تقرير: حرب إيران تهز التقارب الاقتصادي بين واشنطن والخليج وتقلص الفائض التجاري الأميركي إلى أقل من الثلث
واشنطن: أظهر تحليل نشره معهد دول الخليج العربية في واشنطن (AGSI) أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران أحدثت تحولًا حادًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، بعدما كانت هذه العلاقات تشهد توسعًا ملحوظًا منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025. ويخلص التحليل إلى أن الحرب أدت خلال أشهر قليلة إلى تراجع التجارة والاستثمارات، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا التراجع ظرفيًا أم بداية لإعادة تشكيل أعمق للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
وبحسب التقرير، شهدت الأشهر التي أعقبت زيارة ترامب إلى الخليج في مايو/أيار 2025 نموًا ملحوظًا في العلاقات التجارية، إذ ارتفعت الصادرات الأميركية إلى دول مجلس التعاون بأكثر من 20% مقارنة بالفترة السابقة، بينما قفز الفائض التجاري الأميركي مع دول الخليج إلى نحو 36 مليار دولار، مدفوعًا بانخفاض الواردات الأميركية من المنطقة.
إلا أن اندلاع الحرب مع إيران غيّر هذا المسار بصورة سريعة، إذ أدى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز وتعطل حركة الملاحة إلى اضطراب كبير في سلاسل الإمداد، ولم تنجح عمليات إعادة توجيه الشحنات إلا في الحد جزئيًا من الخسائر، وهو ما انعكس مباشرة على حجم التجارة بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
ويشير التقرير إلى أن الصادرات الأميركية إلى دول مجلس التعاون انخفضت بنحو 30% خلال الفترة بين مارس/آذار ومايو/أيار 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع تفاوت كبير بين الدول، حيث بلغ الانخفاض نحو 22% في الإمارات، بينما وصل إلى 70% في البحرين. وفي المقابل، تراجعت الواردات الأميركية من الخليج بنحو 16%، باستثناء السعودية وسلطنة عُمان اللتين سجلتا ارتفاعًا نسبيًا نتيجة عوامل لوجستية وإعادة توجيه بعض الصادرات عبر مسارات بديلة.
وأدى هذا التراجع إلى تقلص الفائض التجاري الأميركي مع دول الخليج إلى نحو 4.6 مليارات دولار فقط خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، بعدما كان يقارب 8 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام السابق، أي إلى أقل من ثلث مستواه السابق تقريبًا.
وعلى الصعيد المالي، يرصد التقرير تغيرًا في حركة الاستثمارات الخليجية داخل الأسواق الأميركية. فبينما واصلت الكويت زيادة حيازاتها من الأصول المالية الأميركية بنحو 40 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، باعت السعودية أصولًا أميركية بقيمة 19 مليار دولار، والإمارات أصولًا بقيمة 15 مليار دولار، في حين يشير التقرير إلى أن الزيادة الإجمالية في قيمة بعض الحيازات خلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية تعود في معظمها إلى ارتفاع أسعار الأصول الأميركية وليس إلى استثمارات جديدة.
كما يلفت التقرير إلى أن إجمالي الحيازات الخليجية من الأوراق المالية الأميركية بلغ نحو 1.3 تريليون دولار، إلا أن القيمة الفعلية قد تكون أعلى بكثير، لأن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات الخليجية يُسجل عبر مراكز مالية خارجية مثل برمودا وجزر كايمان، وهو ما يجعل البيانات الرسمية أقل من الحجم الحقيقي للاستثمارات.
ورغم هذه التطورات، يرى كاتب الدراسة، تيم كالين، أن ما حدث قد يكون “مطبًا مؤقتًا” أكثر منه تحولًا استراتيجيًا دائمًا، مشيرًا إلى أن المصالح المتبادلة لا تزال قوية، إذ تحتاج دول الخليج إلى التكنولوجيا الأميركية المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والدفاع والتصنيع، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى جذب رؤوس الأموال الخليجية لدعم اقتصادها. لكنه يحذر من أن مستقبل هذه العلاقة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، أبرزها توقيت انتهاء الحرب، واستقرار الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، واتجاهات الاستثمار الخليجي خلال مرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى تصاعد المنافسة الصينية على النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
ويؤكد التقرير أن هذه القراءة تستند إلى بيانات رسمية صادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية، مع إشارة الكاتب نفسه إلى أن تقديرات الحيازات الخليجية للأصول الأميركية قد تكون أقل من الواقع بسبب تسجيل جزء من الاستثمارات عبر دول وسيطة، وهو تحفظ منهجي أورده المقال الأصلي.