"مولتشالين" الليكود... إسرائيل كاتس بين فوائد التبعية وأرباح الامتثال السياسي
التبعية -في تعريفها البسيط والمجرد- تعني انقياد المرء لمن يتقدمه ويقوده، وفقدانه استقلالية القرار. وهي علاقة بين طرفين؛ الأول يملك المبادرة والقرار، والثاني يستمد وجوده وشرعيته ومكانته من الأول. وقد تعددت النظريات المفسرة للتبعية باعتبارها سلوكاً طوعياً، سواء من أبعادها السوسيولوجية أو النفسية، أو مظاهرها وتعبيراتها السياسية أيضاً.
ويتقاطع هذا التوصيف مع مفهوم المفكر الفرنسي إتيان دي لابواسيه، "العبودية الطوعية"، التي تتجرد من كونها إكراه خارجي تفرضه موازين القوة، إلى استراتيجية مختارة للترقي الفردي والتماس الأمان داخل الهيكل الحزبي. ففي السياسة، يحاول التابعون التحايل على فقدانهم القدرة على اتخاذ القرار، وارتباط ولائهم بموقع الشخص المتبوع بمصطلح مخادع "تحالف"؛ غير أن قيام علاقة تحالف بين طرفين يعني أن لكل منهما أيديولوجيته ومصالحه ومواقفه التي يمكنه المساومة عليها داخل إطار التحالف، بينما ينتقل التابع من موقف إلى نقيضه التام لمجرد أن المتبوع فعل ذلك.
وبعيداً عن هذه الأوصاف المركبة لتحليل مبدأ التبعية، زخرت الأمثال الشعبية عالمياً بكثير من التندر على التابع؛ ففي الثقافة الفرنسية يشار إليه بسخرية إذ يقول المثل" "كلب الملك أسد"، وفي العالم العربي يشار إليه بعبارات من قبيل: "كلب الشيخ شيخ" أو "كلب الباشا باشا" إلى غير ذلك من التعبيرات التي تصب جميعها في الاتجاه ذاته.
أما الأدب والسينما، فقد تناولا مفهوم التبعية والامتثال والانصياع الطوعي في أعمال وشخصيات عديدة؛ ففي رواية القاهرة الجديدة لنجيب محفوظ، تبرز شخصية الرواية الرئيسة "محجوب عبد الدايم" كمثال على الانتهازية والانفصال عن المبادئ في سبيل الترقي الوظيفي، والقبول بالدور المرسوم له من قبل صاحب النفوذ؛ حيث كان كل صعود لشخصية "محجوب عبد الدائم" في السلم الاجتماعي، يقابله – بالضرورة - هبوط في قيمته الإنسانية أمام نفسه وأمام الآخرين.
وفي الأدب الروسي، يقدم المسرحي الروسي ألكسندر غريبويدوف، في مسرحيته الشهيرة "ذو العقل يشقى"، تشخيصه لسلوك التبعية في صورة "مولتشالين"، الذي لا رأي له، لا مشروع، ولا حتى شخصية مستقلة، بل يوجه طاقته بأكملها نحو إرضاء من هم أعلى منه مقاماً، وتحديداً نحو صاحب النفوذ الوحيد الذي يستمد منه وجوده الاجتماعي برمته. إن منجزه الوحيد يتمثل في قربه من الشخص المسؤول، والدوران في فلكه، والتنفس من رئته، وسقوطه لا يكون مجرد سقوط فكري بل سقوط من يفقد مصدر الضوء على الفاعل فيتلاشى الظل تلقائي.
"وفي سني، لا يليق أن يكون لي رأي" بهذه العبارة الشعرية الواردة على لسان "مولتشالين" في المسرحية - والتي ذهبت مثلاً في الثقافة الروسية منذئذ، يستشهد به للسخرية ممن يبررون خضوعهم وانصياعهم أو تخليهم عن الموقف المستقل بذريعة التبعية الوظيفية أو عدم اللياقة بالاعتراض - يدشن إسرائيل كاتس، أو محجوب عبد الدايم السياسة الإسرائيلية رحلة صعوده. فالرجل الذي لا يتذكر أحد له موقفاً أو حضوراً فارقاً على رأس أي طاولة اجتماعات، لم يكن فراغه الفكري الصادق علّة بقدر ما كان إشارة طمأنينة سلسة يرسلها لسيده الأوحد بنيامين نتنياهو.
فالرجل الذي اقتصرت خدمته العسكرية على أربع سنوات فقط، وبدا منفلتاً في سنوات شبابه الأولى؛ إذ طارد برفقة مجموعة من طلاب اليمين المتطرف رموز النشاط الطلابي الفلسطيني سعياً وراء حظر وجودهم في الجامعات الإسرائيلية، وحاصر رئيس الجامعة في مكتبه، سرعان ما ينشط داخل حزب "الليكود" ليصبح عضواً فاعلاً وقادراً على التحكم بالتعيينات والعلاقة مع القواعد الحزبية. وفي كل منصب ساقته إليه الأقدار أو بنيامين نتنياهو، سخر كاتس مؤسسات الدولة لتوزيع المزايا والتعيينات على المقربين وأعضاء "مركز الليكود" لتثبيت نفوذه الانتخابي؛ وهو الأمر الذي يفسر استمرار تصدره كرجل ثان قوائم الحزب للكنيست منذ دخوله أول مرة.
أدرك كاتس مبكراً أن مؤهلاته وقدراته محدودة بطبيعتها؛ فهو يفتقر للكاريزما التي تتيح له خلق قاعدة من المعجبين داخل حزبه أو في الوسط السياسي، كما يعاني ضحالة في قدراته الفكرية والأيديولوجية واللغوية للتعامل مع وسائل الإعلام. إن كان يتعذر الحصول على الضوء، فسأنعم بالظل"؛ هكذا يحول كاتس نفسه من مجرد عابر سبيل في أي مشهد يدخله، إلى شاغل موقع تنفيذي متجرد من أي وزن فعلي.
إن كل نظام سلطوي يحتاج إلى طبقة خاصة من التابعين الذين يتقنون تنفيذ القرارات دون تفكير؛ وهي طبقة تنتج شخصيات بعينها وتكافئها دون النظر إلى من يشغلها فعلياً، فالتابع فيها قابل للاستبدال بآخر يؤدي الوظيفة ذاتها، مما يجعله عرضة للسقوط السريع والمطلق بمجرد انقطاع صلته بالمركز. وصحيح أن "مولتشالين" في المسرحية كان تابعاً صامتاً، غير أن صمته لم يكن ناشئاً عن عجز عن الكلام، بل اتخذه استراتيجية للوجود والبقاء؛ فأن تكون بلا صوت هو ما يضمن لك البقاء في دائرة السلطة. وكما يكمن مجد "مولتشالين" في مجرد وجوده داخل بيت "فاموسوف"، يكمن إنجاز كاتس الوحيد في القرب من نتنياهو؛ بيد أن "مولتشالين" كان يقر بوعي بأنه يؤدي دور الصامت في أروقة السلطة، أما كاتس فيفتقر إلى هذا الوعي الساخر بذاته، مما يجعله أكثر انغلاقاً ونمطية، ويقلل من حضوره كنموذج أدبي؛ إذ تحتاج كل شخصية -سواء كانت قيادية أم تابعة- إلى شرخ نفسي يجعلها قابلة للتطور نصاً والتجسيد الإنساني.
يبرهن كاتس في كل ظهور إعلامي على صحة القاعدة القائلة: "إن السكوت من ذهب"؛ فالرجل لا يدرك حجم الحماقات التي يرتكبها في كل تصريح، حتى بات عبئاً على المؤسسة الأمنية والعسكرية؛ تارة بتسريب خبر انطلاق الطائرات الأمريكية في غاراتها على إيران، وتارة بالهذيان حول ضرورة إنشاء جزر صناعية لتهجير أهالي غزة إليها، وتارة أخرى حين يتجاوز صلاحياته على الهواء مباشرة ليعلن إقالة ضابط برتبة لواء في الجيش لمجرد رغبة طفولية في استعراض حضور يصنع له مجداً زائفا.
في التراث الشعبي العربي، ثمة قصص تزخر برمزية والتي يمكن إسقاطها على شخصيات ذوي نفوذ ظاهري، لكنهم من الناحية العملية بلا قدرات تؤهلهم لهذا الموقع. إذ يحكى عن حيوان اسمه السمور، يصاد من أجل خصيتيه. يطارده الصيادون في الغابات لا لشيء سوى للحصول على خصيتيه، فقط من أجل خصيتيه، ثم يطلقون سراحه بعد ذلك. وإذا صادف السمور ذاته الصيادين مرة أخرى يقوم بالكشف مباشرة عن خصيتيه المفقودتين ليتركوه وشأنه. وعلى هذا، فلندع سمور السياسة الإسرائيلية وشأنه.