تقرير: التركيز الأمريكي على غزة يُغفل انفجاراً وشيكاً في الضفة الغربية
واشنطن: في الوقت الذي تركز فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جهودها على محاولة تثبيت مسار سياسي في قطاع غزة ونزع سلاح حركة حماس، تتصاعد في الضفة الغربية أزمة مختلفة قد تكون أكثر قابلية للتأثير الأميركي، وأكثر خطورة على المدى القريب إذا خرجت عن السيطرة.
هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها الباحث عزرائيل بيرمانت، من معهد العلاقات الدولية في براغ، في مقال رأي نشرته مجلة Foreign Policy في 11 أغسطس/آب 2026، إذ يرى أن واشنطن تنفق قدراً كبيراً من رأسمالها السياسي على معضلة يصعب حلها في غزة، بينما تتجاهل أزمة متفاقمة في الضفة الغربية تمتلك أدوات فعلية للحد منها.
مأزق خطة غزة
ينطلق بيرمانت من التشكيك في فرص نجاح خطة إدارة ترامب لنزع سلاح حماس، معتبراً أنها عالقة في حلقة مفرغة: إسرائيل لن تنسحب بالكامل من قطاع غزة قبل نزع سلاح الحركة، في حين لن توافق حماس على التخلي عن سلاحها قبل انسحاب إسرائيلي كامل.
ويربط الكاتب هذا المأزق أيضاً بالحسابات السياسية الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يرى أن تقديم تنازلات لحماس قد يكلّفه تأييد قطاعات من الناخبين اليمينيين قبيل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول.
لكن بيرمانت يرى أن المشكلة الأكثر إلحاحاً لا تكمن في تعثر مسار غزة بقدر ما تتمثل في الأزمة التي تتشكل في الضفة الغربية، حيث يتصاعد عنف المستوطنين وتتوسع المشاريع الاستيطانية بالتوازي مع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية على السلطة الفلسطينية.
واشنطن وأزمة المستوطنين
يحمّل المقال إدارة ترامب جزءاً من المسؤولية عن البيئة التي سمحت بتفاقم عنف المستوطنين، خصوصاً بعد إلغائها العقوبات التي كانت إدارة جو بايدن قد فرضتها على جماعات ومستوطنين متهمين بممارسة العنف، إضافة إلى عدم استخدام واشنطن نفوذها بصورة كافية للضغط على الحكومة الإسرائيلية لكبح هذه الظاهرة.
وتبرز هنا مفارقة لافتة يشير إليها المقال: ففي الوقت الذي انخفضت فيه الهجمات الفلسطينية التي يصفها الكاتب بـ«التقليدية» بنسبة 78%، وفق تقييم للجيش الإسرائيلي في يناير/كانون الثاني، ظل احتمال اندلاع موجة واسعة من العنف قائماً، في ظل استمرار الاحتكاكات وتدهور الظروف السياسية والأمنية في الضفة الغربية.
توسع استيطاني يغيّر واقع الضفة
يضع بيرمانت وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في قلب التحولات الجارية، خصوصاً أنه يمتلك أيضاً صلاحيات داخل وزارة الدفاع تتصل بإدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية.
وبحسب المقال، تقود السياسات التي يتبناها سموتريتش إلى توسيع المشروع الاستيطاني وتقليص المساحة المتاحة عملياً أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً. ويشير الكاتب إلى تقنين ما لا يقل عن 104 مستوطنات منذ تولي حكومة نتنياهو الحالية السلطة عام 2022.
ويستشهد المقال بتوصيف شديد اللهجة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الذي وصف في يونيو/حزيران ما يجري بأنه حملة منظمة من «التطهير العرقي» و«المذابح» ضد الفلسطينيين ينفذها مستوطنون، غالباً بدعم فعلي من وحدات في الجيش والشرطة الإسرائيليين.
وبحسب أرقام الأمم المتحدة التي ينقلها المقال، قُتل 18 فلسطينياً في الضفة الغربية خلال هجمات مرتبطة بمستوطنين منذ بداية عام 2026 وحتى نشر المقال.
هل العنف ظاهرة هامشية؟
يرفض بيرمانت تفسير نتنياهو الذي يحصر أعمال العنف في «أقلية صغيرة من الجانحين»، ويرى أن الظاهرة باتت أكثر تنظيماً واتساعاً وتحظى بغطاء سياسي داخل الحكومة.
ويشير في هذا السياق إلى قرار وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلغاء أوامر الاعتقال الإداري التي كانت تُستخدم ضد مستوطنين متهمين بأعمال عنف، وإلى واقعة زيارته أحد المشتبه بهم في زنزانته قبل إصدار أمر بإنهاء القيود الإدارية المفروضة عليه، وهي خطوة اضطر إلى التراجع عنها لاحقاً تحت ضغط الجيش وانتقادات صدرت من اليمين واليسار على السواء.
ولم يعد العنف، وفق المقال، مقتصراً على الفلسطينيين. فقد تعرض إسرائيليون متضامنون معهم لاعتداءات أيضاً، من بينها حالة ناشط إسرائيلي مسن أُدخل المستشفى مصاباً بنزيف في المخ بعد الاعتداء عليه إثر إزالته لافتة تدعو إلى الإفراج عن يغئال عمير، قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين.
الخلاف يصل إلى الجيش الإسرائيلي
يكشف تصاعد عنف المستوطنين أيضاً عن توتر متزايد بين المؤسسة العسكرية وبعض أركان الحكومة الإسرائيلية.
فقد لجأ قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوط، وهو نفسه مستوطن متدين، إلى القضاء في محاولة لمنع الإفراج عن مشتبه به بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق فلسطينيين. واعتبر كاتس الخطوة تحدياً لسلطته، وأعلن على الهواء عزمه إقالة بلوط قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً.
وتشير هذه المواجهة إلى أن الخلاف بشأن التعامل مع المستوطنين المتطرفين لم يعد محصوراً بين الحكومة والفلسطينيين أو المعارضة الإسرائيلية، بل أصبح يمتد إلى العلاقة بين القيادة السياسية وبعض مستويات المؤسسة العسكرية المسؤولة مباشرة عن الأمن في الضفة.
السلطة الفلسطينية أمام خطر الانهيار
إلى جانب العامل الأمني والاستيطاني، يلفت المقال إلى بعد آخر لا يقل خطورة يتعلق بالوضع المالي للسلطة الفلسطينية.
فإسرائيل أوقفت مجدداً تحويل عائدات ضريبية مستحقة للسلطة الفلسطينية، في خطوة يفسرها الكاتب باعتبارها جزءاً من سياسة لدفع السلطة باتجاه الانهيار المالي.
ويستشهد بيرمانت بالباحث في جامعة تل أبيب مايكل ميلشطاين، الذي حذر من أن استمرار هذا المسار قد يزيد خطر اندلاع اشتباكات مسلحة بين الجيش الإسرائيلي وقوات أمن السلطة الفلسطينية.
وهنا تتداخل الأزمات الثلاث: التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين من جهة، والضائقة المالية للسلطة الفلسطينية من جهة ثانية، واحتمالات تراجع قدرة أجهزتها الأمنية على الحفاظ على الاستقرار من جهة ثالثة. ويعني اجتماع هذه العوامل أن انفجاراً واسعاً في الضفة قد يتحول سريعاً من اضطرابات محلية إلى أزمة أمنية وسياسية يصعب احتواؤها.
لماذا تستطيع واشنطن التأثير في الضفة؟
يرى بيرمانت أن الفارق الأساسي بين غزة والضفة الغربية يكمن في طبيعة النفوذ الذي تمتلكه الولايات المتحدة.
ففي غزة، تواجه إدارة ترامب معضلة يصعب تجاوزها بسبب التعارض الجوهري بين شروط إسرائيل وحماس، بينما تمتلك واشنطن في الضفة أدوات مباشرة للضغط على حكومة نتنياهو وتغيير البيئة التي تسمح بتوسع عنف المستوطنين.
وبحسب الكاتب، فإن إدارة ترامب تمتلك نفوذاً على نتنياهو في ملف الضفة أكبر مما تمتلكه في غزة. ويستشهد في هذا السياق بموقف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي اتهم الحكومة الإسرائيلية بالسعي إلى «صراع لا نهائي».
ومن هنا يقترح المقال أن تبدأ الإدارة الأميركية بإعادة فرض العقوبات على المستوطنين والجماعات المتطرفة، واستخدام نفوذها للضغط من أجل وقف السياسات التي تدفع الضفة نحو مزيد من التصعيد.
منع الانفجار بدلاً من إدارة نتائجه
الخلاصة التي يقدمها مقال Foreign Policy هي أن إدارة ترامب قد تكون أمام فرصة لمنع أزمة جديدة بدلاً من انتظار انفجارها ثم محاولة احتوائها.
فبينما يبدو حل المعضلة المرتبطة بنزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي من غزة شديد التعقيد، فإن جزءاً مهماً من عوامل التصعيد في الضفة يرتبط بسياسات تستطيع واشنطن التأثير فيها بصورة أكثر مباشرة.
وعليه، فإن اختبار قدرة ترامب على لعب دور «صانع السلام»، وفق رؤية بيرمانت، قد لا يبدأ من محاولة تحقيق اختراق مستعصٍ في غزة، وإنما من منع انهيار الوضع في الضفة الغربية: كبح عنف المستوطنين، والضغط لمنع التوسع الاستيطاني الذي يقوض إمكانية التسوية السياسية، والحيلولة دون دفع السلطة الفلسطينية إلى انهيار مالي وأمني قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع.
وبهذا المعنى، لا يدعو المقال إلى تجاهل غزة، بقدر ما يحذر من أن التركيز الأميركي شبه الكامل عليها قد يجعل واشنطن تفوّت أزمة أخرى تتشكل أمامها في الضفة الغربية، حيث لا تزال تملك الأدوات اللازمة لمنع تحولها إلى الانفجار الفلسطيني ـ الإسرائيلي المقبل.