تقرير: ما بعد إيران.. هل يتجه الشرق الأوسط إلى نظام أمني متعدد الأقطاب؟
عواصم: يرجّح تحليل حديث نشره موقع Geopolitical Futures (GPF) أن تؤدي تداعيات الحرب مع إيران إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية في الشرق الأوسط، ليس عبر انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة أو صعود هيمنة إيرانية، وإنما من خلال نظام أمني أكثر تعددية تتقاسم فيه قوى دولية وإقليمية أدوارًا سياسية وأمنية متزايدة، مع احتفاظ واشنطن بدور “الموازن الخارجي” بدل كونها الضامن الأمني الوحيد.
ويستند المقال، الذي أعده أندرو ديفيدسون وريدفان باري أوركوستا، إلى فرضية أن الحرب كشفت حدود نموذج الانتشار العسكري الأمريكي التقليدي في الخليج، بعدما أصبحت القواعد العسكرية الكبرى نفسها أهدافًا مباشرة في أي مواجهة واسعة النطاق.
القواعد الأمريكية لم تعد ميزة مطلقة
يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة اعتمدت لعقود على شبكة من القواعد العسكرية في البحرين وقطر والكويت لتأمين القيادة والسيطرة والانتشار السريع في المنطقة، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذا التركيز العسكري الكثيف يحمل مخاطر استراتيجية، بعدما أثبتت إيران قدرتها على تهديد هذه القواعد وشبكات الدعم المرتبطة بها.
واشنطن أخطأت في تقدير قدرة إيران
وبحسب التحليل، فإن الإدارة الأمريكية افترضت أن استهداف القيادات العسكرية والمنشآت النووية والصاروخية الإيرانية سيؤدي إلى تعطيل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، إلا أن طهران حافظت على قدر كافٍ من التماسك المؤسسي والقدرة العملياتية، بما مكنها من مواصلة الرد واستهداف البنية الداعمة للعمليات الأمريكية في المنطقة.
ويرى الكاتبان أن مرونة إيران تعود إلى اعتمادها على قيادة لا مركزية، وبنية تحتية محصنة، وشبكة واسعة من خطوط الإمداد البرية والبحرية تمتد عبر العراق وباكستان وتركيا وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان، بما يصعّب عزلها أو قطع طرق إمدادها بصورة كاملة.
انتشار أمريكي أخف
ويتوقع التقرير أن تحتفظ الولايات المتحدة بمنشآت القيادة والاستطلاع والتموضع في قطر والبحرين والكويت، لكنها لن تعود إلى نمط الحشد العسكري السابق، بل ستعتمد بصورة أكبر على الانتشار الدوري والتعزيزات المؤقتة، مع زيادة الاعتماد على خطوط إمداد بعيدة وطائرات التزود بالوقود، وتقليص الوجود القتالي الدائم في قواعد الخليج.
تغيير في الدور الأمريكي
ويشير المقال إلى أن التحول الأبرز لن يكون في حجم الوجود الأمريكي فقط، وإنما في طبيعة المهمة نفسها، إذ ستتحول واشنطن تدريجيًا من “المزود الأمني الأول” إلى شريك يمكّن حلفاءه عبر الاستخبارات، وأنظمة التسليح، والدفاع الجوي المتكامل، والدعم اللوجستي، مقابل تحمل الدول الإقليمية مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمنها وأمن الممرات البحرية.
ويلفت الكاتبان إلى أن هذا التحول بدأت ملامحه تظهر بالفعل من خلال تنامي أدوار شركاء إقليميين ودوليين في مجالات الدفاع والتسليح والتعاون العسكري..
نظام إقليمي أكثر تعددية
ويرى التحليل أن الفراغ السياسي الناتج عن إعادة تموضع الولايات المتحدة سيفتح المجال أمام قوى متعددة، من بينها الصين وروسيا وتركيا وباكستان وعدد من الدول الأوروبية، لتوسيع حضورها الدبلوماسي والأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط، من دون أن تتمكن أي منها منفردة من الحلول محل المظلة الأمنية الأمريكية.
ويخلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة لن تشهد هيمنة إيرانية أو انسحابًا أمريكيًا كاملاً، وإنما نظامًا إقليميًا أكثر تنافسية وتعددية، يقوم على شراكات متداخلة وتحالفات مرنة تتغير وفق المصالح السياسية والأمنية للدول الفاعلة.