أخبار

تقرير: الظل الطويل لصدمة إيران وإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية

بعد أزمة "مضيق هرمز"..

تقرير: الظل الطويل لصدمة إيران وإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية

واشنطن :أكد تقرير تحليلي نشره موقع "فورين أفرز"، أعده كل من جيسون بوردوف، مدير مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، وميغان إل. أوسوليفان، مديرة مركز بلفر ب جامعة هارفارد، أن أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي تجنبا حتى الآن سيناريوهات الكابوس والركود الحاد رغم استمرار إغلاق مضيق هرمز لعدة أشهر. وشهد المضيق، الذي يمر عبره عادة خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، تعطلاً شبه كامل عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران والتصعيد العسكري المتواصل.

وأوضح التقرير أن متوسط أسعار خام برنت سجل نحو 100 دولار للبرميل مقارنة بـ 70 دولاراً قبل الحرب، وبلغ الذروة عند 126 دولاراً في أبريل 2026، وهو أدنى بكثير من حاجز الـ 200 دولار الذي توقعته الأسواق، قبل أن تستقر الأسعار عند مستويات 80 دولاراً في يوليو.

أولاً: عوامل امتصاص الصدمة الأولى وانخفاض الأسعار

أرجَع الباحثان استجابة الأسعار الهادئة نسبياً وتجنب الكارثة الاقتصادية خلال الخمسة أشهر الأولى إلى ستة عوامل رئيسية:

  • تراجع الطلب المعادل للقص: انخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 5 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من عام 2026 نتيجة ارتفاع الأسعار والتدابير الحكومية لترشيد الاستهلاك.

  • وفرة المعروض والمخزونات مسبقاً: دخلت الأسواق الأزمة وهي تعاني من زيادة في المعروض مع تسريع دول "أوبك" لخطط زيادة الإنتاج، إلى جانب وجود نفط روسي عائم بالناقلات تحت مظلة العقوبات.

  • البنية التحتية البديلة للخليج: فعّلت السعودية والإمارات خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز، مما أتاح نقل أكثر من 5 ملايين برميل يومياً للأسواق العالمية، وخفض النقص الفعلي للإمدادات إلى 13 مليون برميل بدلاً من 20 مليونا.

  • السحب التاريخي من المخزونات: نسقت وكالة الطاقة الدولية أكبر عملية إطلاق للمخزونات الاستراتيجية، حيث عوض السحب الحكومي والتجاري ما بين 5 إلى 6 ملايين برميل يومياً.

  • طفرة الصادرات الأمريكية: قفزت صادرات النفط والمنتجات البترولية الأمريكية إلى مستويات تاريخية، لتصبح الولايات المتحدة مؤقتاً أكبر مصدر للنفط ومصدراً صافياً للخام لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.

  • امتصاص الصين للصدمة: خفضت بكين وارداتها من النفط الخام بنحو 5 ملايين برميل يومياً حتى يونيو، واعتمدت على سحب كميات من مخزوناتها الهائلة المقدرة بـ 1.4 مليار برميل، كما قيدت صادرات مشتقاتها البترولية لحماية سوقها المحلي.

ثانياً: جغرافيا جديدة للصدمات النفطية وانقسام القوى

أبرز التقرير أن أزمة هرمز أعادت رسم جغرافيا أمن الطاقة العالمية وأفرزت واقعاً جيوسياسياً جديداً:

  • الولايات المتحدة: أصبحت أكثر قدرة على الصمود بفضل تراجع كثافة استخدام النفط مقارنة بالناتج المحلي (حيث يستهلك الاقتصاد برميلاً واحداً لكل 1000 دولار ناتج مقارنة بأرقام 1973). وتشير تقديرات الفيدرالي في دالاس إلى أن صدمة مماثلة كانت ستخفض النمو الأمريكي بنسبة 5.6% عام 1980، بينما لم تتعد التأثيرات 0.3% اليوم. كما بقيت أسعار الغاز الأمريكي أدنى من 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، مقارنة بـ 20 دولاراً في أوروبا وآسيا.

  • الصين: تحولت بكين إلى نقطة التوازن الرئيسية في سوق النفط العالمي بفضل قدرتها التحكمية على الامتصاص والتخزين، مما يمنحها نفوذاً جيوسياسياً يوازي النفوذ الذي احتكرته السعودية سابقاً عبر الطاقة الإنتاجية الفائضة.

  • عبء الاقتصادات النامية: تحول الثقل الأكبر لتدمير الطلب نحو الدول المستوردة والنامية في آسيا وإفريقيا، حيث واجهت نقصاً حاداً في وقود الطائرات والغاز، واضطرت عشرات الدول (مثل بنغلاديش، لاوس، سريلانكا، الهند، كينيا، ونيجيريا) لاتخاذ إجراءات طارئة شملت تقنين الكهرباء، تقليص أيام الدراسة، وإلغاء الضرائب لامتصاص الغضب الشعبي.

ثالثاً: التحول للطاقة النظيفة ومخاطر الفحم

وحذر التحليل من أن الأزمة لا تعني حتمية التعجيل بالتحول نحو الطاقة النظيفة، مشيراً إلى محاذير عملية:

  1. الاطمئنان الزائف: قدرة النظام الحالي على التكيف قد تشجع الحكومات على ضخ الاستثمارات لتأمين سلاسل الوقود الأحفوري بدلاً من التخلي عنه.

  2. التردد تجاه التقنيات الصينية: مخاوف الحكومات من زيادة الاعتماد على سلاسل توريد الطاقة النظيفة والمستلزمات التي تسيطر عليها الصين بعد سلوكها الحمائي أثناء الأزمة.

  3. العودة الحادة للفحم: اتجهت دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، والصين إلى التوسع العاجل في تشغيل محطات الفحم لتعويض نقص الغاز الطبيعي المسال القطري، حيث تشير التقديرات إلى زيادة الطلب على الفحم بـ 70 مليون طن خلال 2026 وتسجيل استهلاك قياسي عالمياً.

رابعاً: خمس ركائز لمواجهة المرحلتين القادمتين

وشدد الكاتبان على أن "الرضا عن النفس" هو الخطر الأكبر، وأن أي تصعيد جديد سيتزامن مع استنزاف المخزونات وتآكل الوسائد المالية، مما يفرض الاعتماد على خمس ركائز استراتيجية:

  1. تعزيز كفاءة الطاقة: خفض الاعتماد المباشر على النفط عبر معايير صارمة وتوسيع استخدام السيارات الكهربائية والنقل العام.

  2. الاستثمار الحكومي في الصدادات: تمويل بناء خطوط الأنابيب، زيادة السعات التكريرية، وإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي المنضب.

  3. تنويع الطرق: توسيع شبكات الأنابيب لتفادي النقاط الحرج كالمضايق، وتوقيع عقود غاز طويلة الأجل مع أستراليا، ماليزيا، وكندا.

  4. حماية حُرية الأسواق: رفض أي ضغوط سياسية في واشنطن لمنع أو حظر صادرات النفط والغاز، لضمان استمرار توجيه الإمدادات عبر آليات الأسعار الشفافة.

  5. مساعدة الدول الضعيفة: تقديم دعم مالي وتقني لاقتصادات الدخل المنخفض لتطوير بنيتها التحتية والانتقال التدريجي الآمن نحو منظومات كهربائية ونظيفة.

واختتم التقرير بالتحذير من أن سلاح الطاقة قد عاد للواجهة، وأن القوى العظمى المحمية من عواقب أفعالها باتت تملك أسباباً أقل لضبط النفس، مما يجعل التهيؤ للصدمة القادمة ضرورة ملحة وأقرب مما يُتوقع.