معترضات بـ5 آلاف دولار: حرب إيران تدفع صناعة الدفاع نحو الإنتاج المحلي منخفض الكلفة
طهران: تدفع حرب إيران المتواصلة صناعة الدفاع إلى إعادة النظر في واحدة من أكثر معادلاتها كلفة: استخدام صواريخ اعتراضية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات لإسقاط مسيّرات هجومية رخيصة نسبيًا. وفي قلب هذا التحول، برزت شركة أميركية ناشئة تدعى Powerus، تسعى إلى بناء شبكة دولية لإنتاج معترضات منخفضة الكلفة، مع اتخاذ الإمارات قاعدة أولى لتوسعها في الشرق الأوسط.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة The New York Times يوم الأحد، للصحفيتين فرح ستوكمان وإسماعيل نجار، تحولت Powerus، ومقرها ولاية فلوريدا، خلال فترة قصيرة إلى مورد لمعترضات مضادة للمسيّرات، مستفيدة من الطلب المتزايد على وسائل دفاعية أرخص وأسرع إنتاجًا في الدول المعرضة للتهديدات الإيرانية. ويشير التقرير إلى أن الشركة أقامت منشأة في الإمارات، بالتوازي مع توسعها في الهند، في نموذج يعكس تحولًا أوسع في صناعة الدفاع باتجاه الإنتاج المشترك بالقرب من ساحات الطلب.
الإمارات قاعدة الانطلاق الإقليمية
بدأت المنشأة الإماراتية التابعة للشركة عملها مؤخرًا، لتشكل أول موطئ قدم لـPowerus في الشرق الأوسط. وتنتج مصانع الشركة حاليًا نحو 3 آلاف معترض شهريًا، فيما تستهدف إنشاء شبكة مصانع عالمية قادرة على رفع الإنتاج إلى نحو 15 ألف معترض شهريًا بحلول منتصف عام 2027.
وجاء هذا التوسع في وقت دفعت فيه حرب إيران الإمارات ودولًا أخرى إلى تسريع خطط كانت قائمة أصلًا لتوطين جانب أكبر من الصناعات الدفاعية. ووفق الأرقام التي يوردها التقرير، تعرضت الإمارات منذ بداية الحرب في فبراير/شباط لهجمات بأكثر من 500 صاروخ باليستي وأكثر من 2200 مسيّرة إيرانية، أسفرت عن مقتل 15 شخصًا على الأقل وإصابة المئات، فضلًا عن تدمير مصفاة نفط ومركزي بيانات تابعين لأمازون.
وتزامنت كثافة الهجمات مع تزايد القلق من استنزاف مخزونات المعترضات الأميركية، ما جعل البحث عن منظومات أرخص وقابلة للإنتاج بكميات كبيرة مسألة تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية إلى متطلبات الاستدامة العملياتية.
"غارديان".. معترض بخمسة آلاف دولار
تتمحور استراتيجية Powerus حول معترض أطلقت عليه اسم «غارديان» Guardian، تبلغ كلفته نحو 5 آلاف دولار. وهو أشبه بصاروخ صغير مصمم للاصطدام بالتهديد الجوي وتدميره قبل وصوله إلى هدفه، ويستند إلى تصميم أوكراني أثبت فعاليته في مواجهة مسيّرات "شاهد".
ولا يمثل «غارديان» بديلًا للأنظمة المتطورة المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية، مثل PAC-3 الذي تنتجه لوكهيد مارتن، وإنما صُمم لمواجهة المسيّرات المتوسطة الحجم، وهي من أكثر أدوات الهجوم الإيراني استخدامًا.
وتكمن إحدى نقاط قوة المنظومة في بساطة إنتاجها. فقد صُممت مكوناتها بحيث يمكن تركيبها بسرعة، مع الاعتماد على رقائق إلكترونية ووحدات تحديد مواقع متاحة تجاريًا. وزودت Powerus مصنعًا إماراتيًا متعاقدًا معها بالتدريب والمكونات والبرمجيات اللازمة لإنتاج المعترضات لصالح عميل في الشرق الأوسط لم تكشف الشركة هويته.
وينتج المصنع نحو 30 معترضًا يوميًا حاليًا، مع خطط لرفع الإنتاج إلى 100 معترض يوميًا. كما أعلنت الشركة عقدًا تجاريًا بقيمة 22 مليون دولار لحماية بنية تحتية نفطية وغازية في الشرق الأوسط، إلى جانب شراكة مع شركة دفاعية قرب مومباي لإنتاج المعترضات في الهند.
معضلة "الكلفة مقابل الكلفة"
يبرز صعود هذه المعترضات مشكلة اقتصادية وعسكرية أصبحت أكثر وضوحًا خلال الحروب الأخيرة: عدم التناسب بين كلفة وسيلة الهجوم وكلفة اعتراضها.
فبحسب ألبرت فيدال، الباحث المشارك في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كانت الإمارات تستخدم معترضات PAC-3 التي تبلغ كلفتها ملايين الدولارات لإسقاط مسيّرات «شاهد» لا تتجاوز كلفة الواحدة منها نحو 40 ألف دولار، وهي معادلة يصعب استمرارها خلال حرب استنزاف طويلة. ولذلك تتجه أبوظبي إلى الجمع بين استمرار شراء الأنظمة الأميركية المتطورة، وتنويع الموردين، وبناء قدرة إنتاج دفاعية سيادية داخل الدولة.
ولا تعمل Powerus وحدها في هذا الاتجاه. فقد دخلت رايثيون أيضًا في شراكة لبناء معترضات «كايوتي» في الإمارات، بكلفة تقديرية تبلغ نحو 126.5 ألف دولار للوحدة، فيما تطور شركة Neros الناشئة في كاليفورنيا معترضًا منافسًا يدعى "بانديت" بسعر أساسي يقارب 5 آلاف دولار.
تحول أوسع في صناعة السلاح
يتجاوز الأمر ظهور شركات ناشئة جديدة، ليعكس تحولًا في نموذج صناعة الدفاع الغربية نفسها. فمع تزايد الضغط لتسريع تسليم الأسلحة، بدأت الشركات الكبرى تتجه بصورة أكبر نحو الإنتاج المشترك والتصنيع المحلي والأنظمة الأقل تعقيدًا والأسرع إنتاجًا.
ويورد التقرير مثال لوكهيد مارتن، التي تعتمد تقليديًا على تصنيع الأسلحة في الولايات المتحدة ثم تصديرها إلى العملاء، لكنها أعلنت في يوليو/تموز أنها ستنتج بالتعاون مع جهات أوروبية معترضًا أقل كلفة، يقدر سعره بنحو مليوني دولار، أي قرابة نصف كلفة PAC-3، وإن كان من غير المتوقع اختباره قبل عام 2028.
ويعكس ذلك درسًا رئيسيًا أفرزته الحروب الحديثة: لم يعد ممكنًا الاعتماد على مصنع واحد أو قارة واحدة لتزويد حرب كثيفة الاستهلاك بالذخائر. ويتجه النموذج الجديد نحو توزيع خطوط الإنتاج جغرافيًا، وإقامتها بالقرب من المناطق التي تشهد طلبًا مرتفعًا.
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط
تعود جذور Powerus إلى عام 2022، عندما توجه مؤسسها المشارك مايكل سينينسكي وشريكه رومان فينفيلد إلى أوكرانيا لتقديم مستلزمات طبية عقب الغزو الروسي. وهناك شاهدا بصورة مباشرة بدايات التحول الكبير في استخدام المسيّرات في الحروب الحديثة.
والتقى الاثنان لاحقًا بريت فيليكوفيتش، المخضرم في عمليات القوات الخاصة الأميركية، الذي اختبر مسيّرات قدمتها شركات أميركية إلى أوكرانيا ووجد عددًا منها دون المستوى المطلوب. وأسهمت تلك التجربة في تأسيس Powerus بهدف إعداد الولايات المتحدة وحلفائها لعصر جديد من حروب المسيّرات. واستقطبت الشركة شركاء أوكرانيين يمتلكون تقنيات مجربة ميدانيًا، واستحوذت على شركتي Tandem Defense وKaizen Aerospace، وبدأت إنتاج المسيّرات ومعترضات «غارديان» في منشآت بولايتَي كارولاينا الشمالية وكاليفورنيا لصالح الجيش الأميركي.
لكن هذه المعترضات لا تحل سوى جزء من مشكلة الدفاع الجوي؛ فهي مخصصة أساسًا للمسيّرات متوسطة الحجم، بينما تبقى الحاجة قائمة إلى منظومات أكثر تقدمًا لمواجهة الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية الأسرع.
وتصف ستايسي بيتيجون، الزميلة الأولى ومديرة برنامج الدفاع في مركز الأمن الأميركي الجديد، «غارديان» بأنه مكمل وليس بديلًا لمنظومات PAC-3، محذرة من احتمال إعادة إيران بناء مخزونها الصاروخي والحصول مستقبلًا على مسيّرات روسية نفاثة أسرع من طرازات "شاهد" التقليدية.
روابط مع عائلة ترامب
يلفت تقرير "نيويورك تايمز" كذلك إلى شبكة من الروابط التجارية والاستثمارية بين Powerus وشخصيات مرتبطة بعائلة الرئيس دونالد ترامب.
فبعد وقت قصير من اندلاع حرب إيران، أعلنت Powerus اندماجًا غير معتاد مع شركة مشغلة لملاعب غولف مدرجة في البورصة تدعى Aureus Greenway Holdings، في صفقة توسطت فيها شركة Dominari Securities الاستثمارية التابعة لـDominari Holdings، التي يعد دونالد ترامب الابن وإريك ترامب من مساهميها وأعضاء مجلسها الاستشاري.
كما انضم الجنرال المتقاعد كيث كيلوغ، المستشار الأول السابق للرئيس ترامب في البيت الأبيض، إلى المجلس الاستشاري للشركة. واستثمرت شركة Unusual Machines، التي يضم مجلسها الاستشاري دونالد ترامب الابن، نحو 30 مليون دولار في Powerus، فيما وقعت الشركة عقدًا تصل قيمته إلى 90 مليون دولار لتزويد القوات الجوية الأميركية بالمعترضات.
وتضيف هذه العلاقات بعدًا سياسيًا وتجاريًا إلى قصة الصعود السريع للشركة، وإن كانت Powerus تقول إن تركيزها ينصب على تطوير قدراتها وجذب الاستثمارات وليس على الاعتبارات السياسية.
الإمارات واستراتيجية "القدرة السيادية"
تكشف تجربة Powerus في الإمارات عن تحول أعمق من مجرد شراء منظومة دفاعية جديدة. فالحرب أبرزت صعوبة الاعتماد على مخزونات محدودة من الصواريخ الاعتراضية المتطورة لمواجهة آلاف المسيّرات الأقل كلفة، ودفعت نحو بناء طبقات دفاعية مختلفة، بحيث تخصص المنظومات الأغلى والأكثر تطورًا للتهديدات الباليستية، بينما تتولى معترضات رخيصة وقابلة للإنتاج الكثيف مواجهة المسيّرات.
وفي هذا السياق، يرى ألبرت فيدال أن الهدف الإماراتي الأول بات امتلاك «قدرة سيادية»، من خلال استراتيجية تجمع بين مواصلة شراء أكبر قدر ممكن من الولايات المتحدة، والانفتاح على موردين آخرين، والبدء في تصنيع الأسلحة محليًا.
ويضع ذلك الإمارات في قلب تحول متسارع في سوق الدفاع العالمي: من نموذج يقوم على شراء أنظمة مرتفعة الكلفة تُنتج في عدد محدود من المصانع الغربية، إلى نموذج أكثر توزيعًا يعتمد على نقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي والتصنيع المشترك والأسلحة منخفضة الكلفة القابلة للإنتاج بأعداد كبيرة.
وفي الوقت نفسه، تبقى بعض تفاصيل نشاط Powerus غير قابلة للتحقق المستقل؛ فالشركة لا تكشف علنًا هوية عملائها أو الجهة المصنعة المتعاقدة معها في الإمارات، ما يعني أن جانبًا من أرقام الإنتاج والتفاصيل التعاقدية يستند إلى تصريحات مسؤولي الشركة نفسها. كما أن التقديرات المتعلقة بتطور القدرات الإيرانية المستقبلية تظل تقديرات تحليلية وليست معلومات استخباراتية مؤكدة.
وفي المحصلة، تكشف تجربة Powerus أن حرب إيران لا تستنزف مخزونات الذخيرة فحسب، بل تسرع أيضًا إعادة تشكيل اقتصاديات الدفاع الجوي. فالمعادلة الجديدة لم تعد تقتصر على امتلاك المعترض الأكثر تطورًا، وإنما أصبحت تتعلق بالقدرة على إنتاج أعداد كبيرة من المعترضات المناسبة، بكلفة يمكن تحملها، وفي مصانع تقع بالقرب من مسرح العمليات. وفي هذه المعادلة، تتحول الإمارات من مجرد مشترٍ للمنظومات الدفاعية إلى موقع للإنتاج وبناء قدرة محلية قد تصبح جزءًا دائمًا من بنيتها الأمنية بعد الحرب.