أخبار

تقرير: اختزال سياسات بوتين في الإرث الأوراسي يُعفيه من المسؤولية السياسية عن حرب أوكرانيا

<p style="text-align: right;">تطرح الأكاديمية آيشه زاراكول، أستاذة العلاقات الدولية في جامعتي كامبريدج وسابانجي، قراءة نقدية لفكرة شائعة في تفسير روسيا المعاصرة، مفادها أن سياسات الرئيس فلاديمير بوتين، </p>

تقرير: اختزال سياسات بوتين في الإرث الأوراسي يُعفيه من المسؤولية السياسية عن حرب أوكرانيا

موسكو: تطرح الأكاديمية آيشه زاراكول، أستاذة العلاقات الدولية في جامعتي كامبريدج وسابانجي، قراءة نقدية لفكرة شائعة في تفسير روسيا المعاصرة، مفادها أن سياسات الرئيس فلاديمير بوتين، ولا سيما الحرب في أوكرانيا، تمثل امتدادًا شبه حتمي لإرث إمبراطوري أوراسي متجذر في التاريخ الروسي. وفي مراجعتها لكتاب المؤرخ مايكل خودراكوفسكي «السهوب وإمبراطورياتها»، المنشورة في مجلة Foreign Affairs في أغسطس 2026، تقر زاراكول بأهمية العامل الأوراسي، لكنها تحذر من تحويله إلى مفتاح وحيد لفهم روسيا أو إلى تفسير تاريخي جاهز لسلوك بوتين.

وتنطلق المراجعة من الطريقة التي يقدم بها بوتين نفسه الصراع مع الغرب. فمنذ غزو أوكرانيا، لم يضع الرئيس الروسي الحرب في إطار أمني أو جيوسياسي فحسب، وإنما صاغها باعتبارها جزءًا من مواجهة حضارية أوسع. وفي خطاب أمام نادي فالداي في أكتوبر 2022، تحدث عن «التنوع الحضاري»، واتهم الغرب بالسعي إلى فرض شكل جديد من الهيمنة الاستعمارية وقمع تطلعات الروس، معتبرًا الدعم الغربي لأوكرانيا جزءًا من محاولة أوسع لإعاقة التطور المستقل للحضارات الأخرى.

جذور «الأوراسية» الروسية

هذا التصور، بحسب زاراكول، ليس اختراعًا بوتينيًا. فجذوره تعود إلى مفكرين روس في القرن التاسع عشر تمردوا على افتتان النخبة الروسية بالغرب، واعتبروا أن محاكاة أوروبا ستضعف روسيا بدل أن تقويها. ومن هنا تطورت رؤية لروسيا باعتبارها حضارة قائمة بذاتها، لا أوروبية بالكامل ولا آسيوية بالكامل، وإنما كيانًا تشكل عبر التفاعل بين المجالين.

ومع مرور الوقت أصبحت «الأوراسية» جزءًا من المخزون الفكري الذي تستند إليه أيديولوجيا الكرملين، بما يسمح بتقديم روسيا باعتبارها «دولة-حضارة» لها منظومتها القيمية والسياسية الخاصة، وليس دولة يفترض قياس تطورها بمعايير الليبرالية الغربية.

ويمنح كتاب خودراكوفسكي هذه الرؤية أساسًا تاريخيًا مقارنًا. فهو يضع روسيا الحديثة المبكرة إلى جانب إمبراطوريات أخرى نشأت حول السهوب الأوراسية، خصوصًا الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية في إيران وأسرة تشينغ الصينية، ويرصد بينها تشابهات في مفاهيم السيادة والأرض، وفي البيروقراطيات المعسكرة والأنظمة القانونية وطبيعة المجتمعات متعددة الأديان.

لكن زاراكول ترى أن المشكلة تبدأ عندما يتحول التشابه التاريخي إلى تفسير مباشر للسياسة الروسية المعاصرة.

روسيا ليست نتاج السهوب وحدها

تجادل زاراكول بأن القول إن بوتين يتصرف على النحو الذي يتصرف به لأنه وريث أباطرة وأمراء حرب أوراسيين يؤدي إلى تسطيح تاريخ بالغ التعقيد. فروسيا، مثلما ترتبط بتاريخ السهوب، تشترك أيضًا في الكثير مع جيرانها الأوروبيين، كما أن علاقتها بأوروبا ظلت طوال قرون علاقة جذب ونفور متزامنين.

فمنذ إصلاحات بطرس الأكبر التغريبية، حاولت روسيا الاقتراب من أوروبا، في الوقت الذي ظهرت فيه تيارات روسية محافظة رفضت هذا الاقتراب وعدّته تهديدًا للخصوصية الروسية. وفي المقابل، ساهم الأوروبيون أنفسهم في تكريس الفصل؛ إذ جرى التعامل تاريخيًا مع روسيا، إلى جانب الدولة العثمانية، بوصفها «آخر» يساعد أوروبا على تعريف نفسها، ونشأ مفهوم «الغرب» في القرن التاسع عشر جزئيًا بطريقة تستبعد روسيا وتركيا رغم انتمائهما الجغرافي إلى المجال الأوروبي.

ومن هنا ترى زاراكول أن ربط روسيا حصريًا بسهوب أوراسيا ليس مجرد توصيف تاريخي، بل قد يتحول بدوره إلى موقف سياسي يسمح للأوروبيين بفصل تاريخهم عن أفعال روسيا، والمحافظة على صورة أوروبا بوصفها موطن الحداثة والقانون في مقابل «شرق» تحكمه الحرب والاستبداد.

هل كانت أوروبا حضارة القانون وأوراسيا حضارة الحرب؟

أحد أبرز اعتراضات زاراكول على الكتاب يتعلق بالتباين الذي يرسمه بين أوروبا المنظمة بالقانون وأوراسيا المنظمة بالحرب والعنف. وترى أن هذه الثنائية تعيد إنتاج صورة تاريخية انتقائية.

فآسيا لم تكن، خلال القرون التي شهدت صعود الإمبراطوريات الأوراسية، مجرد فضاء للغزوات. فقد شهدت المراكز الصينية والهندية والإيرانية وآسيا الوسطى إنتاجًا علميًا وفنيًا وثقافيًا واقتصاديًا واسعًا، ومن ذلك ما يعرف بـ«عصر النهضة التيموري» بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر. وفي المقابل، مارست الإمبراطوريات الأوروبية بعد القرن الخامس عشر عنفًا واسع النطاق خارج أوروبا، على نحو يجعل الفصل الأخلاقي البسيط بين «أوروبا القانون» و«أوراسيا الحرب» غير قابل للدفاع تاريخيًا.

ولا تقتصر المشكلة على المقارنة بين أوروبا وآسيا، إذ ترى زاراكول أن المقارنة الأوراسية نفسها لا تفسر بعض مظاهر التطرف في التاريخ السياسي الروسي.

وتستشهد هنا بمؤسسة «الأوبريتشنينا» التي أنشأها القيصر إيفان الرابع عام 1565، وكانت نطاقًا سياسيًا وقانونيًا خاضعًا مباشرة لسلطة القيصر، واستخدمت في تصفية الخصوم وممارسة النهب والتعذيب والمجازر، ولا سيما في تفير ونوفغورود. وترى زاراكول أن درجة العنف التي ارتبطت بإيفان لا تجد نظيرًا واضحًا لدى الإمبراطوريات الأوراسية الأخرى التي يناقشها الكتاب.

وتلفت إلى أن المغول والعثمانيين والصفويين كانوا، بعد تثبيت فتوحاتهم، أكثر تساهلًا عمومًا في التعامل مع الممارسات الدينية اليومية لرعاياهم، في حين ينسب إلى إيفان، على سبيل المثال، إصدار أمر بإغراق يهود بولاتسك الذين رفضوا اعتناق المسيحية عام 1563. ولذلك يصعب تفسير التجربة الروسية بوصفها مجرد نسخة من نموذج أوراسي مشترك؛ فهي تحمل تأثيرات أوروبية وآسيوية، إلى جانب ابتكارات سلطوية روسية خاصة.

نموذج صيني يناقض الحتمية الإمبراطورية

وتستخدم زاراكول حالة أسرة مينغ الصينية لتقديم اعتراض إضافي على فكرة الحتمية التاريخية. فالأسرة تأثرت هي الأخرى بالإرث المغولي، لكنها تخلت تدريجيًا عن نزعتها التوسعية المبكرة واتجهت نحو الداخل مع تعمق تأثير الأخلاقيات الكونفوشيوسية الجديدة.

وبالنسبة إلى زاراكول، فإن هذا المثال مهم لأنه يثبت أن الإرث الإمبراطوري المشترك لا يقود بالضرورة إلى المسار السياسي نفسه. ومن ثم فإن إغفال تجربة مينغ يضعف الحجة القائلة إن إرث السهوب يستطيع، بمفرده، تفسير المسار الروسي.

لماذا تختلف روسيا عن أوروبا؟

لا تنكر زاراكول أن روسيا مختلفة بصورة جوهرية عن معظم الدول الأوروبية، لكنها تعزو ذلك إلى مجموعة عوامل أوسع بكثير من «الأوراسية».

فروسيا دولة شاسعة ذات موارد مادية ضخمة وتنوع عرقي كبير؛ ويشير النص إلى أن الروس العرقيين يمثلون نحو 70% من السكان، مقابل نحو 90% للمجموعات العرقية الرئيسية في معظم الدول الأوروبية. كما أنها إمبراطورية اتخذت شكل الدولة القومية الحديثة، بعدما اكتسبت مساحات واسعة من أراضيها من خلال «غزو داخلي» واستعمار تضمن أنماطًا من الاستيطان تشبه تجارب أمريكا الشمالية وأستراليا.

ويضاف إلى ذلك أن روسيا، خلافًا لمعظم القوى الاستعمارية الأوروبية التي فقدت إمبراطورياتها الخارجية، احتفظت بجزء كبير من المجال الذي تشكل تاريخيًا عبر التوسع الإمبراطوري. كما أنها وريثة إحدى القوتين العظميين اللتين هيمنتا على النظام الدولي في القرن العشرين، وهو إرث ما زال يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الروس دولتهم وموقعها في العالم.

الولايات المتحدة.. المقارنة الأكثر دلالة

تصل زاراكول من هذه المعطيات إلى واحدة من أكثر خلاصات مراجعتها إثارة للاهتمام: إذا كان لا بد من البحث عن دولة تصلح للمقارنة تاريخيًا وراهنًا بروسيا، فإن المرشح الأقرب ليس تركيا ولا إيران، وإنما الولايات المتحدة.

فالدولتان تتميزان بالحجم القاري، والتنوع والتعقيد الداخلي، وبإرث توسعي وإمبراطوري جرى استيعابه داخل صورة الدولة القومية الحديثة. كما أن الهوية الروسية المعاصرة لم تتشكل بفعل تاريخ السهوب وحده، بل تأثرت بصورة عميقة بالمنافسة مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة وبالمكانة التي تمتعت بها موسكو باعتبارها قطبًا عالميًا.

هذه المقارنة تقود إلى جوهر اعتراض زاراكول على استخدام التاريخ بوصفه تفسيرًا حتميًا للحاضر. فاستحضار الإرث الأوراسي مفيد بقدر ما يكشف تعقيد تكوين روسيا، لكنه يصبح مضللًا عندما يستخدم لإثبات أن السياسة الروسية الحالية كانت نتيجة محتومة لماضٍ إمبراطوري يمتد قرونًا.

بوتين ليس قدرًا تاريخيًا

في النهاية، لا ترفض زاراكول المقاربة الأوراسية، بل ترفض تحويلها إلى «أسطورة تفسيرية» مكتفية بذاتها. روسيا بالفعل ليست دولة أوروبية بالمعنى الاجتماعي والسياسي نفسه الذي ينطبق على العديد من دول القارة، وتأثير السهوب جزء حقيقي من تاريخها. لكن روسيا في الوقت نفسه نتاج تفاعل بين أوروبا وآسيا، وإمبراطورية قارية، ودولة متعددة الأعراق، ووريثة الاتحاد السوفيتي ومنافسته الطويلة مع الولايات المتحدة.

ولهذا، فإن تصوير بوتين باعتباره مجرد قيصر أو خان أو شاه أو سلطان حديث يخاطر بإعفائه من المسؤولية السياسية الفردية عبر تحويل قراراته إلى نتيجة شبه طبيعية للتاريخ.

فالخلاصة التي تنتهي إليها زاراكول هي أن غزو أوكرانيا والطموحات الإمبراطورية المعلنة والقمع الوحشي للمعارضة لا يمكن تفسيرها ببساطة بوصفها استعادة لنمط أوراسي قديم. التاريخ يوفر السياق، لكنه لا يلغي الاختيار السياسي. وبعبارة المراجعة في خلاصتها، فإن سلوك بوتين ليس «قدرًا تاريخيًا محتومًا»، بل هو في النهاية صنيعه واختياره الخاص.