تقرير: معهد واشنطن يدعو إلى آلية تحقق أمريكية مشتركة لحسم الجدل حول مدفوعات الأسرى
واستئناف دعم السلطة الفلسطينية..
واشنطن: دعا تحليل صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى إنشاء آلية تحقق أمريكية مشتركة تضم خبراء في الاستخبارات والمالية والدبلوماسية، بهدف حسم الجدل المستمر بشأن التزام السلطة الفلسطينية بإنهاء نظام مدفوعات الأسرى، معتبرًا أن غياب آلية تحقق موثوقة أصبح العقبة الرئيسية أمام استئناف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، كما يفاقم الأزمة الأمنية والاقتصادية في الضفة الغربية.
وبحسب التحليل، الذي أعده ديفيد ماكوفسكي ونافا غولدشتاين ضمن سلسلة PolicyWatch، فإن الخلاف لم يعد يدور حول وجود إصلاحات قانونية فحسب، بل حول إمكانية التحقق من تنفيذها عمليًا. ويشير الكاتبان إلى أن المراجعات المحاسبية التقليدية والتصريحات السياسية المتبادلة لم تعد كافية لإثبات ما إذا كانت السلطة الفلسطينية قد أوقفت بالفعل المدفوعات المرتبطة بالأسرى، الأمر الذي يستدعي آلية تحقق مشتركة تجمع المعلومات الاستخباراتية مع التدقيق المالي.
وأوضح التقرير أن السلطة الفلسطينية نشرت في يوليو الماضي مراجعة أعدتها شركة Alvarez & Marsal لإثبات انتقالها من نظام المخصصات السابق إلى برنامج رعاية اجتماعية يعتمد على معيار الاحتياج، إلا أن إسرائيل رفضت نتائج المراجعة، بينما اعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية أن التقرير لا يشكل بمفرده دليلًا كافيًا على إنهاء المدفوعات، متهمة السلطة بمحاولة تضليل المجتمع الدولي.
وأشار التقرير إلى أن جذور الأزمة تعود إلى قانون تايلور فورس الأمريكي، الذي أوقف نحو 165 مليون دولار من المساعدات الأمريكية السنوية للسلطة الفلسطينية إلى حين التأكد من وقف المدفوعات المرتبطة بمنفذي العمليات وإلغاء التشريعات المنظمة لها، بينما اعتمدت إسرائيل تشريعًا مماثلًا عام 2018 يتيح اقتطاع مبالغ من أموال المقاصة الفلسطينية.
ولفت الكاتبان إلى أن السلطة الفلسطينية تؤكد أنها نفذت إصلاحًا جوهريًا عبر مرسوم أصدره الرئيس محمود عباس عام 2025، أنشأ نظامًا للرعاية الاجتماعية قائمًا على الاحتياج من خلال “المؤسسة الفلسطينية للتمكين الاقتصادي الوطني”، ويحظر اعتماد السجن أو الانتماء السياسي معيارًا للاستفادة من المساعدات. إلا أن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين يشككون في اكتمال تنفيذ هذه الإصلاحات، ويقولون إن قنوات دفع غير رسمية قد تكون ما زالت قائمة خارج البرنامج الرسمي.
ووفقًا لما أورده التحليل، يتركز جزء من القلق الأمريكي حول نحو 3400 حساب في بنك فلسطين يُشتبه باستخدامها لتحويل مدفوعات للأسرى وعائلاتهم وفق النظام السابق، وهو ما تنفيه السلطة الفلسطينية بشكل قاطع. كما استشهد التقرير بإعلان صادر في يناير 2026 عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين تضمن دعوة عدد من الأسرى المحررين لتحديث بياناتهم المصرفية، معتبرًا أن هذه الخطوة عززت الشكوك الأمريكية بشأن استمرار أجزاء من النظام القديم.
ويرى معهد واشنطن أن الأزمة تجاوزت الخلاف السياسي إلى ما يسميه الكاتبان “فجوة التحقق”؛ إذ تؤكد إسرائيل أن أجهزتها الاستخباراتية وحدها قادرة على كشف التحويلات المالية غير المباشرة، بينما تقول السلطة الفلسطينية إنها لا تستطيع الرد على اتهامات تستند إلى معلومات استخباراتية سرية لا يسمح لها بالاطلاع عليها، وهو ما يجعل من الصعب حسم الجدل عبر التدقيق المالي التقليدي.
وفي السياق نفسه، ربط التحليل هذا الملف بالأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى استمرار احتجاز إسرائيل لعائدات الضرائب الفلسطينية منذ أكتوبر 2023، والتي تقدر بنحو 300 مليون دولار شهريًا، إضافة إلى توقف عشرات آلاف العمال الفلسطينيين عن العمل داخل إسرائيل، وهو ما أدى إلى تراجع الإيرادات واضطرار السلطة إلى صرف رواتب جزئية لموظفيها، مع تحذير من انعكاسات ذلك على الاستقرار الأمني والتنسيق الأمني في الضفة الغربية.
ويقترح الكاتبان إنشاء آلية تحقق تقودها الولايات المتحدة تضم خبراء في الاستخبارات والمالية وإنفاذ القانون والدبلوماسية، إلى جانب مسؤولين أمنيين وماليين من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، بحيث تقدم إسرائيل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالتحويلات المشتبه بها، فيما توفر السلطة الفلسطينية وصولًا كاملاً إلى سجلاتها المالية والمصرفية، على أن تُقيّم النتائج وفق معايير شفافة وتُرفع إلى الكونغرس الأمريكي ومجلس الأمن الدولي والشركاء الإقليميين.
ويخلص تحليل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن استعادة الثقة بين الأطراف، وفتح الباب أمام استئناف المساعدات الأمريكية، لن يكونا ممكنين من دون آلية تحقق مشتركة تجمع بين المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية والشفافية المالية الفلسطينية، محذرًا من أن استمرار غياب مثل هذه الآلية سيبقي الخلاف قائمًا ويزيد من الضغوط المالية والسياسية والأمنية في الضفة الغربية.