نـحـو تـصـحيـح العـلاقـات العربـيّـة- الإيـرانـيّـة
حـيـن تُـذكَـر أهـدافُ الـعـدوان الأمـريـكـيّ الصّـهـيـونـيّ الـمـتـمـادي عـلى إيـران، لا يُـذْكَـر فـي جـمـلـتـهـا هـدفُ تـخـريـب الـعـلاقـات الـعـربـيّـة- الإيـرانـيّـة والإيـقـاعِ بـيـن الأمّـتـيـن والـطّـرفـيـن: أَكـان ذلـك فـي مـا يُـكْـتَـب ويُـنْـشَـر ويُـذاع ويُـبَـثّ فـي الـقـنـوات ووسـائـل الـتّـواصـل فـي العـالـم، أو فـي نـظـائـرهـا فـي الـبـلاد الـعـربـيّـة وإيـران، وكـأنّ عـلاقـات الـعـالـمـيْـن (الإيـرانـيّ والـعـربـيّ) عـن الحـرب بـمـعـزل! لا يُـؤسَـف لـهـذا الـتّـجـاهـل فـحـسـب، وإنْ كـان حـقّـاً مـدعـاةً للأسـف، بـل يُـسْـتَـرابُ بـه كـلّ الاسـتـرابـة خـصـوصـاً أنّ الحـرب جـرت فـصـولُـهـا عـلى أراضـي بـلـدان الـخـلـيـج كـلِّـهـا (خـاصّـةً إيـران والـكـويـت والـبـحـريـن ودولـة الإمـارات والـسّـعـوديّـة...)، ودُفِـعـت فـيـهـا أثـمـانٌ بـشـريّـة واقـتـصـاديّـة ثـقـيـلـة، والأسـوأُ مـنـهـا مـا دفـعـتْـه بـلـدانُ الـمـنـطـقـة مـن أثـمـانٍ مـعـنـويّـة جـرّاء الجـراحـات الـنّـفـسـيّـة الـغـائـرة الـتـي خـلّـفـتـهـا فـيـهـا تـلـك الـحـرب.
حـسـنـاً فـعـلـت دولٌ عـربـيّـة مـن الـخـلـيـج بـإبـقـائـهـا بـابَ الـتّـواصـل مـع إيـران مـفـتـوحـاً فـي أُتُـون الـحـرب، حـتّـى وإنْ كـانـت مـواقـعٌ فـي أراضـيـهـا مـوضـعَ اسـتـهـدافٍ عـسـكـريّ مـن إيـران. بَـكَـرَتْ إلـى ذلـك سـلـطـنـةُ عـمـان، مـنـذ اللّـحـظـة الأولـى للـعـدوان عـلى إيـران، قـبـل أن تَـحْـذُوَ قـطـر حـذْوهـا ثـمَّ يَـشْـرع جـلـيـدُ الـتّـواصـل فـي الـذّوبـان بـيـن الـمـمـلـكـة الـعـربـيّـة الـسّـعـوديّـة والإمـارات الـعـربـيّـة مـن جـهـة، وإيـران مـن الـجـهـة الأخـرى فـتـدبّ الـحـيـاة فـيـه. ولا مِـرْيـة فـي أنّ هـذا الاسـتـيـعـاب الـسّـريـع لأزمـة الـعـلاقـات الـعـربـيّـة- الإيـرانـيّـة نـجـح لأنّ أطـراف هـذه الـعـلاقـات عـضّـت عـلى الـجـروح وكـظـمـتِ الـمـشـاعـرَ الـسّـوداء وجـنـحـت لـصـوت الـعـقـل والـمـصـلحـة، فـكـان أن مـكّـنـتِ الأسـبـابَ لاحـتـواءِ مـا كـان يُـنـذِر انـفـجـارُه بالأوخـم والأسـوأ عـلى بـلـدان الـمـنـطـقـة وشـعـوبـهـا جـمـيـعـاً.
قـلـنـا إنّ مـن أهـداف الـعـدوان الأمـريـكـيّ الـصّـهـيـونـيّ عـلى إيـران تـفـجـيـرَ الـعـلاقـة بـيـنـهـا ودولِ الـجـوار الـعـربـيّ فـي الـخـلـيـج وإحـداثَ وقـيـعَـةٍ دائـمـة تـسـتـثـمـر واشـنـطـن، فـي نـطـاقـهـا، فـي مـخـاوف بـعـضٍ مـن الـدّول مـن تـهـديـد أخـرى تـتـكـرّس عـنـدهـا بـوصـفـهـا مـصـدرَ الـخـطَـر الـرّئـيـس علـى أمـنـهـا وسـيـادتـهـا! وإلى حـيـن يـرْسَـخ مـفـعـولُ اسـتـراتـيـجـيـات فـتْـق الـعـلاقـات بـيـن الـعـرب وإيـران - قـصـد إحـكـام أمـريـكـا قـبـضـتَـهـا عـلى الـمـنـطـقـة بـتِـعِـلاّت حِـفـظ الأمـن والاسـتـقـرار - لا بـأس مـن تـجـريـب مـحـاولات قـوى الـعـدوان اسـتـدراجَ دول الـخـلـيـج الـعـربـيّـة إلـى الـمـشـاركـة الـفـعـلـيّـة فـي الحـرب؛ وهـو عـيـنُ مـا فـعـلـتْـه بـشـتّـى وسـائـل الـضّـغـط والـتّـحـريـض، بـل حـتّـى بـضـرب أهـداف فـي بـلـدان الـخـلـيـج الـعـربـيّـة (نـفـت إيـران مـسـؤولـيّـتَـهـا عـنـهـا). ومـن الـحـظّ الـحَـسَـن أنّ دول الـخـلـيـج لـم تـسـقـط فـي الـفـخّ الـمـنـصـوب لـهـا عـلى الـرّغـم مـن تـعـرُّض أراضيـهـا ومـنـشـآتـهـا لـضـربـات عـسـكـريّـة إيـرانـيّـة، فـكـان إحـجـامُـهـا عـن الانـخـراط فـي الحـرب إفـلاتـاً نـاجـحـاً مـنـهـا مـن الـمـؤامـرة الـتـي أُعـدّت لـهـا، وإثـبـاتـاً مـادّيّـاً لـمـوقـفـهـا الـذي أعـلـنـتـه قـبـل الـعـدوان الأمـريـكـيّ الـصّـهـيـونـيّ، والـقـاضـي بـعـدم مـشـاركـتـهـا فـي الحـرب إنِ انـدلـعـت، بـل رفـضـهـا الـقـاطـع للّـجـوء إلـيـهـا وسيـلـةً لـفـضّ الـنّـزاع عـلى الـبـرنـامـج الـنّـوويّ الإيـرانـيّ.
مـا كـان إعـلانُ إيـران، عـشـيّـة الحـرب عـلـيـهـا، بـأنّـهـا سـتُـحـوِّل الـمـعـركـةَ ضـدّهـا إلـى حـربٍ إقـلـيـمـيّـة وحـدهُ الـبـيـانَ الـرّسـمـيّ عـن اعـتـزامـهـا إدخـالَ جـوارهـا الـعـربـيّ فـي نـطـاق عـمـلـيّـاتـهـا الـعـسـكـريّـة ضـدّ الـوجـود الأمـريـكـيّ فـي الـمـنـطـقـة. لـعـلّ هـذا بـديـهـة من الـبـديـهـيّـات الاسـتـراتـيـجـيّـة، عـلى الأقـلّ مـنـذ أزمـة الـخـلـيـج الـثّـانـيّـة (1990) والـحـرب الأطـلـسـيّـة عـلى الـعـراق (1991) وبـدايـة نـشـر الـقـواعـد الـعـسـكـريّـة الأمـريـكـيّـة فـي الـمـنـطـقـة، مـع مـا بـات يـعـنـيـه هـذا كـلُّـه لإيـران مـن تـهـديـدٍ اسـتـراتـيـجـيّ لأمـنـهـا الـقـومـيّ. زاد الـطّـيـن بِـلّـة مـا تـعـرّضـت لـه طـهـران مـن عـقـوبـات اقـتـصـاديّـة وتـجـاريّـة ومـالـيّـة قـاتـلـة مـن وراء إضـرار أمـريـكـا و«إسـرائـيـل» عـلى مـنـعـهـا مـن حـيـازة الـتّـكـنـولـوجـيـا الـنّـوويّـة، ومـا أضـحـت تـتـعـرّض لـه مـنـهـمـا مـن تـهـديـدٍ بـتـدمـيـر بـرنـامـجـهـا عـسـكـريّـاً (وهـو عـيـن مـا سـيـقـع فـي الـهـجـوم الأمـريـكـيّ عـلى مـفـاعـلاتـهـا الـنّـوويّـة فـي الـعـام 2025). هـكـذا كـانـتِ الـمـخـافـةُ الإيـرانـيّـة تـكـبـر، بـالـتّـدريـج، ويـتـزايـد مـعـهـا - بـالـمـوازاة - يـقـيـنٌ بـأنّ الـخـطـر الأمـريـكـيّ- الـصّـهـيـونـيّ أمـسـى خـطـراً وجـوديّـاً يـفـرض عـلـيـهـا، بـالـتّـالـي، مـواجـهـةً شـامـلـة سـتـكـون سـاحـتُـهـا كـلّ رقـعـة الـوجـود الأمـريـكـيّ فـي الجـوار الإقـلـيـمـيّ.
عـلى أنّ سـيـاسـة الإيقـاع بـيـن طـرفـيْ الـدّائـرة الـحـضـاريّـة (الـعـرب والإيـرانـيّـون) نُـسِـجَـت أثـوابُـهـا بـخـيـوط خـبـيـثـة مـسـمـومـة، فـي واشـنـطـن والـكـيـان الـغـاضـب، ومـرّت بـمـرحـلـتـيْـن وتـجـربـتـيـن مـن الـتّـهـيـئـة والإنـضـاج قـبـل أن تـنـدلـع الـحـرب وتـجـرِّب قـوى الـعـدوان اسـتـجرار دول الـخـلـيـج الـعـربـيّـة إلـيـهـا.
أولـى صُـوَر الـتّـهـيـئـة والإنـضـاج تـلـك الـنّـفـخُ فـي جـمْـرات الانـقـسـامـات الـعـصـبـويّـة الأهـلـيّـة الـعـربـيّـة، خـاصّـة بـيـن أتـبـاع الـمـذاهـب الإسـلامـيّـة (مـن سـنّـةٍ وشـيـعـة عـلى نـحـوٍ أخـصّ)، مـن أجـل إغـراق الـمـنـطـقـة فـي حـروبٍ مـذهـبـيّـة بـغـيـضـة تـتـمزّق بـهـا أوصـال الأوطـان ووحْـداتُـهـا الـوطـنـيّـة ويَـسْـهُـل بـهـا إلـقـاءُ الـقـبـض عـلى مـصـيـر الـبـلاد الـعـربـيّـة، وشـرعـنـةُ الـدّولـة الـطّـائـفـيّـة الـوحـيـدة فـي الـمـنـطـقة («إسـرائـيـل»). فـشـل هـذا الـهـدف أثـنـاء الحـرب الـعـراقـيّـة- الإيـرانـيّـة (1988-1980). فـشـل لأنّ الـرّئـيـس الـرّاحـل صـدّام حـسـيـن نـجـح فـي أن يُـضـفـيَ عـلى الحـرب طـابـعـاً قـومـيّـاً بـيـن أمّـتـيـن (عـربـيّـة وفـارسـيّـة). لـكـنّـه نـجـح، إلـى حـدٍّ، فـي الـعـراق بـعـد احـتـلالـه وإسـقـاط دولـتـه ونـظـامـه الـوطـنـيّ، وكـاد أن يـنـجـح فـي لـبـنـان لـولا أنّ الـتّـوازنـات الـدّاخـلـيّـة فـيـه مـا كـانـت تـسـمـح بـتـفـجـيـر حـربٍ مـذهـبـيّـة فـيـه.
أمّـا ثـانـي صُـوَر الـتّـهـيـئـة تـلك فـتـجـلّـت فـي حـمْـلات سـيـاسـيّـة وإعـلامـيّـة مـكـثّـفـة صـهـيـونـيّـة ضـدّ إيـران و«خـطـرِهـا» عـلى دول الـخـلـيـج وأمـنـهـا، مـقـرونـة بـالـتّـسـويـق لـمـشـروعٍ يـسـتـبـدل الأولـويّـات والـهـواجـس والأعـداء. وكـان مـن ذلـك مـثـلاً أن قـيـلَ - عـلى نـطـاقٍ واسـع - إنّ الـعـدوّ الـرّئـيـس لـدول الـخـلـيـج الـعـربـيّـة لـيـس «إسـرائـيـل» وإنّـمـا إيـران! بـل مـا عَـتَّـم الـكـيـانُ الـصّـهـيـونـيّ أن قـدّم نـفـسـه بـوصـفـه «حـلـيـفـاً» لـدول الـخـلـيـج فـي وجـه «عـدوّهـا» وعـدوّه الـمـشـتـرك.
بـعـد حـرب الأربـعـيـن يـومـاً ومـا تـلاهـا مـن ضـربـات عـسكـريّـة أمـريـكـيّـة مـتـقـطّـعـة لإيـران، ومـن ردود عـسـكـريّـة إيـرانـيّـة عـلى قـواعـدَ فـي الجـوار الـخـلـيـجـيّ؛ وبـعـد نـجـاح دول الـخـلـيـج الـعـربـيّـة في الإفـلات مـن الأفـخـاخ الأمـريـكـيّـة الـمـنـصـوبـة لـهـا قـصـد جـرّهـا إلى حـربٍ مـع إيـران...، بـات لا مـهْـرب مـن إنـضـاج شـروط الـتّـصـحـيـح الـمـتـبـادَل للـعـلاقـات الـعـربـيّـة- الإيـرانـيّـة وتـنـقـيـتـهـا مـن شـوائـب هـذه الحـرب الـمـلـعـونـة عـلى قـاعـدة مـبادئ حـسـن الـجـوار، والـتّـعـاون، وصـوْن الأمـن الإقـلـيـمـيّ. إنّ أحـداً لا يـمـلـك أن يـهـرب مـن حـقـائـق الجـغـرافـيـا؛ وهـذه تـقـول إنّ الـعـرب والإيـرانـيّـيـن سـيـعـيـشـون مـعـاً فـي فـضـاء واحـد يـقـيـمـون عـلى ضـفـافـه إلـى مـا شـاء اللّـه، وأنّ الأجـانـب الـغـربـاء عـن هـذه الجـغـرافـيـا قـافـلـون إلـى مَـواطـنـهـم حـتـمـاً...، وأن يـرتِّـبـوا عـلاقـاتـهـم، بـالـتّـالـي، عـلى هـذا المـقـتـضـى. ولـنـا فـي الحـوار الـذي جـرى بـيـن سـلـطـنـة عـمـان وإيـران حـول تـرتـيـبـات تـنـظـيـم الـمـلاحـة الـمـشـتَـرك فـي مـضـيـق هـرمـز الـمـصـداق لإرادة تـصـويـب الـعـلاقـات وإرسـائـهـا عـلى مـبـادئ الـتّـعـاون والأمـن الـمـشـتـرك.