أخبار

تقرير: الصين تعيد رسم قواعد الاشتباك في بحر الصين الجنوبي بخطوات هادئة لتكريس السيطرة

تقرير: الصين تعيد رسم قواعد الاشتباك في بحر الصين الجنوبي بخطوات هادئة لتكريس السيطرة

بكين: تشير قراءة تحليلية نشرتها مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) إلى أن الصين دخلت مرحلة جديدة في استراتيجيتها ببحر الصين الجنوبي، تقوم على ترسيخ السيطرة الفعلية عبر إجراءات تدريجية وهادئة تستهدف المعالم الأرضية غير المأهولة، بدلاً من الاعتماد فقط على المواجهات البحرية المباشرة. ويرى التحليل أن هذا النهج يسمح لبكين بتغيير الوضع القائم بصورة تراكمية، مع تقليل احتمالات ردود الفعل الدولية الحادة.⁩

وبحسب المقال الذي أعدته الباحثة لين كووك، حاملة كرسي لي كوان يو في مؤسسة بروكينغز والمتخصصة في القانون الدولي للبحار وأمن جنوب شرق آسيا، فإن التحول ظهر بوضوح في أبريل/نيسان 2025 عندما أنزلت الصين عناصر من خفر سواحلها على ضفة “ساندي كاي” الرملية في جزر سبراتلي ورفعت العلم الصيني، في أول تأكيد سيادي ميداني على معلم غير مأهول منذ أكثر من عقد، بما يعكس انتقال بكين من التركيز على المطالب البحرية إلى تعزيز مطالبها بالسيادة على المعالم الأرضية نفسها⁩.

ويستعرض التحليل مؤشرات أخرى على هذا التحول، من بينها بدء أعمال تجريف واسعة في شعاب “أنتيلوب” بجزر باراسيل خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، في أول مشروع صيني كبير لبناء الجزر منذ نحو عقد. وتشير صور الأقمار الصناعية، وفق المقال، إلى أن الموقع يتجه ليصبح قاعدة عسكرية متقدمة قادرة على استيعاب مدرج للطائرات وميناء ومنشآت صاروخية وبنية تحتية للحرب الإلكترونية والاستشعار.

ويرى المقال أن هذه التحركات تتجاوز التفاهمات السياسية التي توصلت إليها الصين ودول رابطة “آسيان” عام 2002 بشأن عدم استيطان المعالم غير المأهولة، كما تنهي عملياً قاعدة “ضبط النفس” التي حكمت النزاعات في المنطقة طوال نحو ربع قرن.⁩

وفي الوقت الذي انخفضت فيه حدة الاحتكاكات البحرية مقارنة بالفترة بين 2023 و2024، يشير المقال إلى أن الاشتباكات عادت للتصاعد خلال يوليو/تموز 2026، بعد اتهام الفلبين خفر السواحل الصيني بالاعتداء على بحارة فلبينيين واستخدام خراطيم المياه ضد سفنها بالقرب من سكاربورو شول، بما يعكس استمرار التوتر رغم فترات الهدوء النسبي.⁩

كما يلفت التحليل إلى أن بكين عززت سيطرتها الإدارية على سكاربورو شول عبر إعلان المنطقة محمية طبيعية وطنية، في خطوة تمنحها غطاءً قانونياً لتقييد أنشطة الصيد تحت عنوان حماية البيئة، إلى جانب نشر منشآت عائمة مؤقتة قبل سحبها لاحقاً، وهو ما ينسجم مع استراتيجية تعتمد أدوات مدنية وإدارية إلى جانب أدوات القوة التقليدية.⁩

ويؤكد المقال أن حكم محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي عام 2016 أبطل الأساس القانوني لمطالب الصين التاريخية ضمن “خط النقاط التسع”، واعتبر أن المعالم المتنازع عليها لا تمنح مناطق اقتصادية خالصة. إلا أن بكين، بحسب التحليل، استغلت الفراغ القانوني المتعلق بحسم السيادة على المعالم الأرضية نفسها، وهو ما أتاح لها توسيع تحركاتها البرية بصورة يصعب الطعن فيها مقارنة بالمطالب البحرية. ‎⁩

وفي المقابل، تواصل الفلبين توسيع شراكاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة وأستراليا واليابان لتعزيز قدراتها في مواجهة الضغوط الصينية، مستفيدة من دعم عسكري وتمويلي أمريكي متزايد، غير أن المقال يشير إلى أن اعتماد الاقتصاد الفلبيني الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط وتأثره بتداعيات الحرب الإيرانية قد يدفع مانيلا إلى اتباع مقاربة أكثر براغماتية تجاه بكين، بما يشمل استئناف محادثات التعاون في مجالي النفط والغاز وتهدئة التوترات البحرية.⁩

ويخلص تحليل فورين أفيرز إلى أن الصين تتبع استراتيجية تقوم على “التراكم دون الحسم”، عبر تنفيذ سلسلة من الخطوات الصغيرة التي قد تبدو محدودة التأثير منفردة، لكنها تؤدي مجتمعة إلى تغيير تدريجي ودائم في ميزان السيطرة داخل بحر الصين الجنوبي. ويحذر المقال من أن استمرار هذا النهج قد يعزز القدرات العسكرية الصينية، ويقوض فرص التوصل إلى مدونة سلوك ملزمة في البحر، فيما يدعو الولايات المتحدة إلى عدم الاكتفاء بالردع العسكري، بل توسيع أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية وتعزيز حضور خفر السواحل الأمريكي في المنطقة لمواجهة ما يصفه بـ”المنطقة الرمادية” التي تتحرك فيها الصين. ‎⁨⁩