ترامب يعيد رسم حدود السلطة التنفيذية الأمريكية… هل ترث الإدارات المقبلة رئاسة أقوى؟
واشنطن: يرى المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما أن الأثر الأعمق لولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية لن يتمثل في سياسات بعينها، وإنما في إعادة تشكيل بنية السلطة التنفيذية الأمريكية وتوسيع صلاحيات الرئيس بصورة قد تجعل أي إدارة مقبلة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، أمام واقع دستوري وسياسي جديد يصعب التراجع عنه. جاء ذلك في مقال نشره فوكوياما في 31 يوليو/تموز 2026 ضمن عموده الشخصي Frankly Fukuyama على منصة Persuasion، واستندت إليه هذه المادة.
ويؤكد فوكوياما أن الدستور الأمريكي منح الكونغرس صلاحيات التشريع وإقرار الموازنات وإعلان الحرب، بينما أوكل للرئيس مسؤولية تنفيذ القوانين، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت توسعاً ملحوظاً في استخدام السلطة التنفيذية بما يتجاوز هذا التوازن التقليدي بين المؤسسات.
وبحسب المقال، اتخذت إدارة ترامب سلسلة من الإجراءات التنفيذية المثيرة للجدل، من بينها محاولة إنهاء حق المواطنة بالولادة، والامتناع عن إنفاق أموال أقرها الكونغرس، وإغلاق مؤسسات أنشأها المشرعون، والتوسع في استخدام صلاحيات الطوارئ لفرض رسوم جمركية، إلى جانب إقالة مسؤولين فيدراليين يتمتعون بحماية قانونية، وشن عمليات عسكرية ضد إيران دون تفويض من الكونغرس. ويشير الكاتب إلى أن عدداً من هذه الإجراءات تعرض للطعن أمام القضاء، فيما أبطلت المحاكم بعضها.
ويعتبر فوكوياما أن نقطة التحول الأبرز جاءت مع حكم المحكمة العليا في قضية ترامب ضد سلوتر، الذي رأى أنه عزز سلطة الرئيس في إدارة الهيئات الفيدرالية المستقلة، بما ينسجم مع ما يعرف بـ”نظرية السلطة التنفيذية الموحدة”، وهي رؤية دستورية تمنح الرئيس سلطة شبه كاملة على الجهاز التنفيذي وتحد من القيود التي يفرضها الكونغرس على تلك الصلاحيات.
في المقابل، يعارض الكاتب هذا التوجه، ليس من منطلق دستوري فقط، وإنما انطلاقاً من اعتبارات عملية، إذ يرى أن حجم الدولة الأمريكية وتعقيد مؤسساتها يتطلبان استقلالاً نسبياً للهيئات الفنية والتنظيمية، بما يحافظ على الخبرة المهنية ويمنع إخضاعها بالكامل للاعتبارات السياسية، مستشهداً بمجلس الاحتياطي الفيدرالي بوصفه نموذجاً لهذه الاستقلالية.
ويربط فوكوياما هذا النقاش بتداعيات مباشرة على السياسة الخارجية الأمريكية، معتبراً أن تعيين شخصيات غير مؤهلة في مواقع أمنية واستخباراتية بارزة أدى إلى تهميش الخبرات المتخصصة داخل مؤسسات الأمن القومي، وهو ما انعكس – بحسب تقديره – في غياب من كان يمكنه تحذير الرئيس من أن توجيه ضربة جوية واسعة لإيران قد يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز وما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية واسعة.
كما يحذر الكاتب من أن مشروع Project 2025، الذي أعدته مؤسسة Heritage Foundation، يهدف إلى إعادة هيكلة الخدمة المدنية الأمريكية عبر توسيع التعيينات السياسية وتقليص نظام التوظيف القائم على الجدارة، بما قد يعيد الولايات المتحدة إلى نمط المحسوبية السياسية الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر.
ويخلص فوكوياما إلى أن التحدي الذي ستواجهه أي إدارة أمريكية مقبلة لن يقتصر على إلغاء ما اتخذته إدارة ترامب من إجراءات، بل سيتمثل في وضع إطار جديد يحدد حدود السلطة التنفيذية، بعدما أصبحت الصلاحيات الرئاسية، في نظره، أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، وهو ما يتطلب إرادة سياسية استثنائية وآليات مؤسسية جديدة لضبط استخدامها.