أخبار

تقرير أمريكي يحذر من “ثلاثية الإقصاء” في سوريا والعراق ولبنان: بيئة خصبة للتطرف وتوسيع النفوذ الإيراني

 تقرير أمريكي يحذر من “ثلاثية الإقصاء” في سوريا والعراق ولبنان: بيئة خصبة للتطرف وتوسيع النفوذ الإيراني

واشنطن: حذر تقرير صادر عن مجلس سياسة الشرق الأوسط (Middle East Policy Council - MEPC) من أن سياسات الإقصاء السياسي والطائفي والمؤسساتي في سوريا والعراق ولبنان تمثل أحد أبرز العوامل المهددة لاستقرار الشرق الأوسط، معتبراً أن هذه السياسات تخلق بيئة مواتية لتصاعد التطرف وتعزيز النفوذ الإيراني وإضعاف مؤسسات الدولة والقوى المحلية الشريكة. ويستند التقرير، الذي أعده الباحثان إليزابيث تسوركوف وفيصل عيتاني، إلى دراسة مقارنة لثلاث حالات مختلفة من الإقصاء السياسي في الدول الثلاث.

وأوضح التقرير أن سوريا تمثل نموذجاً لإقصاء الأقليات من قبل السلطة المركزية، بينما يجسد العراق نموذج احتكار النخبة السياسية للمؤسسات الديمقراطية الشكلية، في حين يعكس لبنان حالة تهميش سياسي نتجت عن هيمنة حزب الله على مؤسسات الدولة. ويرى الباحثان أن اختلاف الآليات لا يغيّر من النتيجة النهائية، وهي إضعاف الاستقرار الداخلي وتوسيع فرص التدخلات الخارجية ونمو الجماعات المتطرفة.

وأشار التقرير إلى أن انهيار التعددية السياسية والاجتماعية في المنطقة أدى إلى موجات متلاحقة من النزاعات واللجوء، كما وفر بيئة استغلتها التنظيمات المتشددة، وعلى رأسها تنظيم “داعش”، إلى جانب الشبكات الإقليمية المدعومة من إيران. وفي المقابل دعا إلى ربط المساعدات الأمريكية بمعايير واضحة للشمول السياسي، مع إصدار تقارير دورية تقيم أوضاع الأقليات والفئات المهمشة.

سوريا: إقصاء الدروز وتركيز السلطة

وبحسب التقرير، فإن النظام السياسي السوري الذي تشكل بعد سقوط نظام بشار الأسد بات يتركز في يد قيادة ضيقة من المسؤولين المنحدرين من هيئة تحرير الشام، مع غياب فعلي لتمثيل المكونات الأخرى، وفي مقدمتها الطائفة الدرزية التي تشكل نحو 3% من سكان البلاد. ويرى التقرير أن السلطة الجديدة فضلت تركيز القرار بدلاً من توسيع المشاركة السياسية، رغم الاتصالات التي جرت مع ممثلين عن السويداء.

ووفق التقرير، شهدت مفاوضات دمشق مع قيادات السويداء تعثراً انتهى باستخدام القوة العسكرية خلال أحداث يوليو 2025، وهي المواجهات التي وثقتها لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وعمليات نزوح واسعة، قبل أن يؤدي التدخل الإسرائيلي إلى انسحاب القوات الحكومية من المحافظة.

ويشير التقرير إلى أن الإقصاء لم يقتصر على العلاقة بين دمشق والدروز، بل امتد أيضاً إلى داخل المجتمع الدرزي نفسه، حيث عززت القيادات المحلية المتشددة نفوذها، وتراجعت مساحة المعارضة الداخلية، مع ظهور مؤسسات أمنية وإدارية موازية في المحافظة. ‎⁨

وفي هذا السياق، أوصى التقرير بالضغط على الحكومة السورية لاتخاذ خطوات تتعلق بالمصالحة والمحاسبة وتوسيع هامش الإدارة المحلية في السويداء، إضافة إلى تشجيع تفاهم بين دمشق وقيادات المحافظة يسمح بعودة مؤسسات الدولة مع بقاء الأمن الداخلي بيد أبناء المنطقة. كما دعا إلى إعلان أمريكي-إسرائيلي واضح يرفض إقامة دولة درزية مستقلة.

العراق: احتكار المؤسسات وإقصاء المنافسين

ويرى التقرير أن العراق يمثل نموذجاً لما يسميه “نظام الوصول المحدود”، حيث تستخدم النخبة السياسية المؤسسات الدستورية والقانونية للحفاظ على احتكار السلطة ومنع ظهور منافسين حقيقيين، رغم استمرار العملية الانتخابية شكلياً. ويعيد الباحثان جذور هذا المسار إلى الأزمة السياسية التي أعقبت انتخابات عام 2010، معتبرين أنها شكلت نقطة تحول في بنية النظام السياسي العراقي.

ويعدد التقرير عدداً من الأدوات التي تستخدمها القوى الحاكمة لترسيخ نفوذها، من بينها تعديل قوانين الانتخابات، وتفسيرات المحكمة الاتحادية، واستبعاد مئات المرشحين، وتوسيع التوظيف الحكومي لأغراض انتخابية، والسيطرة على وسائل الإعلام، إضافة إلى شراء الأصوات وتنامي دور الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي. كما يشير إلى اغتيال عدد من النشطاء والصحفيين في ظل ضعف المساءلة القانونية.

ويخلص التقرير إلى أن المعارضة العراقية فشلت في تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى مشروع سياسي منظم، نتيجة الانقسامات الداخلية وضعف الخبرة التنظيمية، الأمر الذي سمح للنظام القائم بالحفاظ على تماسكه رغم تراجع شعبيته. ‎⁨

لبنان: تهميش السنة وتعزيز هيمنة حزب الله

أما في لبنان، فيرى التقرير أن الخلل لا يتمثل في وجود أغلبية وأقلية، وإنما في اختلال ميزان القوة بين الطوائف نتيجة تعاظم نفوذ حزب الله، وهو ما انعكس، بحسب الدراسة، في تراجع الدور السياسي للطائفة السنية منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وصولاً إلى أحداث مايو 2008 التي كرست، وفق التقرير، حق النقض الذي حصل عليه الحزب داخل السلطة التنفيذية.

ويشير الباحثان إلى أن إضعاف حزب الله بعد المواجهات مع إسرائيل خلال عامي 2024 و2026 أوجد فرصة جديدة لإعادة تعزيز دور مؤسسات الدولة، لافتين إلى أن نجاح هذه الفرصة يعتمد على حجم الدعم الأمريكي العلني لرئيس الوزراء اللبناني ومؤسسات الدولة، وربط المساعدات العسكرية للجيش اللبناني بفرض سلطة الدولة على السلاح خارج إطارها الرسمي.

توصيات سياسية

وفي خلاصة التقرير، يؤكد الباحثان أن حالات الإقصاء في سوريا والعراق ولبنان كانت قابلة للرصد قبل وصولها إلى مستوياتها الحالية، إلا أن غياب استجابة أمريكية متماسكة حال دون التعامل معها في مراحل مبكرة. ولذلك يوصيان بإقرار تشريع أمريكي يلزم وزارة الخارجية بإصدار تقرير سنوي يقيس مستويات الشمول السياسي والاستقرار في دول المنطقة، وربط المساعدات الأمريكية بنتائج هذا التقييم.

كما يدعو التقرير إلى متابعة أوضاع السويداء في سوريا، ورصد تطورات العملية السياسية في العراق، ومراقبة قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها، مع ربط المساعدات وإعادة الإعمار والإسناد الأمني بمعايير تتعلق بالحكم الرشيد والمشاركة السياسية واحتكار الدولة للسلاح.

المصدر: التقرير الأصلي “Reversing the Corrosive Politics of Exclusion” الصادر عن مجلس سياسة الشرق الأوسط (Middle East Policy Council - MEPC) في يوليو/تموز 2026، من إعداد إليزابيث تسوركوف وفيصل عيتاني.