مقالات

طولكرم تختنق اقتصاديًا.. هدم المنازل والتوسع ما بعد الجدار يضاعفان مخاطر الانهيار

طولكرم تختنق اقتصاديًا.. هدم المنازل والتوسع ما بعد الجدار يضاعفان مخاطر الانهيار

لم تعد الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مدينة طولكرم ومحافظتها مجرد حالة ركود مؤقت يمكن تجاوزها مع تحسن الظروف، بل باتت وضعًا مقلقًا ينذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع، في ظل تراجع الحركة التجارية، وإغلاق عشرات المحال والمطاعم والمقاهي ومحال الكماليات والمنشآت الاقتصادية أبوابها، وتراكم الديون والشيكات المرتجعة والخسائر التشغيلية على أصحابها.

ما يجري في طولكرم لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والأمنية التي فرضتها سلطات الاحتلال على المدينة ومخيميها ومحيطها. فالحواجز والإغلاقات والاقتحامات المتكررة وتقييد حركة المواطنين، إلى جانب تدمير البنية التحتية وتهجير السكان، أدت إلى عزل المدينة تدريجيًا عن محيطها الاقتصادي، وأضعفت واحدة من أهم مقومات الحياة التجارية فيها، وهي سهولة الوصول وحركة المتسوقين.

وكانت طولكرم تاريخيًا تستفيد من موقعها الجغرافي ومن حركة المتسوقين القادمين من محافظات الضفة ومن الداخل الفلسطيني، إلا أن تشديد الإجراءات العسكرية وإغلاق المعابر والحواجز المحيطة بالمدينة، ولا سيما عناب وجبارة وشوفة، جعل الوصول إلى المدينة أكثر صعوبة وكلفة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسواق.

وتزامن ذلك مع فقدان آلاف العمال في المحافظة مصادر دخلهم داخل الخط الأخضر، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر الرواتب، وارتفاع تكاليف المعيشة والنقل والطاقة، وهي عوامل أدت مجتمعة إلى انكماش الطلب الداخلي. وعندما تتراجع القدرة الشرائية، لا يتأثر متجر الملابس أو المواد الاستهلاكية فقط، وإنما تمتد الأزمة إلى المطاعم والمقاهي ومحال الكماليات وورش الصيانة والخدمات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ولعل إغلاق المطاعم والمقاهي ومحال الكماليات يمثل مؤشرًا مهمًا على عمق الأزمة؛ فهذه القطاعات ترتبط بالإنفاق غير الأساسي، وهي أول القطاعات التي تتأثر عندما تضطر الأسرة إلى توجيه دخلها المحدود نحو الغذاء والدواء والتعليم والمواصلات. ولذلك فإن تراجع هذه الأنشطة لا يعني فقط خسارة أصحابها، بل يعني أيضًا فقدان فرص عمل وانخفاض الطلب على الموردين والخدمات المرتبطة بها.

وتزداد خطورة المشهد مع تراجع قدرة التجار على الوفاء بالتزاماتهم، وارتفاع حالات الشيكات المرتجعة، وتراكم الإيجارات والديون والمصاريف التشغيلية. ومع استمرار الركود، يجد صاحب المنشأة نفسه أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في تحمل خسائر متزايدة، أو تقليص النشاط وتسريح العمال، أو إغلاق المنشأة نهائيًا.

لكن الأزمة الاقتصادية في طولكرم لا تقف عند حدود الركود التجاري، إذ تترافق مع ظروف أكثر خطورة تمس البيئة السكانية والعمرانية للمدينة والمحافظة، وفي مقدمتها سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، وعمليات الإخلاء والتهجير، والتوسع الاستيطاني وما يرتبط به من محاولة فرض واقع جديد على الأرض، ولا سيما في المناطق الواقعة بعد الجدار.

إن استهداف المنازل والمنشآت لا يحمل أبعادًا عمرانية فقط، وإنما يترك آثارًا اقتصادية عميقة؛ فهدم منزل يعني فقدان أسرة لمأواها وممتلكاتها، وهدم منشأة يعني فقدان مصدر رزق وفرص عمل، كما أن التهجير يعيد توزيع السكان ويضعف النشاط التجاري في المناطق المستهدفة ويزيد الضغط على المدن والبلدات المحيطة.

وتبرز كذلك ظاهرة المحروقات غير النظامية والتهريب والتجارة خارج الأطر الرسمية بوصفها أحد مظاهر الاختلال الاقتصادي المتزايد. فحين تضيق فرص العمل وتتعطل التجارة النظامية وترتفع تكاليف التشغيل، تنشأ أسواق موازية تستنزف الاقتصاد الرسمي، وتضر بالتاجر الملتزم، وتحرم الخزينة من الإيرادات، وقد تحمل مخاطر تتعلق بالسلامة العامة وجودة المنتجات.

وهنا تبرز الحاجة إلى معالجة هذه الظاهرة معالجة اقتصادية وقانونية متوازنة، لا تقتصر على الملاحقة، وإنما تعالج أسباب انتشارها، وتوفر بدائل قانونية وآمنة، وتضبط الأسواق وتحمي المستهلك والتاجر في آن واحد.

إن المشهد في طولكرم بات يتطلب قراءة شاملة؛ فالمدينة تواجه في الوقت نفسه حصارًا للحركة، وتراجعًا في القدرة الشرائية، وفقدانًا لمصادر الدخل، وتراجعًا في الاستثمار، وإغلاقًا للمنشآت، وتهديدًا للمساكن والمنشآت بفعل سياسات الاحتلال، وتوسعًا استيطانيًا، وتناميًا لبعض مظاهر الاقتصاد غير الرسمي.

ولهذا فإن التعامل مع الأزمة بمنطق الإجراءات الجزئية لن يكون كافيًا. المطلوب إطلاق خطة إنقاذ اقتصادي عاجلة لمحافظة طولكرم، تشارك فيها الحكومة والغرفة التجارية والبلديات والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية، وتتضمن إعادة جدولة التزامات المنشآت المتضررة، وتوفير تمويل ميسر، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتخفيف الرسوم والأعباء، وحماية فرص العمل، وتنشيط الأسواق.

كما أن على الحكومة أن تضع محافظة طولكرم ضمن أولوياتها الاقتصادية والتنموية، وأن تعمل بالتوازي على المستوى السياسي والقانوني والدبلوماسي لوقف الإجراءات الإسرائيلية التي تعرقل الحركة الاقتصادية وتهدد السكان والمنشآت والمنازل، لأن معالجة النتائج دون مواجهة أسباب الأزمة ستبقي الاقتصاد في دائرة الاستنزاف.

إن دعم أسواق طولكرم مسؤولية جماعية، والمواطن مطالب بالشراء من السوق المحلي كلما استطاع، لكن لا يجوز تحميل المواطن وحده مسؤولية إنقاذ اقتصاد يواجه ظروفًا استثنائية. فالاقتصاد يحتاج إلى حركة وطرق مفتوحة ودخل وفرص عمل واستقرار وأمن استثماري.

طولكرم اليوم أمام جرس إنذار اقتصادي واجتماعي لا يجوز تجاهله. وإذا استمر تراجع الأسواق وإغلاق المنشآت، بالتوازي مع هدم المنازل وتهجير السكان والتوسع الاستيطاني والقيود على الحركة وانتشار مظاهر الاقتصاد غير الرسمي، فإن كلفة المعالجة ستصبح أكبر، وستتسع دائرة البطالة والفقر، وسيتضرر النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة والمحافظة.

إن إنقاذ اقتصاد طولكرم ليس مطلبًا تجاريًا فحسب، بل هو جزء من معركة الصمود والحفاظ على الإنسان والأرض والمدينة. والمطلوب اليوم ليس بيانات تضامن، وإنما خطة طوارئ اقتصادية وتنموية حقيقية تحمي ما تبقى من الدورة الاقتصادية، وتمنع انهيار المنشآت، وتحافظ على فرص العمل، وتعزز صمود أهل طولكرم في مواجهة واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.