفى كل من سينغهام و«كود بينك» بصورة صريحة الادعاءات المركزية المتعلقة بتلقي تمويل من الحزب الشيوعي الصيني.
ومع ذلك، يفتح التحقيق ملفاً أوسع يتعلق بمدى قدرة القوى الخارجية على توظيف شبكات التمويل والمنظمات السياسية والاحتجاجية للتأثير في النقاشات الداخلية للديمقراطيات الغربية، وهو ما يرجح أن يبقي القضية موضع تدقيق أميركي وبريطاني مع استمرار التحقيقات في مصادر الأموال وشبكات انتقالها والجهات المستفيدة منها.