أخبار

تحذير قاليباف من «الجوع» يكشف انقساماً إيرانياً حول كلفة الضغط الأميركي

تحذير قاليباف من «الجوع» يكشف انقساماً إيرانياً حول كلفة الضغط الأميركي

طهران: كشف تحذير رئيس البرلمان الإيراني ورئيس فريق التفاوض محمد باقر قاليباف من أن إيران «لن تصمد إذا جاع شعبها» عن خلاف متزايد داخل دوائر السلطة في طهران بشأن الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع الضغوط الاقتصادية الأميركية، بين مسؤولين يقرّون بصعوبة الأوضاع الداخلية وضرورة الاستعداد لحصار طويل، وأصوات متشددة ترى أن الاعتراف العلني بالهشاشة الاقتصادية يبعث برسالة ضعف إلى واشنطن ويشجعها على زيادة الضغط.

وبحسب تقرير نشره موقع Iran International، بقلم مريم سينايي في 22 أغسطس/آب 2026، أثارت تصريحات قاليباف ردود فعل حادة داخل الأوساط المتشددة، بالتزامن مع استعداد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشديد حملتها الاقتصادية ضد الجمهورية الإسلامية.

القوة العسكرية لا تكفي

جاءت تصريحات قاليباف خلال لقاء مع رجال أعمال إيرانيين وعراقيين في السفارة الإيرانية في بغداد، حيث شدد على ضرورة أن ترافق القوة الاقتصادية القدرات العسكرية للبلاد، محذراً من أن امتلاك القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها، لن يكون كافياً لضمان صمود إيران إذا واجه الإيرانيون الجوع وتراجعت حركة الأموال والنمو الاقتصادي.

ودعا رئيس البرلمان الإيراني إلى التخطيط لمواجهة ما وصفه بـ«العقوبات الجائرة»، في إشارة إلى الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها بلاده.

لكن هذه الرسالة، التي تبدو في ظاهرها دعوة لتعزيز الجبهة الاقتصادية الداخلية، أثارت اعتراضات في الأوساط المتشددة. واعتبر منتقدو قاليباف أن الإقرار علناً بتأثير الضغوط الأميركية قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، من خلال تعزيز اعتقاد واشنطن بأن العقوبات بدأت تؤتي ثمارها.

وكان من أبرز المنتقدين الإعلامي السابق في التلفزيون الرسمي الإيراني مسعود براتي، الذي رأى أن تصريحات قاليباف تحمل «رسالة ضعف»، وتعزز صورة إيران باعتبارها الطرف الهش في المواجهة، بما قد يشجع الولايات المتحدة على زيادة الضغط الاقتصادي. ولم يقتصر هذا الخطاب على وسائل الإعلام، إذ تحول التحذير من «إظهار الضعف» إلى موضوع حاضر في خطب صلاة الجمعة في عدد من المدن الإيرانية.

واشنطن تراهن على الاقتصاد

يتزامن الجدل الداخلي الإيراني مع اتجاه إدارة ترامب نحو تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران. ووفق التقرير، وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الحزمة المرتقبة بأنها «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران، في إطار حملة تهدف إلى الجمع بين الحصار الأميركي القائم وعقوبات إضافية واسعة.

وقال بيسنت إن واشنطن تسعى إلى بناء أكبر عزلة اقتصادية منسقة ضد إيران، مع الضغط على حلفائها ودول أخرى، من بينها الصين، للمشاركة في الحملة.

أما نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، فذهب إلى أن طهران لن تستطيع تحمل الضغط الاقتصادي إلى أجل غير مسمى، سواء استمر لأسابيع أو أشهر أو أكثر. وفي الوقت نفسه، أقر بأن إيران تمارس بدورها ضغطاً اقتصادياً على الولايات المتحدة، لكنه اعتبر أن طهران تظل الطرف الأكثر تأثراً في المواجهة.

وبذلك تبدو الاستراتيجية الأميركية قائمة على افتراض أن إطالة أمد المواجهة الاقتصادية ستزيد الضغوط الداخلية على النظام الإيراني، وهو تحديداً ما يجعل تصريحات قاليباف حساسة بالنسبة إلى المتشددين؛ لأنها قد تُقرأ في واشنطن بوصفها دليلاً على أن الضغط الاقتصادي بدأ يلامس إحدى نقاط الضعف الأساسية للنظام.

طهران ترفض الاعتراف بالحصار

في المقابل، حافظت المؤسسات الرسمية الإيرانية على خطاب علني رافض للحملة الأميركية. ونددت وزارة الخارجية الإيرانية بالعقوبات الاقتصادية والتجارية، ووصفتها بأنها تعكس الطابع «اللاإنساني وغير القانوني والهيمني» للسياسة الأميركية، معتبرة أن العقوبات والضغط الاقتصادي يمثلان الوجه الآخر للحرب والعدوان العسكري.

كما هاجم وزير الخارجية عباس عراقجي الحملة الاقتصادية الأميركية، معتبراً أنها محاولة لصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية للولايات المتحدة، ولا سيما ارتفاع الديون وتكاليف الفائدة، ومحذراً من أن استمرار واشنطن في سياساتها لن يؤدي سوى إلى مزيد من العداء الإيراني لها.

غير أن هذا الخطاب لا يخفي بالكامل المخاوف الاقتصادية داخل النظام. فقد أقر الرئيس مسعود پزشكيان مراراً، في تصريحاته ومقابلاته، بتدهور الوضع الاقتصادي، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي الرافض لإظهار أثر الضغوط الأميركية وبين إدراك كبار المسؤولين لحجم التحديات الداخلية التي تواجه البلاد.

خطباء الجمعة يصعّدون

انعكست هذه المقاربة المتشددة بوضوح في خطب صلاة الجمعة في عدة مدن إيرانية، حيث رُفضت الرواية الأميركية بشأن قدرة العقوبات على إنهاك طهران، بالتوازي مع التمسك بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً وتصعيد لغة التهديد.

ففي كرمانشاه، اعتبر حبيب الله غفوري تجدد الحديث عن العقوبات والحصار الاقتصادي دليلاً على فشل خصوم إيران في تحقيق أهدافهم عسكرياً. وفي أردبيل، وصف حسن عاملي تصريحات ترامب بأنها «عملية نفسية كبرى» تستهدف التأثير في الرأي العام والأسواق الإيرانية.

وفي سمنان، رأى مرتضى مطيعي أن الولايات المتحدة نفسها تواجه تكاليف مرتفعة وتحديات لوجستية وضغوطاً دولية، بينما ذهب محمد باقر الإيني في ساري إلى أن سيطرة إيران على مضيق هرمز تمنحها أداة ضغط مباشرة على الولايات المتحدة.

أما في بجنورد، فحذر رضا نوري دول المنطقة من المشاركة في حصار بحري على إيران، قائلاً إنه إذا مُنعت إيران من الاستيراد والتصدير، فلا ينبغي السماح للآخرين بالقيام بذلك.

الخلاف يتجاوز الاقتصاد

لا يبدو الجدل الذي أثارته تصريحات قاليباف مجرد خلاف حول توصيف الوضع الاقتصادي، بل يعكس معضلة أوسع تواجه القيادة الإيرانية: كيف يمكن تعبئة المجتمع لمواجهة حصار طويل من دون الاعتراف بأن هذا الحصار يشكل بالفعل خطراً على استقرار الدولة؟

فالتيار الذي يمثله خطاب قاليباف ينطلق من ضرورة التعامل مع الاقتصاد باعتباره جزءاً أساسياً من القدرة على الصمود، إلى جانب القوة العسكرية. وفي المقابل، يخشى المتشددون من أن تتحول أي إشارة إلى الهشاشة الاقتصادية إلى عنصر في استراتيجية الخصم، وأن يؤدي الاعتراف العلني بالمصاعب إلى تعزيز الضغوط بدلاً من المساعدة على مواجهتها.

وهذا التباين يظهر أيضاً في الفارق بين الخطاب الرسمي الإيراني، الذي يقدم العقوبات باعتبارها امتداداً للحرب الأميركية وفشلاً في تحقيق الأهداف عسكرياً، وبين تصريحات مسؤولين كبار، من بينهم قاليباف وپزشكيان، تشير إلى إدراك متزايد لخطورة استمرار التدهور الاقتصادي.

خطر انتقال الضغط الاقتصادي إلى مواجهة أوسع

ويضيف التقرير بُعداً أكثر خطورة إلى هذه المعادلة، ناقلاً عن المحلل السياسي الإيراني الكندي شهير شهيد سالس تقديره بأن تصاعد الضغط الاقتصادي قد يدفع الجمهورية الإسلامية إلى رفض الانتظار حتى تتآكل قدراتها تدريجياً، وربما الاتجاه إلى حرب أوسع إذا اعتقدت القيادة أن بقاء النظام بات مهدداً.

وحذر سالس من أن مثل هذا السيناريو قد يصبح أكثر احتمالاً إذا استندت القرارات إلى «ثقة مفرطة وزائفة»، مشيراً إلى أن الإيرانيين العاديين سيكونون في النهاية الأكثر تحملاً لتكاليف أي مواجهة واسعة. ويظل هذا السيناريو تقديراً تحليلياً وليس حقيقة مؤكدة أو موقفاً رسمياً إيرانياً.

في المحصلة، تكشف الضجة التي أثارتها تصريحات قاليباف أن المواجهة الاقتصادية باتت تتجاوز مسألة العقوبات وتأثيراتها المباشرة إلى صراع داخل المؤسسة الإيرانية حول كيفية تقديم الأزمة إلى الجمهور والخارج. فبينما يرى بعض المسؤولين أن الاعتراف بحجم المشكلة شرط ضروري لبناء اقتصاد قادر على الصمود، يعتبر المتشددون أن مجرد الاعتراف بالضعف يمنح واشنطن دليلاً على فاعلية استراتيجيتها.

ومع استمرار الضغوط الأميركية، تصبح قدرة طهران على الموازنة بين الحفاظ على صورة القوة من جهة، والتعامل الواقعي مع التدهور الاقتصادي من جهة أخرى، عنصراً حاسماً في تحديد مسار المواجهة. وفي هذا السياق، قد يكون الجدل حول عبارة قاليباف بشأن «الجوع» مؤشراً إلى سؤال أكبر يواجه النظام الإيراني: إلى أي مدى يستطيع تحويل قوته العسكرية إلى قدرة سياسية واقتصادية على الصمود في مواجهة حرب استنزاف طويلة؟