أخبار

تفكيك المحكمة الجنائية الدولية.. هل تحمي واشنطن سيادتها أم أفراداً من المساءلة؟

تفكيك المحكمة الجنائية الدولية.. هل تحمي واشنطن سيادتها أم أفراداً من المساءلة؟

لاهاي: تدخل المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية مرحلة أكثر حدة، بعدما انتقلت واشنطن من الاعتراض السياسي والقانوني على عمل المحكمة إلى تبني حملة تستهدف، بحسب منتقديها، تعطيل قدرتها على العمل بصورة منهجية. وفي قلب هذا الصراع يبرز سؤال يتجاوز الخلاف التقليدي حول السيادة الوطنية واختصاص القضاء الدولي: هل تسعى الولايات المتحدة بالفعل إلى حماية سيادتها من مؤسسة قضائية لم تنضم إليها، أم أن الحملة تستهدف حماية مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين من احتمالات المساءلة مستقبلاً؟

هذا هو السؤال المركزي الذي يطرحه مقال رأي نشرته مجلة Foreign Policy في 10 أغسطس/آب 2026، للصحفية جانين دي جيوفاني، الرئيسة التنفيذية لمنظمة Reckoning Project والزميلة الأولى في كلية جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل، والمحامي كريستوفر «كيب» هيل، رئيس أركان المنظمة ذاتها. ويجادل الكاتبان بأن المبررات الأمريكية المعلنة لا تفسر وحدها حجم التصعيد ضد المحكمة، وأن الحملة ترتبط، في قراءتهما، بمسعى أوسع لتحصين شخصيات بعينها من المساءلة القانونية الدولية.

حملة لـ«تعطيل» المحكمة

تعود أحدث حلقات التصعيد إلى إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبيل يوم العدالة الجنائية الدولية في 17 يوليو/تموز، حملة تهدف إلى «تعطيل» المحكمة بصورة ممنهجة. ووفق ما أورده المقال، تشمل الأدوات المطروحة توسيع نطاق العقوبات، وإلغاء التأشيرات وفرض قيود على السفر بحق موظفي المحكمة والأطراف المتعاونة معها، إلى جانب ممارسة ضغوط دبلوماسية على دول أخرى للحد من تعاونها مع المؤسسة القضائية الدولية.

لكن الخطوات الجديدة لا تمثل بداية الصدام، وإنما تصعيداً لمسار قائم. فقد سبق لإدارة ترامب أن فرضت عقوبات على قضاة ومدعين في المحكمة بعد إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق، كما شملت الإجراءات الأمريكية المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي بسبب دعمها عمل المحكمة في الملف الفلسطيني.

وتأتي الحملة الأمريكية في وقت تمر فيه المحكمة نفسها بأزمة داخلية حادة. فقد أُقيل كبير المدعين العامين كريم خان في 24 يوليو/تموز، وفق المقال، بعد تصويت بأغلبية ساحقة في جمعية الدول الأطراف، عقب تحقيق استمر عامين في مزاعم تتعلق بسوء سلوك جنسي.

واشنطن والمحكمة.. صراع قديم

ليست المواجهة الأمريكية مع المحكمة الجنائية الدولية جديدة. فالولايات المتحدة لم تصبح طرفاً في نظام روما الأساسي، وشهدت العلاقة بين الطرفين واحدة من أشد مراحل التوتر خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش.

ويستعيد كاتبا Foreign Policy تلك المرحلة، حين «ألغت» إدارة بوش عام 2002 توقيع الولايات المتحدة على نظام روما، ثم مارست ضغوطاً على نحو مئة دولة لإبرام اتفاقيات ثنائية تحول دون تسليم مواطنين أمريكيين إلى المحكمة.

لكن السياسة الأمريكية تغيرت تدريجياً. ففي عام 2005 امتنعت واشنطن عن استخدام حق النقض ضد إحالة أزمة دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، في مؤشر على إدراك داخل إدارة بوش آنذاك بأن المحكمة يمكن، في بعض الملفات، أن تخدم مصالح أمريكية أوسع في محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، بدلاً من أن تمثل بالضرورة تهديداً للمصالح القومية الأمريكية.

هل السيادة الأمريكية مهددة فعلاً؟

تتمحور الحجة الرسمية الأمريكية ضد المحكمة حول رفض خضوع المواطنين الأمريكيين لسلطة قضائية دولية لم توافق الولايات المتحدة على الانضمام إليها. إلا أن دي جيوفاني وهيل يشككان في قوة هذه الحجة، ويستندان بصورة أساسية إلى مبدأ «التكامل» الذي يقوم عليه نظام روما الأساسي.

فالمحكمة، وفق هذا المبدأ، ليست بديلاً تلقائياً للقضاء الوطني، وإنما محكمة ملاذ أخير، ولا يُفترض أن تتدخل إلا عندما تكون السلطات الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في إجراء تحقيقات وملاحقات حقيقية.

ويشير المقال إلى أن إدراج مبدأ التكامل في النظام الأساسي للمحكمة جاء أصلاً تحت تأثير وضغط أمريكي، وأن التطبيق العملي للمبدأ لا يقدم، بحسب الكاتبين، دليلاً على وجود ملاحقة وشيكة للأمريكيين. ويستشهدان بقرار كريم خان منذ عام 2021 وقف التحقيق في مزاعم تتعلق بعسكريين أمريكيين وحلفاء في أفغانستان، مؤكدين عدم وجود أمريكيين قيد التحقيق أو الملاحقة حالياً أمام المحكمة.

ومن هنا، يخلص الكاتبان إلى أن حجم الحملة الأمريكية لا يتناسب، من وجهة نظرهما، مع مستوى الخطر الفعلي الذي تمثله المحكمة على الولايات المتحدة.

ما وراء توقيت الحملة

يذهب مقال Foreign Policy أبعد من نقد الحجة القانونية الأمريكية، إذ يربط توقيت التصعيد بعمليات عسكرية أمريكية استهدفت، منذ سبتمبر/أيلول الماضي، عشرات القوارب الصغيرة في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

وبحسب المقال، أدت هذه الضربات إلى مقتل أكثر من 200 شخص وصفتهم الإدارة الأمريكية بـ«إرهابيي المخدرات»، من دون محاكمات أو تقديم أدلة علنية على الاتهامات الموجهة إليهم. ويشير الكاتبان إلى أن مراقبين وخبراء قانونيين اعتبروا تلك العمليات قتلاً خارج نطاق القضاء يمكن أن يثير أسئلة تتعلق بالقانون الدولي وجرائم الحرب.

غير أن هذه النقطة تحديداً تمثل قراءة قانونية وسياسية يتبناها كاتبا المقال ومصادرهما، وليست توصيفاً قانونياً نهائياً صادراً عن جهة قضائية مختصة.

ويستند الكاتبان كذلك إلى تقارير سابقة بشأن الشروط التي طرحتها واشنطن لرفع العقوبات عن المحكمة. ووفق ما ينقلانه، لم تقتصر المطالب الأمريكية على إسقاط الإجراءات المتعلقة بالقادة الإسرائيليين، وإنما تضمنت إجراء تعديلات على نظام روما الأساسي تمنح موظفي إدارة ترامب حصانة من الملاحقة.

بالنسبة إلى دي جيوفاني وهيل، تمثل هذه المطالب مؤشراً مهماً إلى أن القضية تتجاوز الدفاع المجرد عن مبدأ السيادة، وتتصل بمحاولة بناء ضمانات قانونية تحول دون إمكانية مساءلة مسؤولين بعينهم مستقبلاً.

إسرائيل في قلب المواجهة

يشكل الملف الإسرائيلي أحد أهم محركات الصراع الحالي. فإسرائيل، التي تواجه مذكرات توقيف صادرة بحق قادتها، تتعاون مع واشنطن في مواجهة المحكمة، وهو ما يدفع كاتبي المقال إلى التشكيك في أهلية الحكومة الإسرائيلية للحكم على شرعية المؤسسة التي تلاحق مسؤولين فيها.

ويرى الكاتبان أن وجود مذكرة توقيف نشطة بحق قيادة دولة يجعل موقفها من المحكمة مرتبطاً بصورة مباشرة بمصالحها في القضايا المنظورة أمامها، وليس فقط بخلاف قانوني مجرد بشأن حدود اختصاص القضاء الدولي.

وفي المقابل، تطرح الولايات المتحدة وإسرائيل رواية مختلفة، تعتبر أن المحكمة تجاوزت اختصاصاتها وأنها تحاول ممارسة سلطة قضائية على دول ليست أطرافاً في نظام روما الأساسي. ومن ثم فإن الخلاف لا يدور فقط حول قضايا بعينها، بل حول حدود الولاية القضائية للمحكمة وعلاقتها بالدول غير الأعضاء.

التداعيات تتجاوز إسرائيل والولايات المتحدة

يحذر المقال من أن إضعاف المحكمة أو تفكيك قدرتها المؤسسية لن يقتصر أثره على الملفات المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة، وإنما سيمتد إلى عدد من أبرز النزاعات والانتهاكات التي تنظر فيها منظومة العدالة الدولية.

ويشير الكاتبان تحديداً إلى مجازر السودان، واستهداف الصحفيين والمستشفيات والأطفال في غزة، وترحيل الروهينغا من ميانمار، إضافة إلى مزاعم التعذيب والعنف الجنسي بحق أوكرانيين داخل مراكز الاحتجاز الروسية. ويجادلان بأن تقويض المحكمة سيضعف إمكانية بناء مسارات مساءلة حقيقية بشأن هذه الملفات.

وينطلق المقال في هذا السياق من شهادة ناجية من مجزرة ارتكبتها قوات الدعم السريع على الحدود السودانية، كان سؤالها الأساسي هو ما إذا كان ما تعرضت له سيُدوّن ويُصدّق. ويستخدم الكاتبان هذه الشهادة لتقديم القضية باعتبارها أكبر من الصراع المؤسسي بين واشنطن والمحكمة؛ فهي، في نظرهما، تتعلق بإمكانية وجود جهة تستطيع حفظ الأدلة وتحويلها مستقبلاً إلى أساس للمحاسبة.

كلفة استراتيجية على واشنطن

لا يحصر المقال التداعيات المحتملة للحملة في الجانب القانوني، بل يضعها ضمن حسابات القوة والمصداقية الأمريكية.

فالولايات المتحدة بنت جزءاً مهماً من نفوذها الدولي على الدفاع عن سيادة القانون ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بخصومها. ومن وجهة نظر الكاتبين، فإن محاولة تعطيل مؤسسة للمساءلة عندما تقترب من حلفاء واشنطن أو عندما يمكن أن تطال مصالح أمريكية تضعف قدرة الولايات المتحدة مستقبلاً على المطالبة بتطبيق المبادئ ذاتها على روسيا أو غيرها من الدول.

وبذلك، تتحول القضية من خلاف حول مؤسسة دولية إلى معضلة تتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية نفسها: فمن الصعب الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد إذا بدا أن الالتزام بهذه القواعد انتقائي، أو أن العدالة مقبولة عندما تستهدف الخصوم ومرفوضة عندما تقترب من الحلفاء.

ويرى كاتبا Foreign Policy أن تجربة إدارة بوش تقدم دليلاً على وجود خيار آخر؛ إذ انتقلت واشنطن آنذاك من محاولة عزل المحكمة إلى التعامل البراغماتي معها عندما وجدت أن عملها في دارفور يمكن أن يتقاطع مع المصالح الأمريكية. ولذلك يجادلان بأن تفكيك المحكمة لا يمثل ضرورة لحماية الولايات المتحدة، بل قد يؤدي إلى خسارة أداة يمكن استخدامها في مواجهة الجرائم الدولية التي تعجز الأنظمة القضائية الوطنية عن التعامل معها.

معركة على مستقبل العدالة الدولية

في المحصلة، يقدم مقال Foreign Policy الحملة الأمريكية باعتبارها اختباراً لمستقبل المحكمة الجنائية الدولية، لكنه أيضاً اختبار لموقف واشنطن من النظام القانوني الدولي الذي أسهمت تاريخياً في تشكيل أجزاء أساسية منه.

وبحسب قراءة دي جيوفاني وهيل، فإن تفكيك المحكمة لن يؤدي فقط إلى حماية مسؤولين من احتمالات الملاحقة، بل قد يترك فراغاً في منظومة المساءلة الدولية في وقت تتزايد فيه النزاعات التي تعجز فيها المحاكم الوطنية عن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات.

ويخلص الكاتبان إلى أن المصداقية الأمريكية في الدفاع عن مبدأ خضوع السلطة للقانون تمثل في حد ذاتها أصلاً استراتيجياً، وأن واشنطن تخاطر بخسارة هذا الأصل إذا رسخت انطباعاً بأن العدالة الدولية يجب أن تطبق على الخصوم، بينما ينبغي تعطيلها عندما تقترب من الحلفاء أو المسؤولين الأمريكيين.

ومع ذلك، يبقى هذا الاستنتاج موقفاً تحليلياً يتبناه كاتبا مقال Foreign Policy، وكلاهما مرتبط بمنظمة Reckoning Project المعنية بتوثيق الانتهاكات وتحويل شهادات الناجين إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي. ولذلك فإن تفسير دوافع إدارة ترامب باعتبارها محاولة لحماية أفراد من المساءلة، وكذلك توصيف بعض العمليات الأمريكية قانونياً، ينبغي قراءته بوصفه أطروحة المقال الأساسية وليس حقيقة قضائية محسومة. أما واشنطن ومنتقدو المحكمة فينطلقون من أساس مختلف، قوامه أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها وهددت سيادة دول لم توافق أصلاً على ولايتها.

وبين الروايتين، تبدو المعركة الجارية أكبر من مصير قضية أو مذكرة توقيف بعينها؛ إذ يتعلق جوهرها بالسؤال عما إذا كان يمكن بناء نظام للمساءلة الجنائية الدولية قادر على العمل عندما تطال تحقيقاته القوى الكبرى وحلفاءها، أم أن حدود هذا النظام ستظل مرهونة في النهاية بموازين القوة السياسية الدولية.