أخبار

أكسيوس: ترامب يعاقب حلفاءه.. وحرب إيران تكشف حدود القوة الأميركية

أكسيوس: ترامب يعاقب حلفاءه.. وحرب إيران تكشف حدود القوة الأميركية

واشنطن: تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو نمط أكثر صرامة في التعامل مع حلفاء الولايات المتحدة، يقوم على تحميل الدول التي تخالف توجهاته في ملف معين تبعات تمتد إلى ملفات وعلاقات أخرى، في وقت تكشف فيه الحرب مع إيران عن قيود متزايدة على قدرة واشنطن على توظيف قوتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق أهدافها السياسية.

وبحسب تقرير تحليلي نشره موقع أكسيوس (Axios) في 18 أغسطس 2026، للكاتب ومحرر الشؤون السياسية زكاري باسو، تصاعد غضب ترامب من الحلفاء الذين رفضوا الانخراط في الحرب على إيران أو دعم النهج الأميركي تجاهها، وتحول هذا الغضب في عدد من الحالات إلى إجراءات سياسية وعسكرية واقتصادية مباشرة.

ويرى التقرير أن ترامب رسخ خلال ولايته الثانية قاعدة غير معلنة في علاقته بشركاء واشنطن، مفادها أن مخالفة الإدارة الأميركية في مسرح جغرافي أو قضية معينة قد تترتب عليها عواقب في مسارح وملفات أخرى، وهي نزعة ازدادت وضوحًا مع استمرار حرب إيران وتعثر الجهود الأميركية لإنهائها.

كوريا الجنوبية في دائرة الضغط

تبرز كوريا الجنوبية بوصفها أحدث الأمثلة على هذا النهج، رغم أن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسث وصفها مؤخرًا بأنها «حليف نموذجي». فقد أمر ترامب بخفض كبير لمناورات «أولتشي فريدم شيلد» السنوية المشتركة مع سيول، وهي مناورات ظلت لعقود إحدى ركائز الردع الأميركي في مواجهة كوريا الشمالية.

وبرر ترامب قراره بكلفة المناورات وبما وصفه بعلاقته الجيدة جدًا مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وكشف كذلك أنه سأل الرئيس الكوري الجنوبي عما إذا كانت بلاده ترغب في الانضمام إلى جهود نزع السلاح النووي الإيراني، إلا أن الرد كان بالرفض. وقال ترامب لاحقًا إنه لا يمكن للولايات المتحدة حماية الدول في كل مكان عندما لا تكون هذه الدول موجودة لمساعدتها.

أوروبا تدفع ثمن الخلاف حول إيران

ولا تقتصر سياسة الضغط على آسيا. فالتقرير يشير إلى أن أوروبا، التي تعرضت طوال سنوات لضغوط ترامب بشأن قضايا الدفاع والإنفاق والعلاقات التجارية، باتت تواجه نهجًا أكثر منهجية مع اتساع الخلافات عبر الأطلسي بسبب الحرب على إيران.

وفي هذا السياق، أفادت وكالة بلومبرغ، وفق ما ينقله التقرير، بأن البنتاغون أرسل إلى حلفاء حلف شمال الأطلسي «الناتو» استبيانًا يستقصي مدى انسجامهم مع السياسة الخارجية لإدارة ترامب، ويتناول دعم العمليات الأميركية، وإتاحة الوصول العسكري، وشراء الأسلحة، إضافة إلى موقف كل دولة من توجهات الإدارة.

وترافقت هذه الضغوط مع خطوات عملية. فقد نقل البنتاغون في مايو نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا بعد انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس علنًا استراتيجية ترامب تجاه إيران. كما هدد الرئيس الأميركي بقطع التبادل التجاري مع إسبانيا بعدما رفضت مدريد السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها لشن ضربات على إيران، قبل أن يطرح مسؤول في البنتاغون، بحسب رويترز كما يورد التقرير، فكرة تعليق عضوية إسبانيا في الناتو.

عُمان من الوساطة إلى دائرة التهديد

وامتدت تداعيات التوتر إلى سلطنة عُمان، رغم دورها وسيطًا رئيسيًا في المحاولات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز. ووفق التقرير، هدد ترامب السلطنة بـ«قصفها بشكل كامل» إذا وقفت عائقًا أمام التوصل إلى اتفاق مع إيران، ما يعكس اتساع نطاق الضغط ليشمل حتى الدول المنخرطة في جهود الوساطة.

وتأتي هذه التطورات في وقت انتهت فيه مهلة الستين يومًا التي حددها ترامب وإيران للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي من دون التوصل إلى نتيجة. ويشير التقرير إلى أن الطرفين أصبحا أبعد عن الاتفاق مقارنة بوضعهما عند توقيع مذكرة التفاهم في يونيو، فيما لا يزال مضيق هرمز يمثل أحد أبرز مظاهر الجمود رغم أشهر من الضغط العسكري والاقتصادي الأميركي.

حدود القوة الأميركية

يربط تقرير أكسيوس بين حملة الضغط على الحلفاء وبين سؤال أوسع يتعلق بحدود القوة الأميركية الصلبة. فاستمرار أزمة هرمز وتعثر التوصل إلى تسوية مع إيران، رغم الأدوات العسكرية والاقتصادية التي استخدمتها واشنطن، يطرحان تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة.

ويشير التقرير كذلك إلى أن البحرية الأميركية اضطرت، وسط تصاعد التوتر، إلى سحب حاملة الطائرات «جورج واشنطن» من غرب المحيط الهادئ لتحل محل حاملة «أبراهام لينكولن» المنتشرة منذ فترة طويلة، ما ترك آسيا مؤقتًا من دون حاملة طائرات أميركية.

ويحمل هذا التحرك دلالة تتجاوز الانتشار العسكري نفسه، إذ يوضح الضغوط التي يفرضها استمرار الحرب على الموارد الأميركية وقدرة واشنطن على الحفاظ بالتزامن على حضور عسكري قوي في عدة مسارح استراتيجية.

البيت الأبيض يدافع عن سياسة ترامب

في المقابل، يرفض البيت الأبيض القراءة التي يقدمها التقرير بشأن تراجع القوة الأميركية. ونقل أكسيوس عن المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي قولها إن ترامب نجح في جعل الولايات المتحدة «محترمة مجددًا»، مستشهدة بإنهاء تسع حروب وتحرير رهائن من غزة وإبرام صفقات تجارية أكثر إنصافًا ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وأكدت كيلي أن ترامب لن يسمح بمعاملة الولايات المتحدة بصورة غير منصفة، وأنه يعمل على تصحيح ما وصفته بأخطاء تراكمت على مدى عقود، من خلال ضمان أن تقوم العلاقات الدبلوماسية الأميركية على مبدأ المعاملة بالمثل.

خطر تآكل شبكة التحالفات

لكن القضية الأبعد مدى، بحسب تحليل أكسيوس، تتعلق بما قد تتركه هذه السياسة من أثر على منظومة التحالفات الأميركية نفسها. فالرسالة التي قد يستخلصها شركاء واشنطن هي ضرورة الاستعداد لعالم لا تكون فيه الولايات المتحدة حاضرة بالضرورة عندما يحتاجون إليها.

ومن شأن هذا التصور، وفق الكاتب، أن يدفع الحلفاء إلى التحوط وتقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة والبحث عن بدائل أمنية وسياسية، بما قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل شبكة العلاقات والتحالفات التي شكلت على مدى أجيال أحد أهم مصادر النفوذ والقوة الأميركية عالميًا.

وبذلك تبدو المفارقة التي يخلص إليها التقرير في أن محاولة ترامب استخدام ثقل الولايات المتحدة لمعاقبة الحلفاء وإجبارهم على الانسجام مع سياساته قد تحمل نتيجة عكسية على المدى البعيد: دفع هؤلاء الحلفاء إلى تقليل اعتمادهم على واشنطن، في الوقت الذي تكشف فيه الحرب مع إيران أن امتلاك قوة عسكرية هائلة لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية سريعة وحاسمة.