مقالات

 من تحت الركام .....غزة تزرع فجرًا جديدًا

 من تحت الركام .....غزة تزرع فجرًا جديدًا

‏«المتشائم لا يرى من الحياة سوى ظلها.»
‏لكن غزة، رغم كل ما مرّت به، ما زالت قادرة على أن ترى النور خلف الظل، وأن تبحث عن نافذة في جدارٍ امتلأ بالركام.
‏ثلاث سنوات من الحرب والدمار والخوف والفقد والصدمات تركت آثارها العميقة في نفوس أهل غزة. أجيال كاملة عاشت تجارب لم يكن ينبغي لطفل أن يعرفها، وأسر فقدت أحباءها وبيوتها وأمانها، ومع ذلك بقي الإنسان الغزي يحاول أن يستمر، أن يبتسم، أن يعلّم أبناءه، وأن يتمسك بالحياة رغم قسوتها.
‏وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية:
‏لسنا بحاجة فقط إلى إعادة بناء البيوت والمدارس والمستشفيات، بل نحن بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل؛ إلى ترميم الثقة التي هزّتها الصدمات، وإحياء الشعور بالأمان، وإعادة المحبة إلى العلاقات، وتعزيز التعاون، وإشعال جذوة الأمل في النفوس.
‏فالمجتمع الذي خرج من الألم يحتاج إلى أكثر من المساعدات المادية؛ يحتاج إلى كلمة طيبة، وإلى يدٍ تمتد إليه، وإلى من يقول له: ما زال المستقبل ممكنًا.
‏أخطر ما تتركه الحروب ليس الركام وحده، وإنما ذلك الصوت الداخلي الذي يقول للإنسان: لا شيء سيتغير.
‏وهنا يجب أن نعمل جميعًا على تغيير هذه الرسالة.
‏نريد أن نزرع في أطفالنا وشبابنا وأسرنا الثقة بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، وأن الإنسان قادر على النهوض بعد السقوط، وأن التجربة القاسية لا يجب أن تتحول إلى حكم مؤبد على المستقبل.
‏الثقة لا تعني إنكار الألم، بل تعني أن نقول:
‏نعم، تألمنا... لكننا لم ننتهِ.نعم، خسرنا كثيرًا... لكننا ما زلنا نملك القدرة على البناء.نعم، الطريق طويل... لكننا نستطيع أن نبدأ.
‏الثقة لا تعني إنكار الألم، بل تعني أن نقول: نعم، تألمنا... لكننا لم ننتهِ.نعم، خسرنا كثيرًا... لكننا ما زلنا نملك القدرة على البناء.نعم، الطريق طويل... لكننا نستطيع أن نبدأ.
‏المحبة ليست ترفًا: في المجتمعات التي أنهكتها الأزمات، تصبح المحبة حاجة إنسانية أساسية.
‏نحتاج أن نعيد بناء ثقافة السؤال عن الآخر، والاحتواء، والتسامح، ومساندة الأسرة، واحترام مشاعر الأطفال، والاستماع إلى الشباب. نحتاج مدرسةً يشعر فيها الطفل أنه محبوب وآمن، ومعلمًا يرى الطالب إنسانًا قبل أن يراه رقمًا في سجل الدرجات، وأسرةً تمنح أبناءها الأمان قبل النصائح، ومجتمعًا لا يترك الإنسان وحيدًا في مواجهة ألمه. فالإنسان الذي يشعر أنه محبوب يستطيع أن يستعيد قوته.
‏التعاون... قوة غزة القادمة: لقد أثبتت الأزمات أن المجتمعات لا تنهض بالجهود الفردية وحدها. غزة تحتاج إلى أن تتكاتف فيها المدرسة والأسرة والجامعة والمؤسسة الصحية والمجتمع المدني والإعلام والمؤسسات العلمية، وأن يتحول العمل من رد فعل على الأزمة إلى مشروع وطني وإنساني لبناء الإنسان والمجتمع. التعاون يعني أن نبحث عما يجمعنا، لا عما يفرقنا. وأن نسأل: ماذا نستطيع أن نفعل معًا؟
‏بدلًا من أن نسأل: ماذا يستطيع كل واحد منا أن يفعل بمفرده؟
‏الأمل ليس كلمة... بل مشروع حياة
‏الأمل الحقيقي ليس أن نقول للناس: لا تحزنوا.
‏فمن حق من فقد بيته أن يحزن، ومن حق من فقد عزيزًا أن يبكي، ومن حق الطفل الذي عاش الخوف أن يشعر بالخوف. لكن مسؤوليتنا أن نقول لهم:
‏احزنوا، ولكن لا تفقدوا المستقبل.ابكوا، ولكن لا تسمحوا للألم أن يسرق أحلامكم.تعبتم، ولكن ما زال فيكم من القوة ما يكفي لتبدأوا من جديد.
‏نحن لا نحتاج إلى أملٍ وهمي، بل إلى أملٍ واقعي يتحول إلى عمل؛ إلى تعليم، وإعمار، وبحث علمي، ورعاية نفسية، وتمكين للشباب، ودعم للأطفال، ومشروعات تفتح أبواب المستقبل. غزة تستحق فجرًا جديدًا
‏ربما لا نستطيع أن نمحو ما حدث. ولا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء. لكننا نستطيع أن نقرر ماذا سنفعل بالآثار التي تركها الماضي فينا.
‏يمكننا أن نحول الألم إلى وعي، والخسارة إلى قوة، والتجربة إلى معرفة، والركام إلى بداية، والخوف إلى شجاعة، والانقسام إلى تعاون، واليأس إلى مشروع حياة.
‏غزة لا تحتاج فقط إلى من يبني حجارتها؛ إنها تحتاج إلى من يبني الإنسان فيها. إن إعادة إعمار غزة الحقيقية تبدأ عندما نستعيد في الإنسان الغزي ثقته بنفسه، وبأخيه، وبمجتمعه، وبالمستقبل. وعندما يتعلم الطفل أن يرى في السماء طائرًا لا طائرة، وفي الغد مدرسةً لا ملجأ، وفي المستقبل جامعةً لا خيمة، وفي الحياة فرصةً لا مجرد نجاة...عندها فقط نكون قد بدأنا إعادة البناء الحقيقي.
‏فلنزرع اليوم الثقة والمحبة والتعاون والأمل...
‏لأن غزة التي صمدت أمام كل هذا الألم، تستحق أن ترى فجرًا جديدًا. ولأن المتشائم قد لا يرى من الحياة إلا ظلها، فإن مهمتنا أن نساعد أبناء غزة على رؤية النور الذي يقف خلف ذلك الظل. فالفجر لا يولد لأن الليل كان قصيرًا...بل لأنه، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الصباح من المجيء.