أخبار

تقرير: «عدم القدرة على التنبؤ» تنقلب على ترامب.. إيران وإسرائيل تراهنان على تراجع واشنطن

تقرير: «عدم القدرة على التنبؤ» تنقلب على ترامب.. إيران وإسرائيل تراهنان على تراجع واشنطن

واشنطن: تحولت السمة التي طالما قدّمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبارها مصدر قوة في إدارة الخصوم والحلفاء، وهي صعوبة التنبؤ بقراراته، إلى نقطة ضعف يمكن للأطراف الأخرى استغلالها. فبدلاً من أن يدفع الغموض المحيط بخيارات واشنطن خصومها إلى تقديم تنازلات، بات التراجع المتكرر عن التهديدات والمواقف يمنحهم حافزاً للانتظار، انطلاقاً من قناعة بأن الموقف الأميركي الحالي لن يدوم طويلاً.

هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها مايكل ج. كوبلو، كبير مسؤولي السياسات في «منتدى السياسة الإسرائيلي» (Israel Policy Forum)، في عمود رأي نشره في 6 أغسطس/آب 2026، ويرى فيه أن إيران وإسرائيل، رغم اختلاف موقعهما وعلاقتهما بالولايات المتحدة، تستفيدان من النمط ذاته في إدارة ترامب للسياسة الخارجية، بما يساهم في إبقاء أزمتي إيران وغزة في حالة جمود بدلاً من دفعهما نحو تسويات فعلية. ‎⁨

حين يصبح «غير المتوقع» متوقعاً

تقوم المفارقة، وفق كوبلو، على أن ترامب، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أقل الزعماء قابلية للتنبؤ، أصبح قابلاً للتنبؤ في جانب أساسي: تغيير موقفه. فقد يكون من الصعب معرفة متى وكيف سيتراجع، لكن الأطراف التي تتعامل معه باتت تستطيع، بحسب الكاتب، توقع أن التراجع نفسه سيحدث في نهاية المطاف.

في مرحلة سابقة، ربما منحت هذه السياسة واشنطن ميزة تفاوضية، لأنها أبقت الخصوم والشركاء في حالة من عدم اليقين بشأن الخطوة الأميركية المقبلة. لكن تكرار النمط أضعف مفعوله؛ فإذا واجه طرف ما موقفاً أميركياً لا يناسبه، لم يعد مضطراً بالضرورة إلى تغييره، بل يستطيع الانتظار إلى أن تتبدل السياسة الأميركية نفسها. ‎⁨

وتظهر هذه المعضلة، بحسب التحليل، بوضوح خاص في ملفين يمثلان تحدياً أساسياً لسياسة ترامب الخارجية: المواجهة مع إيران، ومستقبل غزة.

إيران.. الرهان على الانتظار

في الحالة الإيرانية، يشير الكاتب إلى أن ترامب تعهد علناً بشن قصف واسع النطاق على إيران، قبل أن يتراجع مراراً عن التصعيد، مقدّراً أن هذا النمط تكرر نحو 12 مرة، بالتوازي مع إعلانات متكررة بأن طهران استسلمت أو أصبحت على وشك التوصل إلى اتفاق.

وبالتالي، لم تعد التهديدات الأميركية تحمل عنصر المفاجأة السابق. فالإيرانيون، وفق هذه القراءة، يستطيعون بناء حساباتهم على فرضية أن الموقف الأميركي المتشدد قد لا يصمد، وأن الانتظار قد يكون أقل كلفة من تقديم تنازلات فورية.

ويضيف كوبلو بعداً آخر يتعلق بقيود القوة الأميركية نفسها، مشيراً إلى تقارير تفيد بأن مخزونات الصواريخ الاعتراضية الدفاعية والصواريخ الموجهة الأميركية انخفضت إلى مستويات حرجة، الأمر الذي قد يحد من قدرة ترامب على بدء جولة جديدة من القتال المكثف مع إيران حتى إذا قرر ذلك. كما يرى أن هشاشة وضع الشركاء الإقليميين أمام أي تصعيد جديد تفسر تحرك السعودية ودول أخرى، وفق ما أورده الكاتب، لإقناع ترامب بعدم المضي في عملية عسكرية كان قد وافق عليها ظاهرياً. ‎⁨

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد اختلاف في الأسلوب السياسي. فطهران، بحسب التحليل، لا تحتاج إلى معلومات استخبارية دقيقة حتى تدرك القيود الأميركية؛ إذ يكفيها متابعة نمط اتخاذ القرار في واشنطن. وكلما تكرر التهديد ثم التراجع، ازدادت قناعتها بأن أفضل استراتيجية قد تكون الصبر.

حتى لو لم تكن لدى واشنطن، بحسب كوبلو، رؤية واضحة لتسوية الصراع مع إيران بما يحقق بعض أهدافها، فإن مجرد اختيار مسار محدد والالتزام به كان يمكن أن يُدخل قدراً من عدم اليقين إلى الحسابات الإيرانية. أما عندما يصبح التذبذب نفسه متوقعاً، فإن طهران تستطيع إبقاء الوضع معلقاً، لأنها تراهن على محدودية قدرة ترامب على الاستمرار طويلاً في مسار واحد. ‎⁨

إسرائيل تستخدم المعادلة نفسها في غزة

المفارقة التي يشدد عليها المقال أن إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، تستفيد من الخاصية نفسها التي تستغلها إيران.

فبحسب كوبلو، تستطيع الحكومة الإسرائيلية تجنب تغيير الوضع القائم في غزة لأنها تعرف أن الضغط الأميركي قد لا يستمر. ويصف الكاتب الوضع الذي تفضله إسرائيل بأنه نوع من «النزاع المجمد» يسمح لها بالبقاء في جزء من القطاع يتوسع تدريجياً، وفي الوقت نفسه يمنع حدوث تقدم سياسي فلسطيني يمكن أن يخلق ضغوطاً دبلوماسية جديدة عليها. ‎⁨

وبدت فرصة لتغيير هذه المعادلة عندما أعلن ترامب أن «مجلس السلام» حصل على تعهد من حماس بنزع كامل للسلاح، بالتزامن مع طرح خارطة طريق جديدة من 15 نقطة للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطته المؤلفة من 20 نقطة.

ورأى الكاتب أن ذلك بدا، في البداية، أقرب إلى أول اختراق حقيقي محتمل منذ الإعلان عن الخطة الأصلية في أكتوبر/تشرين الأول.

معادلة «نزع السلاح مقابل الانسحاب»

كانت النقطة الثامنة في خارطة الطريق الجديدة ذات أهمية خاصة، إذ نصت، وفق الوثيقة، على تفكيك الأسلحة الثقيلة لحماس ومستودعاتها وأنفاقها وتخزينها بواسطة «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، ضمن جدول زمني يرتبط بانسحابات تدريجية للجيش الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها.

وكان جوهر التصور يقوم بالتالي على عملية متدرجة ومتبادلة: تبدأ حماس خطوات نزع السلاح، وفي المقابل تنسحب إسرائيل تدريجياً بالتوازي مع تقدم العملية.

لكن هذا التصور أثار اعتراضات سياسية قوية داخل إسرائيل. فقد رفض مسؤولون إسرائيليون فكرة تفكيك الأسلحة وتخزينها داخل غزة بدلاً من تدميرها أو تسليمها إلى إسرائيل، كما أصروا على عدم الانسحاب من أي مساحة إضافية قبل نزع سلاح حماس بالكامل. ‎⁨

ويرى كوبلو أن تمسك الولايات المتحدة و«مجلس السلام» بالصيغة الأصلية كان يمكن أن يمنح الخطة فرصة حقيقية: حماس تبدأ عملية نزع السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي، ثم تنفذ إسرائيل انسحابات متدرجة تتناسب مع المراحل المتحققة من عملية نزع السلاح.

إلا أن هذه المعادلة لم تصمد.

اجتماع نتنياهو–ملادينوف يعيد الخطة إلى نقطة الصفر

بعد اجتماع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، تغيرت الصيغة. وأصدر المجلس توضيحاً يفيد بأن إسرائيل لن تكون مطالبة بالانسحاب إلى ما بعد «الخط الأصفر» قبل الانتهاء من تفكيك جميع الأسلحة الثقيلة والخفيفة والأنفاق.

وبذلك اختفى عملياً مبدأ التزامن بين نزع السلاح والانسحاب.

ويعتبر الكاتب أن هذا التغيير أعاد الوضع إلى المأزق السابق؛ فبعد التوصل إلى صيغة يمكن بموجبها تسليم الأسلحة مقابل انسحابات إسرائيلية مرحلية، جرى التخلي عن الآلية التي كان يمكن أن تنقل الأطراف من التعهدات العامة إلى خطوات متبادلة على الأرض.

ولا يتجاهل التحليل العوامل الأخرى التي تجعل التسوية شديدة الصعوبة، وفي مقدمتها الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وإصرار حماس على مواصلة إعادة بناء قدراتها العسكرية. لكن المشكلة، من وجهة نظره، أن الحكومة الإسرائيلية التي تعهدت بعدم الانسحاب من غزة قبل القضاء الكامل على حماس أو نزع سلاحها بصورة شاملة، تستطيع التعامل مع أي ضغط أميركي مخالف لذلك باعتباره مؤقتاً: المطلوب فقط الانتظار حتى يتراجع ترامب أو المسؤولون الذين يعملون باسمه.

إيران وإسرائيل.. خصمان مختلفان واستراتيجية واحدة

وهنا يلتقي الملفان الإيراني والغزي في نتيجة واحدة رغم الاختلاف الجذري بينهما.

في إيران، تستطيع طهران تجاهل بعض التهديدات الأميركية لأنها تتوقع تراجع واشنطن أو تبدل أولوياتها. وفي غزة، تستطيع الحكومة الإسرائيلية مقاومة بعض الضغوط الأميركية للسبب نفسه. النتيجة أن الخصم والحليف يتبنيان، عملياً، استراتيجية متشابهة تجاه البيت الأبيض: الانتظار.

وهذا يمثل انقلاباً في وظيفة «عدم القدرة على التنبؤ». فالغموض الاستراتيجي يفترض أن يجعل الطرف الآخر غير واثق من الخطوة التي قد تقدم عليها واشنطن، لكن تكرار الانتقال من موقف إلى آخر يجعل الغموض شكلياً؛ إذ تصبح النتيجة النهائية نفسها قابلة للتوقع حتى إن ظلت تفاصيل الطريق إليها مجهولة.

بين المرونة السياسية والتقلب

يفرق كوبلو في خاتمة تحليله بين المرونة المطلوبة في إدارة السياسة الخارجية وبين التقلب المستمر. فالالتزام المطلق بسياسة واحدة ليس فضيلة في ذاته، وقد تكون القدرة على تعديل السياسات استجابة للمتغيرات شكلاً ضرورياً من البراغماتية.

لكن ذلك يختلف، بحسب الكاتب، عن إدارة تتحرك وفق دورة إخبارية قصيرة، ثم تغير موقفها جذرياً لملاحقة دورة إخبارية أخرى أو احتواء موجة جديدة من الانتقادات. وفي هذه الحالة، تتحول المرونة من أداة للقوة إلى مصدر لتآكل المصداقية.

ويصل المقال بذلك إلى مفارقة مركزية: عدم قابلية ترامب للتنبؤ أصبحت قابلة للتنبؤ بذاتها. وما كان يفترض أن يمنح الولايات المتحدة أفضلية على خصومها وشركائها، بات يمنح الطرف المقابل ميزة؛ فهو يعرف أنه ليس مضطراً دائماً إلى الاستجابة للتهديد أو الضغط الأميركي فوراً، لأن الانتظار قد يكون كافياً لتغيير الموقف القادم من واشنطن.

وبالنسبة إلى إيران وغزة، يرى كوبلو أن النتيجة هي استمرار الجمود: طهران لا تواجه حافزاً كافياً لتغيير حساباتها ما دامت تتوقع تبدل الموقف الأميركي، وإسرائيل لا تواجه ضرورة ملحة لتغيير استراتيجيتها في غزة ما دامت قادرة على انتظار انحسار الضغط الأميركي. وهكذا تصبح السياسة المصممة لإرباك الآخرين عاملاً يساعدهم على حساب خطواتهم، وتبقى الجبهتان اللتان تعرقلان طموحات ترامب لإحداث تحولات كبرى في الشرق الأوسط عالقتين في مكانهما. ‎⁨